حمر عين 2008
21-09-2007, 12:28 AM
نظريات تفسير السلوك الإجرامي </B>
تعد الجريمة ظاهرةً اجتماعية يرتبط وجودها بوجود المجتمعات، فمتى وجدت المجتمعات وجد الأفراد برغباتهم وأهوائهم وأهدافهم المختلفة التي قد تتضارب وتتعارض أحياناً، مما يجعل البعض يرى في الاعتداء على الآخرين سبيلاً لتحقيق أهدافه الخاصة، فالجريمة قديمةٌ قدم الوجود الإنساني، ولعل أول جريمة حدثت في التاريخ البشري هي جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل.
وتحظى أسباب الجريمة والرغبة في السيطرة عليها بأوفر قدر من الاهتمام والقلق لدى المسئولين والعلماء، وقد ظهر العديد من الدراسات الفلسفية والفكرية التي تدعو إلى الاهتمام بشخص المجرم، ودوافعه لارتكاب الجريمة، بل والأهم من ذلك التفكير فيما يجب عمله نحو المجرم حتى يتحقق صلاحه وعدم عودته للجريمة مرة أخرى.
وهناك كثيرٌ من النظريات حاول أصحابها تفسير السلوك الإجرامي، وإبراز الدوافع المختلفة التي تكمن وراء هذا السلوك، سنلقي الضوء على بعضها وقد يكون في إلقاء الضوء على تلك الدوافع والنظريات كشف عن الأسباب الحقيقية وراء ارتكاب بعض أفراد المجتمع للجرائم.
غير أن الملاحظ مبدئياً أن كل تلك النظريات التي جاء بها الفلاسفة وعلماء الاجتماع والتربية الغربيون انطلقوا فيها من منطلقات مادية تتوافق مع ثقافاتهم التي تتخذ من المادة منهجا للبحث العلمي وتغفل أي أثر للروح أو القيم التي جاء بها الدين.
ونحن كوننا مسلمين نمتلك من الشجاعة ما يجعلنا قادرين على تقبل الفكر الإنساني أيا كان مصدره ثم ننتقده ونخضعه لمعايير ديننا السمح فما وجدنا فيه اتفاقا مع شريعتنا وقيمنا قبلناه وما وجدناه غير ذلك رددناه.
والأسباب الداعية لارتكاب الجريمة لاعلاقة لها بالدين ولكن معرفتها قد تساعد على التوصل إلى الأساليب التي يمكن من خلالها إزالة هذه الأسباب، وهدا مايسمى بسياسة تجفيف المنابع، حيث يتم التغلب على المشكلة بإزالة أسبابها.
تفسير السلوك الإجرامي:
اهتم رجال الفكر والعلم بمحاولة تفسير الجريمة منذ زمن بعيدٍ، إلا أن هذا الاهتمام لم يأخذ الطابع العلمي إلا منذ عهد قريب، فقد تميزت التفسيرات القديمة للسلوك الإجرامي بأنها ذات طابع ميتافيزيقا غيبي، فقد كان الاعتقاد السائد يقول بوجود قوى سحرية غيبية أو أرواح شريرة تؤثر على الفرد وتجعله يسلك سلوكاً إجرامياً، وبالتالي فإن هذه التفسيرات تميزت باللاموضوعية والبعد عن الأسلوب العلمي.(1)
وكان بعض القدامى أيضاً يعتقدون أن الجريمة قدر محتوم من قبل الآلهة ولذا لاينبغي أن نبحث عن أسبابها في الفرد أو المجتمع، وهي تعبر عن غضب الآلهة، كما ذكر بعض الفلاسفة أن الجريمة ظاهرة تنشأ عن إهمال التربية والتهذيب الروحي(2)
ومن أقدم النظريات الفلسفية في تفسير الجريمة قول سقراط بأن السلوك الإجرامي والجريمة يرجعان إلى الجهل، وأن السلوك السوي والفضيلة يرجعان إلى العلم. وقال أفلاطون في كتابه (القوانين) إن سبب الجريمة طبيعي في الفرد، ويساعد عليه شيطان يحمله الإنسان معه أينما سار، في حين يرى أرسطو أن السبب وراء السلوك الإجرامي ليس غيبياً ولكنه يرجع إلى الجشع والحسد وحب الثروة والطموح(3)
وترجع الدراسة المنظمة لأسباب الجريمة والسلوك الإجرامي إلى قرنين فقط من الزمان، فحتى وقت الثورة الأمريكية تقريباً كان المعتقد أن السبب وراء ارتكاب الجرائم هو الانحطاط الفطري الذي يغرسه الشيطان في الفرد. بمعنى أن هناك شيئاً ما خارجاً عن الفرد والمجتمع هو المسئول عن الجريمة كانت فكرة إمكانية القضاء على الجريمة أو تخفيض معدلاتها بتعديل الظروف التي تنتجها أمراً بعيداً تماماً(3).
ومع بداية العصر الحديث بدأت مجموعة من الدراسات المتعلقة بالبحث في أسباب الجريمة في الظهور، ولكن هذه الدراسات افتقدت الطابع العلمي، ولم يأخذ البحث في أسباب الجريمة الطابع العلمي إلا بعد الثورة العلمية التي ظهرت في العلوم الاجتماعية، والتي كانت تابعة للثورة العلمية في مجال العلوم الطبيعية، وقد تعددت الدراسات بتعدد العلوم التي تهتم بالسلوك الإجرامي، وعليه فقد تعددت اتجاهات تحديد عوامل وأسباب هذا السلوك(4). وقد ظهرت مجموعة من المراكز المتخصصة في مجال الجريمة عالمياً وعربياً منها على سبيل المثال (المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية) في القاهرة والمركز العربي للدراسات الأمنية في الرياض.
وفيما يلي نتناول عدداً من النظريات التي حاولت تفسير السلوك الإجرامي:
النظريات التفسيرية للإجرام:
أولاً: المدارس التكوينية:
(يقصد بالمدارس التكوينية تلك التي تربط بين الجريمة والتكوين العضوي للمجرم، سواء من حيث الشكل الخارجي لأعضاء جسمه أو أداء أعضائه الداخلية لوظائفها)(5).
فقد أثبتت بعض الدراسات وجود ارتباط بين التشوهات الجسمية والعيوب الخلقية، والسلوك الإجرامي، حيث اتضح من هذه الدراسات أن عدداً ليس بالقليل من المجرمين كانوا يعانون من عيوبٍ جسميةٍ(6) وربما يكون للأدب الأنجليزي دور في لفت أنظار الباحثين إلى وجود علاقةٍ بين الشكل الخارجي للفرد والسلوك الإجرامي، وذلك لما قدمه الأدب الإنجليزي من تصور للشخصية الإجرامية، حيث يوجد دائماً علاقة بين الشر وبعض السمات الجسدية، فيقول قيصر عن عدوه الخائف: إن (يوند كاسيوس) يتميز بتلك النظرة المخيفة، وأمثال هؤلاء يشكلون خطراً جسيماً. كما أن (جورج كروشانك) في رواية ديكتر) (أوليفر تويست) يصف كلاً من فاجن، وبيل سايكس بأن لهم حضوراً شريراً(7).
ويؤيد بعض الإعلاميين تلك الرؤية لشخص المجرم، حيث غالباً مايصور بعض مخرجي الأفلام السينمائية المجرم في هيئة ضخمةٍ، ووجهٍ مشوه وغلظة في الطبع، وصوتٍ مرتفع،... إلى غير ذلك من الصفات البدنية المتعلقة بالشكل الخارجي للمجرم.
وقد يؤدي الشعور بالخوف والقلق وعدم الاستقرار الذي ينتاب المرضى وأصحاب العاهات إلى انحرافهم أو إجرامهم، أو أن يقوم هؤلاء الأفراد بسلوك تعويضي من خلال الانحراف أو الجريمة يحاولون به تعويض أنفسهم عن الفشل في الدراسة أو عدم احترام الجنس الآخر لهم.. الخ(8).
ويجب التنويه إلى أن هذه النظريات لاتنكر أثر العوامل النفسية والجتماعية ولكنها ترى أن دورها ثانوي، أما السبب الرئيسي في السلوك الإجرامي فيرجع إلي عامل التكوين العضوي(9).
ويرجع الفضل في نشأة المدارس التكوينية إلى الطبيب الإيطالي (شيزاري لومبروزو) صاحب فكرة الإنسان المجرم وكان ذلك في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأطلق البعض اسم (المدرسة الوضعية) على المدرسة التي أسسها لومبروزو(10).
وفيما يلي نتناول المدارس التكوينية متبعين كلاً منها بالنقد الموجه إليها وذلك على النحو التالي:
1 ـ المدرسة التكوينية التقليدية (المدرسة اللومبروزية):
أجرى (لومبروزو) مجموعة من الفحوص والدراسات على بعض المجرمين الأحياء والأموات بهدف الوصول إلى نتائج تسمح بالتمييز بينهم وبين الأسوياء غير المجرمين، فقد أجرى أبحاثه على حوالي 383 جمجمة لمجرمين موتى وحوالي 600 مجرم على قيد الحياة مستخدماً المنهج التجريبي. وقد ضمن (لومبروزو) نتائج هذه الأبحاث في الطبعة الأولى من كتابه (الإنسان المجرم) عام 1876م، والذي قال فيه: (إن المجرم وحش بدائي يتميز بملامح خاصة توفرت فيه عن طريق الوراثة، وأنه مطبوع على الإجرام)(11).
ومما أكد فكرة (الإنسان المجرم) عند لومبروزو أنه عندما قام بتشريح جثة شقى قاطع طريق يدعى (فيليلا) من جنوب إيطاليا لاحظ عنده فراغاً في مؤخرة الجبهة يشبه ذلك الذي يوجد عند القردة، مما حدا به إلي القول بأن المجرم وحشٌ بدائي).(12)
ولعل الذي قاد (لومبروزو) إلى إجراء هذه الدراسات هو ملاحظاته في أثناء عمله في الجيش الإيطالي، حيث لاحظ أن الجنود المشاكسين ينفردون بخصائص غير موجودة في غيرهم من الجنود الطيعين الهادئين، فقد كان هؤلاء المشاكسون يعتادون وشم أجزاء من أجسامهم بصور فاحشة، وكتابات ماجنة، وعند تشريح جثث بعض المتوفين منهم لاحظ وجود عيوب في التكوين الجسماني لهم(13).
وقد ذكر (لومبروزو) مجموعة من الصفات تشبه صفات الحيوانات البدائية، وقال بأن توفر خمس صفات أو أكثر من هذه السمات الجسدية يجعل الفرد خاصعاً للنمط الإجرامي التام، وإذا توفر لديه ثلاث صفات يكون من النمط الإجرامي الناقص، وإذا قلت هذه الصفات عن ثلاث فليس من الضروري اعتباره مجرماً. وهذه الصفات لاتكون سبباً في الجريمة بقدر ماتعني ارتداد صاحبها إلي النمط المتوحش البدائي، ومن هذه الصفات مايلي:(14).
1 ـ عدم انتظام وتشابه نصفي الوجه.
2 ـ كبر زائد في أبعاد الفك وعظام الوجنتين.
3 ـ تشوهات في العينين.
4 ـ امتلاء الشفتين وضخامتهما وبروزهما.
5 ـ طول زائد للذراعين.
6 ـ وجود أصابع زائدة في اليدين والقدمين.
ومما أشار إليه (لومبروزو) أيضاً أن السبب الأساسي للسلوك الإجرامي إنما يرجع إلى ما أسماه (بالاندفاع الخلقي) الذي يكون متأصلاً في تكوني المجرمين فيولدون به، وبالتالي يصعب على الظروف البيئية مهما كانت أن تغير من هذا القدر الذي لاخلاص منه.(15)
ومن الصفات النفسية التي تميز الإنسان المجرم عند (لومبروزو): عدم الشعور بالألم، وذلك لملاحظة كثرة الوشم على أجسام المجرمين، والاندفاع والغرور، وعدم الخجل(16). وكذلك الفظاظة، وغلظة القلب، مما يجعلهم يقدمون على جرائم الدم(17).
وقد ازداد التفكير في الربط بين السمات الجسدية والسلوك الإجرامي، بعد ظهور نظرية دارون في التطور البشري، وبعد الاهتمام المتزايد بعلم تحسين النسل، الذي كان يقوده في ذلك الحين سير (فرانسيس جالتون). فبعد الاهتمام بوجود علاقة بين الصفات الجسدية والسلوك الإجرامي كان نتيجة طبيعية لعمل بعض علماء فراسة الدماغ، مثل (فرانسيس كول)، وتلميذه دكتور (ليفرجن) الفرنسي، الذي قال بأن للمجرمين وجوهاً خاصة تتميز بالنظرة الوحشية وعدم التأثر بشيء(18).
وقد تعرض (لومبروزو) لنقد شديد من زميله (أنريكو فيري) الذي كان أستاذاً للقانون الجنائي بجامعة روما، وكان من المعارضين لنظرية (لومبروزو) عن الإنسان المجرم، ويرى فيرى أن العوامل المحيطة بالمجرم سواء كانت عضوية أو مادية أو اجتماعية، لها دور كبيرٌ في السلوك الإجرامي للفرد، وقد ضمن فيرى هذه الأفكار في كتابه (علم الاجتماع الجنائي)(19).
وقد وجد نقد (فيرى) صدى عند (لومبروزو) مما جعله يعترف بالعوامل الاجتماعية ـ وإن كان ذلك على نطاق ضيق ـ وقد أعاد (لومبروزو) صياغة نظريته بحيث قسم المجرمين إلى الفئات التالية:(20).
1 ـ المجرم المطبوع أو المجرم بالفطرة.
2 ـ المجرم الصرعى.
3 ـ المجرم المجنون.
4 ـ المجرم السيكوباتي.
5 ـ المجرم بالصدقة.
6 ـ المجرم المعتاد.
7 ـ المجرم العاطفي.
تقييم نظرية لومبروزو:
من أهم الانتقادات التي وجهت إلى نظرية لومبروزو أنه لم يقدم تفسيراً علمياً للعلاقة بين الخصائص الجسمية، والسلوك الإجرامي، كذلك فإن فكرة الجريمة تعتمد على التمييز بين الأفعال المشروعة، وغير المشروعة، وهي نسبية تختلف من مجتمع إلى آخر، بما يشر إلى أن الجريمة مفهوم نسبي يعتمد على قيم المجتمع التي لاعلاقة لها بالخصائص الجسمية لبعض الناس.(21)
وقد أشار (لومبروزو) في نظريته إلى أن الإنسان المجرم قد ورث بعض الصفات البيولوجية، والخصائص الخلقية بإنسان ماقبل التاريخ، أو الإنسان البدائي مما يشير إلى أن جميع أفراد المجتمع البدائي كانوا متوحشين، أو مجرمين، وهذا بالطبع لم يثبت تاريخياً(22)
وهذا مالايتوافق مع الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى إحسان الظن بالآخرين فإن العلاقة بين الخصائص الجسمية والسلوك الإجرامي ليست دائماً صحيحة، فليس كل المجرمين ذوي ملامح وحشيةٍ، كما أنه ليس ضرورياً أن يصبح كل فرد يعاني من عيب خلقي مجرما، فجرائم الاحتيال والنصب غالباً مايرتكبها أفراد ذوو هيئات وسيمةٍ حتى يستطيعوا إقناع ضحاياهم عن طريق حسن مظهرهم أنهم من علية القوم.
كما أن جرائم الجنس تعتمد في كثير من الأحيان على استغلال بعض الأفراد لما يتميزون به من جمال الشكل، في التغرير بضحاياهم، وفي هذا دليل على أن العلاقة بين الشكل الخارجي والسلوك الإجرامي ليست دائماً صحيحة.
وإننا ـ على الجانب الآخر ـ نرى صُماً وعُمياناً وعُرجاناً، ومبتورى الأيدي، أو السيقان، أو ذوى الأجسام الضخمة، والملامح الوجهية الخشنة إلا أنهم ذوو قلوبٍ رحيمة، وأخلاق سامية.
ونحن نميل إلى ما أثبتته (أنا استاذي) من عدم وجود علاقة بين حجم الجسم، أو خصائص الوجه والجمجمة، وبين السلوك الإجرامي، وقالت بأن هذه العلاقة تكاد تكون منعدمة(23)
2 ـ النظرية الوراثية:
تقوم هذه النظرية على افتراض مؤداه أن بعض الخصائص الموروثة تجعل أصحابها ذوى سلوكيات إجرامية(26).
أي أن النظرية الوراثية ترى أن السلوك الإجرامي ينتقل بالوراثة كسائر السمات الجينية التي تنتقل للفرد عن طريق الوراثة، وقد أظهرت تلك الدراسات التي أجريت على أسر تفشى فيها الإجرام، ففي دراسة أجراها (دوجدال) على تاريخ أسرة (جوك)، لمدة 75 سنة، حيث أجرى فحصاً على 1200 فرد من المنحدرين منها، تبين لهم من خلاله أنه قد خرج من هذه الأسرة 280 متسولاً، 140 مجرماً، 65 لصاً، 7 قتلة، 50 عاهرةً، 440 مصاباً بأمراض سرية نتيجة للسلوك الجنسي المشاع، و30 طفلاً غير شرعي.(27)
وقد أثبتت بعض الدراسات أن السلوك الإجرامي يرجع إلى كروموزوم إضافي محدد للجنس لدى بعض الأشخاص ـ فمن المعروف أنه يوجد في الذكور السوية تركيبٌ كروموزومي وفي الإناث السوية تركيب كروموزومي، وأن الكروموزوم الإضافي يجعل سلوك صاحبه متسماً بالعنف، والقسوة، والعدوانية.(28)
وقد بدأ العلماء بالفعل في التركيز على دراسة أشجار العائلة لدى المجرمين، ودلت الأبحاث على أنه كلما تشابه التركيب التكويني لشخصين تشابه سجلهما الإجرامي(29).
وأجريت منذ أعوام قليلة مجموعة من الأبحاث التي تتعلق بالمظاهر المختلفة لهذا الشذوذ التركيبي، فيقول (فورسمان) بخصوص هذا الموضوع أنه قد أصبح من المسلم به أن هؤلاء الرجال الذين يحتوون على كروموزوم إضافي قد يظهرون بعض السلوكيات المعادية للمجتمع(30). وهذه النظرية باطلة لأننا نرى الولد الصالح يخرج من الأب الفاجر كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ونرى الولد الفاجر يخرج من الأب الصالح كما قص الله علينا خبر نوح عليه الصلاة والسلام وابنه الكافر، إضافة إلى أن هذه النظرية ترسخ الجريمة أكثر لأن الأسر التي انتشرت فيهم مثلاً الجريمة لايحاولون إصلاح أولادهم ولا المجتمع يصلحهم لأنهم ـ بناء على هذه النظرية ـ سيصبحون مجرمين حتماً، إضافة إلى أن هذه النظرية فيها مايشبه مذهب القائلين بالجبر والذي مؤداه عدم مؤاخذة المذنب لأنه لاذنب له في ارتكاب الجريمة حيث ورثها عن آبائه وأجداده وهذا باطل.
3 ـ نظرية المحددات التكوينية (نمط بنية الجسم):
وتمثل هذه النظرية أحد الاتجاهات البيولوجية في تفسير الجريمة، ويحاول أصحاب هذا الاتجاه الربط بين أنماط بناء الجسم، وارتكاب أشكال معينة من الجرائم. (ودراسة الأنماط) نظام وصفي يقسم الناس إلى فئات محددة طبقاً لبناء أو تكوين الجسم، ويضع وصفاً للخصائص الجوهرية التي تميز كل فئة أو نمط. وكان أبو قراط الطبيب اليوناني القديم أول من أرسى دعائم دراسة الأنماط)(31).
4 ـ نظرية الاضطرابات الفسيولوجية:
(يرى أصحاب هذا الاتجاه أن بعض الاضطرابات الفسيولوجية التي قد توجد لدى بعض الناس، كزيادة إفرازات الغدد الصماء أو نقصانها أو الاضطرابات في عملية التمثيل الغذائي من شأنها أن تؤدي إلى السلوك الإجرامي).
وحيث إن الغدد الصماء هي المسؤولة عن النمو الهيكلي لجسم الإنسان وتأكيد صفات الذكورة والأنوثة فيه، فإن اختلال وظائف هذه الغدد يؤدي إلى نتائج تظهر في أعضاء جسم الإنسان من حيث التضخم والضمور والذكورة والأنوثة والنشاط والخمول والهيجان والاستقرار مما يؤدي في ظروف معينة إلى ارتكاب الفرد جرائم معينة. والغدد الصماء هي الغدد المقفلة إلا من قنوات تخرج ما تفرزه منه هرمونات كيماوية تساعد على النمو الجسمي والعقلي للفرد والتي يؤدي اضطراب إفرازاتها إلى اضطراب نمو الفرد، ومن هذه الغدد الغدة النخامية، والغدة الدرقية، والغد التناسلية.
وقد أثبت عالم الإجرام الإيطالي (بند) أن الإفراط في إفراز الغدة الدرقية يؤدي إلى جرائم العنف، وأن الخمول في إفراز الغدة النخامية يؤدي إلى جرائم الأموال.
ويذكر أصحاب هذا الاتجاه أن العلاقة بين الاضطرابات الفسيولوجية والسلوك الإجرامي هي علاقة السبب والنتيجة، بمعنى أنها علاقة ذات اتجاه واحد، أي أن انعدام التوازن في العمليات الفسيولوجية يؤدي إلى إفساد دوافع الفرد وسلوكه مما يؤدي به إلي ارتكاب الجرائم.
ونظرتنا نحن المسلمين المحكومين بشرع الله تعالى فإننا لانطمئن إلى هذه النظرية لأن مناط المسؤولية في الإسلام هو العقل والإرادة.
نقد النظريات السابقة:
^ أيها القاريء العزيز إن جميع ماذكر في النظريات السابقة هو دليل على فساد العقل الفلسفي الذي لم يهتد بنور الشرع الحنيف كما يدل على قصور البشر وتخبط بعضهم، ومامن شك أن الجريمة قد يكون لها سبب واحد أو أسباب متعددة تختلف باختلاف الناس وإن كان ضعف التدين الذي يجعل الإنسان رقيباً على نفسه محاسباً لها هو السبب الرئيس الذي تتولد منه الأسباب الأخرى كقلة التربية وانتشار الفساد في المجتمع مما يشجع على الإقدام على الجريمة والجهل المطبق سواء بالأحكام الشرعية أو بما يحتاجه الإنسان في حياته المعاصرة، ولا ينكر أيضاً أثر البيئة التي يعيش فيها المجرم في تشكيل نفسيته الإجرامية من أسرته إلى مدرسته إلى حارته إلى أقرانه وأصدقائه وقرابته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
^ المراجع:
1ـ السيد رمضان، الجريمة والانحراف من المنظور الاجتماعي، (الاسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 1985م)، ص63.
2ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، علم الإجرام وعلم العقاب، (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، ب ت) ص37.
3ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص63.
4ـ James William Coleman Coleman and Donald R. Cressy, Social Problems, third edition, Nehttp://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPG YorK Harper and Rohttp://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPG, phttp://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPGblishers, p. 406 .
5ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص38.
6ـ المرجع السابق، ص39.
7ـ د. محمد شحاتة ربيع وآخرون، علم النفس الجنائي، (القاهرة: دار غريب، 1995م)، ص92.
8ـ Herschl Prins, Criminl Behavior An Introdhttp://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPGcion to Its Sthttp://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPGdy and Treatment, Nehttp://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPG York Pitman phttp://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPGblishing, 1973, p.47 .
9ـ د. السيد رمضان، مرجع سابع، ص ص 85: 86.
10ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص 39.
11ـ James William Coleman and Donald R. Cressy, op. Cit, pp.407 ـ 406.
12ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص 40: 42.
13ـ د. حسنين إبراهيم صالح عبيد، الوجيز في علم الإجرام وعلم العقاب، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1978م) ص 37.
14ـ د. سامية حسن الساعاتي، الجريمة والمجتمع: بحوث في علم الاجتماع الجنائي، ط2، (بيروت: دار النهضة العربية، 1983م) ص92.
15ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص ص 74: 75.
16ـ د. سامية حسن الساعاتي، مرجع سابق، ص 93. عن:
17ـ د. نور الدين هنداوي، مبادئ علم العقاب، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1989م) ص37.
18ـ د. حسنين إبراهيم صالح عبيد، مرجع سابق، ص37.
19ـ .47Hershel Prins, op. Cit. , p.
20ـ د. نور الدين هنداوي، مرجع سابق، ص 38.
21ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص ص 42: 46.
22ـ د. محمود نجيب حسني، دروس في علم الإجرام وعلم العقاب، (القاهرة: دار النهضة العربية، 8891ص) المجتمع ص44.
أ: 145.
24: د. أنور محمد الشرقاوي، انحراف الأحداث، ط2 مكتبة القاهرة: (الانجلو المصرية، 1986ص) المجتمع 194.
25ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص 5.
26ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص 97.
27ـ محمد شحاته ربيع وآخرون، مرجع سابق، ص48.
28ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص 86.
29ـ د. محمد شحاته ربيع وآخرون، مرجع سابق، ص ص 48: 78.
30ـ James http://jmuslim.naseej.com/Img/Oblong.JPGilliam Coleman and Donald R. Cressy, op. cit, pp. 408 ـ 407.
31ـ Herschel Prins, op. Cit., p. 49.
حمر عين 2008
21-09-2007, 12:30 AM
ليس هناك من شك في أن ظاهرة الجريمة والمخالفة، تعد من اخطر الظواهر الاجتماعية التي تهدد الكيان البشري في أمنه، واستقراره، بل وحياته.
وانطلاقاً من الخطورة التي تتسم بها هذه الظاهرة تجد علماء القانون، وعلماء النفس يولون هذه الظاهرة اهتماماً منقطع النظير من حيث الدراسة حتى تمخضت هذه الدراسات عن نشوء علم مستقل باسم علم الاجرام (criminologie)، وإن كان هذا العلم (بالمعنى الفني للكلمة علماً حديث النشأة شأنه في ذلك شأن العلوم المتصلة بدراسة الإنسان، التي لم تتطور إلا بتطور المنهج العلمي التجريبي في دراسة الظواهر الاجتماعية والبحث في حقائق الحياة)(1).
لقد اصبح لهذا العلم قواعده الخاصة به، والتي تتصف بالعمومية التي يمكن اعادة الجزئيات إليها - على الرغم من بعض الجدل المحتدم حول اعتباره علماً -، كما اصبح من العلوم التي تدرس بشكل منتظم في جامعات العالم وقد عرف علم الاجرام بأنه:
(ذلك الفرع من العلوم الجنائية الذي يبحث في الجريمة باعتبارها ظاهرة في حياة الفرد، وفي حياة المجتمع، لتحديد وتفسير العوامل التي أدت إلى ارتكابها)(2).
لكن الأمر الذي يؤسف له هو أن موضوعاً كهذا لم يجد له مكاناً بين كتابات، ودراسات الباحثين الاسلاميين، وإن وجد ذلك فإنما هو على مستوىً ومقدار ضئيل جداً لا يتناسب مع خطورة ظاهرة الإجرام وانعكاساتها السلبية على المجتمع.
لقد أدلى فقهاء القانون، وعلماء النفس بدلائهم في غمار هذا العلم وأسسوا النظريات في عوامل السلوك الاجرامي لدى الإنسان كما سيأتي ذكره، ولكن هل اهمل الدين الإسلامي، أو خلت تعاليمه من تفسير ظاهرة السلوك الاجرامي، بحيث لاقى هذا الفرع من فروع العلم الإهمال الذي يعيشه أم أن القضية تعود إلى الباحثين الاسلاميين انفسهم، وتخضع لاعتباراتهم في انتقاء الموضوعات؟
المهم سوف نعرض في هذه الصفحات للنظريات التي جاء بها العلماء - القانونيون، والنفسانيون - في مجال عوامل السلوك الإجرامي ثم ننتقل بعدها إلى الدين الإسلامي فننظر في معالجته لهذا الأمر.
تقسيم النظريات
هناك نوعان من النظريات التي قيلت في تفسير ظاهرة السلوك الاجرامي وهي:
1) النظريات النفسية.
2) النظريات الاجتماعية.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك من دمج بين هذين النوعين من العوامل في نظريته لتفسير ظاهرة السلوك الاجرامي، وذلك تلافياً لما ورد على النظريات التي تعتمد جانباً واحداً في تفسيرها وكما سيأتي ذكره.
النظريات الفردية
يركز هذا القسم من النظريات على العوامل الفردية الذاتية في تفسيره لمسألة السلوك الاجرامي، فهو يرجع السلوك الاجرامي لدى الأفراد لاسباب ذاتية نفسية ومن هذه النظريات نذكر:
نظرية لومبروزو Lombroso:
يعتبر لومبروزو - أستاذ الطب الشرعي والعقلي في الجامعات الايطالية - الرائد في النظريات الفردية وبحكم امتلاك لومبروزو الروح التأملية فقد ساعده ذلك كثيراً في تفسير ما يدور حوله من الظواهر وخصوصاً السلوك الاجرامي لدى الأفراد.
لقد لاحظ لومبروزو بان (الجنود الاشرار يتميزون بعدة مميزات جسدية لم تكن موجودة في الجنود الاخيار)(3). وذلك خلال عمله في مجال الطب الشرعي في الجيش الايطالي لبعض الوقت.
فمن المميزات التي لاحظها لومبروزو في الجنود الأشرار (الوشمات والرسوم القبيحة التي كانوا يحدثونها على اجسادهم)(4).
هذا ما كان قد لاحظه مما يبدو للعيان على اجساد المجرمين، أما من خلال تشريح جثث الكثيرين من هؤلاء المجرمين فقد تبين له (وجود عيوب في تكوينهم الجسماني وشذوذ في الجمجمة... وانتهى لومبروزو من ذلك إلى أن المجرم نمط من البشر يتميز بملامح عضوية خاصة، ومظاهر جسمانية شاذة يرتد بها إلى عصور ما قبل التاريخ أو أن الإنسان المجرم وحش بدائي يحتفظ عن طريق الوراثة بالصفات البيولوجية والخصائص الخلقية الخاصة بانسان ما قبل التاريخ ومن بين هذه الخصائص صغر الجمجمة، وعدم انتظامها، وطول الذراعين، وكثرة غضون الوجه، واستعمال اليد اليسرى وضخامة الكفين والشذوذ في تركيب الأسنان إلى جانب عدم الحساسية في الشعور بالألم.
وبالاضافة إلى تلك الصفات العامة وقف لومبروزو على بعض الملامح العضوية التي تميز بين المجرمين. فالمجرم القاتل يتميز بضيق الجبهة، وبالنظرة العابسة الباردة، وطول الفكين وبروز الوجنتين، بينما يتميز المجرم السارق بحركة غير عادية لعينيه، وصغر غير عادي لحجمهما مع انخفاض الحاجبين وكثافة شعرهما وضخامة الانف وغالباً ما يكون أشولاً(5) (6).
هذا ملخص لنظرية لومبروزو في السلوك الاجرامي والتي ركز فيها على وجود صفات عضوية يتميز بها المجرم عن غيره، وقد تعرضت نظرية لومبروزو إلى الكثير من الانتقادات القاتلة وتلك التي اضطرته في النهاية إلى إجراء تعديل عليها فادخل تأثير العامل العصبي في تفسير السلوك الاجرامي.
ومن الانتقادات التي وجهت لنظرية لومبروزو نذكر:
1) إن الحالات التي ركز لومبروزو جهوده عليها في تجاربه لم يكن اصحابها من الكثرة بحيث يمكن استخلاص قانون عام يمكن تطبيقه على جميع الحالات الاجرامية، وهذا من الأخطاء الفظيعة التي وقع فيها لومبروزو في صياغة نظريته.
2) تركيزه على الجانب العضوي والمبالغة فيه كعامل للسلوك الاجرامي، واهماله بل انكاره تأثير العوامل الأخرى - بيئية، واجتماعية، وغيرها - في سلوك المجرم.
3) اعتبار بعض المظاهر التي يحدثها أي إنسان فضلاً عن الإنسان المجرم علامة على كون محدثها مجرماً، وذلك من قبيل إحداث الوشم وتحمل الألم لأجله، فهذا دليل - حسب قول لومبروزو - على عدم الإحساس بالألم، وبالتالي فإن عدم الإحساس بالألم من صفات المجرمين.
وكذلك مسألة استخدام اليد اليسرى علامة على السلوك الإجرامي.
لكن ومع الانتقادات الكثيرة التي وجهت لنظرية لومبروزو فسوف يظل لومبروزو (المؤسس الأول لعلم الانتروبولوجيا الجنائية أو الإنسان المجرم كعلم مستقل تجاه العلوم الاجتماعية... أما نظريته البيولوجية في عوامل تكوين الظاهرة الاجرامية فيكفيها أنها الدراسة الأولى التي استخدمت المنهج العلمي في تفسير الظاهرة الاجرامية)(7).
* نظرية دي تيليو Di Tullio (نظرية التكوين الإجرامي)(8):
جاءت نظرية دي تيليو كرد فعل على نظرية لومبروزو التي ركزت - كما تقدم - على وجود (المجرم بالتكوين) ودي تيليو وإن اتفق مع لومبروزو على وجود المجرم بالتكوين إلا انه أنكر كونه عاملاً وحيداً للسلوك الإجرامي، وإنما يشكل مع غيره من العوامل الاجتماعية عاملاً مركباً للسلوك الإجرامي.
لقد اتفق دي تيليو مع لومبروزو من حيث المبدأ بادئ ذي بدء إلا انه بدأ يتحول تدريجياً ورويداً رويداً(من فكرة المجرم الحتمي بالتكوين إلى فكرة المجرم الاحتمالي)(9).
وتتخلص نظرية دي تيليو باعتقاده بوجود ميل واستعداد للاجرام لدى الشخص المجرم وذلك إثر تكوين خاص للشخصية الفردية، واتسامها بصفات عضوية ووظيفية وراثية أو طبيعية أو مكتسبة من البيئة لقد فرق دي تيليو (بين صورتين رئيسيتين للاستعداد الإجرامي: الأولى عرضية والثانية ثابتة.
فالأولى: هي عوامل فردية واجتماعية اقوى من قدرة الجاني على ضبط مشاعره فتحرك عوامل الجريمة ليديه ومن أنواعها الحقد والغيرة.
والثانية: متجسدة في تكوين الإنسان وتتركز في ناحيتي التكوين العضوي والنفسي للشخصية الفردية وهذا ما يسميه أيضا دي تيليو الاستعداد الأصيل للاجرام المنبعث عن شخصية الجاني والذي يمثل مصدراً للجرائم الخطيرة).
لقد اعتبر دي تيليو بان لافرازات الغدد اثرها الكبير على سير أجهزة الجسم، والتي لها انعكاساتها في الوقت ذاته على مظاهر الحياة النفسية للانسان، وبالتالي على معالم شخصيته، وقد خلص دي تيليو في النهاية إلى وجود (نموذج بشري غددي اجرامي).
إن نظرية دي تيليو وان لم تسلم من النقد كذلك إلا أنها تعتبر بالنسبة لعلم الإجرام اكثر النظريات قبولاً، ومن الانتقادات التي تعرضت لها النظرية نذكر:
1) لقد بالغت النظرية في اعتبار تأثير الجانب العاطفي المختل في سلوك المجرم، وهذا يعني أن نظرية دي تيليو كانت كغيرها تقريباً في التركيز على الجانب الواحد.
2) إن دي تيليو وقع فيما وقع فيه لومبروزو في استخلاصه قانوناً عاماً من حالات قليلة اخضعت للتجارب لا ترقى إلى مستوى استخلاص القانون العام.
3) اهماله جانب المقارنة بين المجرمين والأسوياء والذي يعد على جانب كبير من الأهمية.
* مدرسة التحليل النفسي
ينصرف ذهن الإنسان حين يذكر اسم مدرسة التحليل النفسي إلى مؤسسها العالم سيجموند فرويد (Sigmund Freud 1856 - 1939)، والذي اتفق مع المدرسة التكوينية في ارجاع السلوك الإجرامي إلى العوامل الفردية، إلا انه اختلف معها في كون هذه العوامل نفسية لا عضوية. وللوقوف على حقيقة نظرية التحليل النفسي لابد لنا من ذكر التحليل الذي قام به فرويد للنفس الإنسانية كي يتسنى لنا فهم ما يقوله في نظريته.
لقد قسّم فرويد النفس الإنسانية إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: النفس ذات الشهوة (الذات الدنيا) ويرمز لها بالرمز (ID) والذي يعني (هو) وتحوي هذه المرتبة من النفس الميول الفطرية، والاستعدادات الموروثة، ويتركز اهتمام هذه المرتبة من النفس على الانسياق وراء الشهوات، وارضاء الغرائز بأية طريقة ممكنة بغض النظر عن اعتبارات المثل والقيم والمبادئ النبيلة.
المرتبة الثانية: الذات الشعورية أو الحسية (العقل) ويرمز لها بالرمز (EGO) ويعني (الأنا) وهي (مجموعة الملكات العقلية المستمدة من رغبات النفس بعد تهذيبها وفقاً لمقتضيات الحياة الخارجية)(10) وتتمثل وظيفة هذه المرتبة من النفس بالسعي نحو إيجاد نوع من التوازن بين الميول الفطرية والاستعدادات الموروثة من جهة، وبين متطلبات البيئة الخارجية من المثل العليا، والقيم، والأخلاق، والعادات والتقاليد. إذن فهي بمثابة الكابح بالنسبة إلى المرتبة الأولى، لحملها على التعبير عن نزعاتها بالشكل الذي ينسجم مع مقتضيات البيئة، ولا يتعارض مع ما تأمر به (الأنا العليا) وهي المرتبة الثالثة كما سيأتي.
المرتبة الثالثة: الذات المثالية (الضمير) ويرمز لها بالرمز (super - EGO) الذي يعني (الأنا العليا): وتتجسد هذه المرتبة بمجموعة المثل والقيم والتقاليد والعادات الموروثة عن الأجيال السابقة، وكذلك المكتسبة من البيئة الاجتماعية الحالية.
وتعمل هذه المرتبة (الأنا العليا) على محورين، فهي من جهة تمثل المصدر الحقيقي لردع المرتبة الأولى (هو) عن الانفلات من مقتضيات البيئة الخارجية، ومن جهة أخرى تمد (الأنا) بالقوة اللازمة للقيام بوظيفتها المباشرة في ردع وكبح جماح المرتبة الأولى من النفس.
وعلاوة على هذين المحورين هناك وظيفة ثالثة تتكفل بها الأنا العليا وتتمثل بمراقبة (الأنا) في أداء وظيفتها ومحاسبتها عند أي تقصير في أداء هذه الوظيفة.
وبعد أن قدمنا هذه المقدمة التحليلية الفرويدية للنفس الإنسانية نأتي إلى تلخيص رأي فرويد في عوامل السلوك الإجرامي - فنقول:
(يرى فرويد أن السلوك الفردي يتوقف على مدى العلاقة بين الأقسام الثلاثة السابقة للنفس الإنسانية. فإذا تغلبت الشهوات والميول الفطرية (النفس ذات الشهوة)، فإن السلوك يكون منحرفاً، وتكون شخصية صاحبه غير ناضجة، أما إذا تغلبت المثل والقيم الموروثة، وتحكم الضمير والعقل (الأنا العليا) كان السلوك قويماً وكانت شخصية صاحبه ناضجة)(11).
وللزيادة في التوضيح نقول أن فرويد قسم الذات الشعورية أو العقل (الأنا) - المرتبة الثانية للنفس - إلى ثلاثة أقسام:
1) الشعور: (العقل الظاهر): وهو وسيلة الوعي والإحساس والادراك المباشر.
2) ما قبل الشعور: (العقل الكامن): مجموعة الأفكار والنزعات والذكريات القابلة للاستظهار والتي يمكن للفرد تذكرها واسترجاعها.
3) اللاشعور: (العقل الباطن): وهو مجموعة الأفكار والخواطر التي ليس في وسع الإنسان استرجاعها وتذكرها إلا في الحالات الشاذة كالحلم، والحمى، والتنويم المغناطيسي.
ثم دمج فرويد بين الأول والثاني باسم الشعور (العقل الظاهر) فصارت أقسام الذات الشعورية اثنين فقط هما:
العقل الظاهر، والعقل الباطن.
وعلل فرويد الدمج بوجود قوة خفية من شأنها صد الخواطر والذكريات عن الظهور في منطقة الشعور لسببين:
الأول: كون هذه الذكريات والخواطر ضد العادات والتقاليد وقيم المجتمع.
الثاني: كون هذه الذكريات من النوع الذي لا يقوى الشعور على تحمل ما يصاحبها من الآلام قد اطلق فرويد على هذه القوة الصادة اسم قوة الكبت (Repression).
خلاصة القول: إن فرويد يرى لقوة الكبت هذه ابلغ الأثر في سلوك الإنسان، يفوق في قوته وتأثيره قوة وتأثير الشعور على الإنسان. إن قوة الكبت هذه تحوي ذكريات الطفولة، والحوادث النفسية المكبوتة، (فإذا كانت تربية الإنسان حيث كان طفلاً قائمة على أسس متوازنة توفق بين الرغبات والميول وبين أصول التربية النفسية السليمة، فإن من شأن ذلك تصعيد الرغبات المكبوتة تصعيداً متسامياً صحيحاً، وإلا اصبح الكبت مرضياً، وكان الفرد معرضاً في مستقبل حياته للامراض العصبية، والاضطرابات النفسية والتي قد تؤدي إلى نشأة العقد النفسية)(12)، وقد أعطى فرويد إلى العامل الجنسي القدر الأكبر من التأثير في السلوك.
نقد نظرية فرويد
تعرضت نظرية التحليل النفسي كغيرها من النظريات الفردية إلى العديد من الانتقادات نذكر منها:
1) لقد اخطأ فرويد (في نظريته عن الغريزة الجنسية، واعطى للدافع الجنسي أهمية تفوق ما يستحق في الواقع فقد اقام فكرته على أساس مبدأ اللذة، واعتبر سعادة الناس وشقائهم منوطين بكيفية اشباع غريزة التلذذ، ونجاحهم أو عدم نجاحهم في إرضاء الشهوة الجنسية)(13).
بعبارة أخرى وقوع النظرية في التركيز على العامل الواحد في تفسير ظاهرة السلوك الإجرامي.
2) (إن الأخذ بمنطق المدرسة التحليلية يقودنا إلى التسليم بحتمية الوقوع في الجريمة تبعاً للصراع الذي يتم في الجانب اللاشعوري من النفس البشرية، وما يصاحبه من خلل أو اضطراب نفسي. ولكن هذا يتعارض مع اعتبار الجريمة مخلوقاً قانونياً يتجاوب مع متطلبات الحياة الاجتماعية)(14).
النظريات الاجتماعية في تفسير السلوك الإجرامي
كان ما تقدم عرضاً موجزاً لأهم النظريات الفردية التي انشئت لتفسير ظاهرة السلوك الاجرامي، وقد أعرضنا عن ذكر جميعها اكتفاءاً بذكر الأهم منها.
وفي مقابل هذه النظريات هناك نظريات تفسر ظاهرة السلوك الإجرامي على ضوء العوامل الاجتماعية، وعلى نفس المنوال سوف نتعرض إلى أهم ما قيل من النظريات في هذا المضمار وهما:
أ . نظرية التفكك الاجتماعي.
ب . نظرية العوامل الاقتصادية.
نظرية التفكك الاجتماعي
يعتبر عالم الاجتماع الأمريكي ثورستن سيلين رائد هذه النظرية، وصاحبها، فقد استوحى سيلين نظريته هذه (من واقع المجتمع الأمريكي الذي عاصره، ومن واقع المجتمعات التي عاصرها ولم يعايشها بل طرقت مسامعه الظواهر الاجرامية فيها وقارنها بالمجتمعات الريفية التي وجد فيها انخفاضاً في حجم الظواهر الاجرامية قياساً إلى حجم تلك الظواهر في المجتمعات المتحضرة، مما شجعه على إجراء مقارنة عددية كان نتيجتها ارتفاع حجم الظاهرة الاجرامية ارتفاعاً كبيراً في المجتمعات المتحضرة وانخفاض حجم هذه الظاهرة انخفاضاً كبيراً في المجتمعات الريفية، لهذه العلة ارجع الظاهرة الاجرامية إلى التفكك الاجتماعي)(15).
تتميز هذه النظرية بدعوتها إلى تشبه المجتمع المتحضر بالمجتمع الريفي في حرصه على الحفاظ على الروابط الاسرية والاجتماعية، كما تدعو إلى تربية الطفل وتنشأته نشأة ريفية تسودها القيم، والمثل العليا علاوة على ذلك تستنكر النظرية مسألة فساد الضمير الإنساني وتفككه نتيجة اغراقه بمظاهر الحياة الحضارية المنفلتة، وترى صلاح الضمير بالتعاون والترابط الاجتماعي.
إن هذه الميزات التي تميزت بها النظرية جعلتها مقبولة بدرجة كبيرة بالنسبة للبعض من علماء الاجرام، فهذا البعض يتفق (مع منطق هذه النظرية بالنظر لما تمليه تربية الضمير من معانٍ سامية تدفع الإنسان لسلوك طريق الخير والرشاد، وحبه لأبناء مجتمعه، وقد حث رسول الله (ص) على اشاعة هذا الخير من خلال الربط بينه وبين الإيمان بقوله:
(لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)(16).
وعلى الرغم من المزايا التي تميزت بها هذه النظرية حيث كانت تحمل بين طياتها دعوة إلى التحلي بالقيم والمثل العليا لمكان أثرها الإيجابي في التخفيف من ظاهرة الجريمة، إلا أنها لم تسلم - مع كل هذا - من الانتقادات، فمن هذه الانتقادات نورد:
1) على الرغم من اتّسام الغالبية العظمى من أفراد المجتمع المتحضر إن لم نقل الكل بسمات التفكك وضعف الروابط الاجتماعية فإن من يقترف الجريمة من هؤلاء هو البعض وليس الجميع ممن يتسم بالتفكك، ولو صح ارجاع السلوك الإجرامي إلى التفكك الاجتماعي للزم أن يكون كل من يتسم بالتفكك من المجرمين وليس البعض فقط.
2) سبق أن قلنا بأن ثورستن سيلين - صاحب هذه النظرية - كان قد استوحى نظريته من واقع المجتمع الأمريكي، وما يتميز به من ظروف خاصة به. فعلى تقدير التسليم بصحة ودقة نتائج هذه النظرية فإن مجال تطبيقها هو المجتمع الذي نشأت وفق ظروفه لا غير. أي أنها لا تصلح للتطبيق إلا في المجتمع الأمريكي، وذلك لأن غيره من المجتمعات قد (لا يتسم بهذه السمات لذا لا يمكن قياسها على المجتمع الأمريكي الذي اجريت هذه الدراسة عليه)(17).
نظرية العوامل الاقتصادية
هناك من العلماء من اتجه (إلى تفسير الظاهرة الاجرامية من خلال الربط بين الأوضاع الاقتصادية السائدة وبين السلوك الاجرامي)(18).
ترى هذه النظرية بان (أفعال الأفراد وسلوكهم، وكذلك نظريات العلماء الاخلاقية، في كل عصر تبين خصائص النظام الاجتماعي والأوضاع الاقتصادية لذلك العصر)(19).
لقد تبنى كارل ماركس وأصحابه هذه النظرية واستعانوا بها في طرح مذهبهم المناهض للرأسمالية الغربية التي رأوا فيها بانها تجسد الطبقية بين أبناء المجتمع مما يدفع الفئة المقهورة لاتخاذ المنهج المنحرف في سلوكها، وعليه فقد طرحوا نظريتهم بمثابة المنقذ وهي النظرية الاشتراكية.
لقد ارتبط اسم هذه النظرية - نظرية العوامل الاقتصادية - بالمذهب الاشتراكي، حتى اطلق البعض على هذه النظرية ومن يتبناها اسم المدرسة الاشتراكية في قبال النظرية، أو المدرسة الرأسمالية.
(ووفقاً لمفهوم هذه المدرسة: إن الظاهرة الاجرامية ظاهرة شاذة في حياة المجتمع، وإنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام الرأسمالي بل إنها ثمرة من ثمراته، فتركيبة هذا النظام، وطبيعة العلاقات السائدة فيه تفضي حتماً إلى الظلم الاجتماعي، لأنه نظام لا يتوخى العدالة والمساواة، فتقع الجريمة نتيجة لهذا الظلم، أما في ظل المجتمع الاشتراكي فان مظاهر الجريمة تكاد تختفي تماماً، وإن وقوع بعض الجرائم الضارة برفاهية هذا المجتمع لا يغير من هذا الاتجاه، وإنما يدل على تفشي أمراض معينة في افراده)(20).
نقد نظرية العوامل الاقتصادية
كغيرها من النظريات تعرضت نظرية العوامل الاقتصادية لمجموعة من الانتقادات منها:
1) إن هذه النظرية وقعت في ما أخذ على غيرها من نظريات تفسير الظاهرة الاجرامية، وهو التركيز على العامل الواحد في تفسير ظاهرة السلوك الإجرامي وانكار أو اهمال دور غيره من العوامل الأخرى الذاتية منها وغيرها.
2) اعتماد أصحابهـــا في دعم رأيـــهم على جرائم معينة كـــالسرقة مثلاً، أو الكسب غير المشـــروع كما عند بونجيه(21)، ومن ثم تعميم هذه النتائج الجزئية على جميع مظاهر السلوك الإجرامي الأخرى، (ولكن إذا كانت هذه النظرية تصلح لتفسير جرائم المال، فإنها لا تصلح لتفسير باقي الجرائم كجرائم الاعتداء على الأشخاص وجرائم العرض، فهذه لا تتأثر إلا قليلاً بالتقلبات الاقتصادية)(22) كما أثبتت ذلك الدراسات الاحصائية.
3) إن هذه النظرية تؤكد على أن العوامل الاقتصادية السيئة تمثل عاملاً أساسياً مباشراً في دفع الأفراد إلى السلوك الإجرامي.
كما إنها (اعتبرت الفقر ممثلاً لهذه الظروف باعتباره ظرفاً اقتصادياً سيئاً) حيث اكدت (أن الفقر الذي يصيب الفرد يكون سبباً مباشراً في دفعه نحو اقتراف الجريمة) وهذا يعني أن هذه النظرية ربطت ربطاً مباشراً بين السلوك الإجرامي وبين الفقر.
إن مثل هذا الربط وما يترتب عليه من إبراز لأهمية الفقر، وتأثيره لا يمكن قبوله لسببين:
الأول: إن الفقر حالة نسبية تختلف باختلاف الأشخاص تبعاً لاتساع حاجاتهم وتنوعها ووسائل اشباعها لذا يصعب تحديد الحالة التي يكون عليها الفرد لأنه لا توجد وسائل ثابتة يمكن بموجبها اعتبار شخص ما فقيراً، لاختلاف الأسس والمقاييس بين الأفراد والمجتمعات في تحديد مفهوم الفقر)(23).
الثاني: لقد أثبتت الدراسات في مجال علم الإجرام - للتأكد من صحة الترابط بين الفقر والسلوك الإجرامي - بان (الجريمة كما تقترف من الفقراء يمكن أن تقترف أيضا من غير الفقراء... من أشخاص ينتمون إلى الطبقة العليا في المجتمع ويشغلون المراكز المحترمة فيه وهم رجال الاعمال، وكبار التجار، وأصحاب المشاريع التجارية الضخمة، والمستثمرون).
لقد اثبت أحد أصحاب هذه الدراسات وهو الأستاذ سذرلاند معللاً بكون الوضع المالي الممتاز لمن سبق ذكرهم من الاغنياء، وما يتمتعون به من المزايا، وما يمارسونه من سلطات ونفوذ لا يمنعهم - بنظر الأستاذ سذرلاند - من اقتراف الجرائم بل على العكس ربما تكون عاملاً مساعداً لانحرافهم حيث يشعرون بان هذه المزايا تحقق لهم الحماية المرجوة فيعمدون إلى استغلال هذه الظروف لتحقيق منافع شخصية ذاتية.
وقفة مع النظريات التي فسرت السلوك الإجرامي
تقدم أن هذه النظريات التي ذكرناها إنما هي النظريات الاشهر التي اسست في مجال علم الإجرام وتفسير السلوك الاجرامي، وإلا فان هناك الكثير من النظريات التي اسست في هذا المجال اعرضنا عن ذكرها، للاختصار الذي يفرضه المقام.
وفي تقييم عام لجميع النظريات المتقدمة، والتي كل يدعي صحتها، نقول أن النظريات المتقدمة ليست على قدر مطلق من الخطأ، وإنما فيها من الصحة، ومن الخطأ، والخطأ الذي تشترك فيه جميع النظريات المتقدمة هو أنها ركزت على عامل واحد كل حسب ما تبنت، واعتبرته العامل الوحيد لتفسير ظاهرة السلوك الإجرامي لدى الافراد، في حين انكرت أهمية العوامل الأخرى.
اللهم إلا النظرية الثانية من النظريات الفردية وهي نظرية دي تيليو التي عملت نوعاً من الموازنة إلا أنها بالغت في التالي بالتركيز على اثر العامل العاطفي في تفسير ظاهرة السلوك الإجرامي فوقعت فيما وقعت فيه النظريات الأخرى وإن حاولت تجاوزه.
ولأجل هذا النوع من التوازن عدت نظرية دي تيليو النظرية الأكثر قبولاً من قبل علماء الإجرام.
التفسير الإسلامي للسلوك الإجرامي
إن عدم تركيز اغلب الكتاب الإسلاميين على تفسير ظاهرة السلوك الإجرامي وفق الإطار الإسلامي، ومبادئ الشريعة الإسلامية لا يعني خلو هذه الشريعة العظيمة من تفسير لهذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة.
فكيف يمكن أن تهمل الشريعة الإسلامية - التي جاءت لتنظيم علاقات الإنسان الثلاث بنفسه وبربه وبغيره من أبناء جنسه - جانباً خطيراً كهذا ترتبط به مسألة استقرار المجتمع وأمنه، في حين جاءت بمسائل لا تأثير لها في العلاقات الاجتماعية أو قليلة الأثر كقضايا الهندام وغيرها..
فالدين الإسلامي جاءنا بحكم لكل شيء مهما صغر فكيف بالمسائل والأشياء الخطيرة فلابد أن يورد لنا ما يخصها من الأحكام.
إذن للإسلام، تفسيره لظاهرة السلوك الاجرامي، بل لديه التفسير الذي يتميز به عن التفسيرات التي جاءتنا بها النظريات المتقدمة.
فقد (حرص الإسلام منذ فجره الأول على بناء مجتمع سليم يمثل القاعدة الصحيحة في إنشاء دولة الحق والعدل التي جاء لاقامتها، ولما كانت إقامة المجتمع السليم لا تتحقق بدون إعداد اللبنات الأولى فيه وهم الافراد، لذا فقد كان للفرد النصيب الأوفى في مهمة البناء والإعداد حيث كان دائماً مكان الرعاية والاهتمام إذ بذل الفقهاء المسلمون ما في وسعهم من اجل التوصل إلى هذه الغاية، والعمل على تحليل وتفسير السلوك الإجرامي من خلال التصور الإسلامي لشخصية الفرد، وتهيئة أسباب بنائها وصقلها)(24).
فما هو مصدر السلوك الاجرامي، وما هو التفسير الإسلامي لهذه الظاهرة؟
(هل مصدر الجريمة هو الإنسان وطويته، أو بيئته ومعيشته؟) فقد تقدم أن لكل من هذين الامرين أصحابه وحججه في دعم الرأي الذي يتبناه في مصدر الجريمة، وعامل السلوك الإجرامي، المهم ماذا يقدم لنا الإسلام في هذا الصدد.
إذا رجعنا إلى آيات الكتاب، والأحاديث النبوية وجدناها على نوعين:
منها ما يؤيد النظرية القائلة بان سبب الجريمة يكمن في نفس الإنسان،
ومنها ما يدل بظاهره على أن الجريمة تتولد من البيئة والأوضاع الفاسدة)(25).
ما يخص العوامل الفردية للسلوك الإجرامي
هناك الكثير من الآيات الكريمة، والأحاديث التي ترجع السلوك الإجرامي إلى عوامل ذاتية نذكر منها:
من القرآن الكريم:
1) (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج، 46.
فالآية الكريمة هي في معرض الكلام عن المجرمين الذين يخالفون أحكام الشرع، فتصفهم بانهم عمي القلوب أي أن أسباب اجرامهم، وانحرافهم هو ذاتي.
2) (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)(26).
3) (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)(27).
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تحدثت عن المجرمين الذين يمعنون في الاجرام ومخالفة السنن الإلهية وتتحدث كذلك عن دوافع أولئك التي تدفعهم لارتكاب الجرائم.
من السنة الشريفة:
إما السنة الشريفة فهي حافلة بما يدل على الموضوع، والذي يشير إلى الدوافع الذاتية التي تدفع الإنسان نحو السلوك الإجرامي نذكر منه بعضاً على سبيل المثال لا الحصر:
1) (حسن السيرة عنوان السريرة)(28).
2) (عند فساد العلانية تفسد السريرة)(29).
3) (من حسنت سريرته حسنت علانيته)(30).
4) (كما تدين تدان).
ما يخص العوامل الاجتماعية للسلوك الإجرامي
تقدم القول بان الدين الإسلامي لم يكن قد ركز على عامل واحد في تفسيره لظاهرة السلوك الإجرامي بحيث أنكر أو اهمل جانب العوامل الأخرى كما هو الحال بالنسبة لمن كتب من العلماء غير الإسلاميين في موضوع السلوك الاجرامي، ومن نظر له.
وقد ذكرنا طائفة من الآيات التي تدل على اثر العوامل الفردية (الشخصية) في السلوك الإجرامي بالإضافة إلى طائفة من الروايات، حيث ذكرنا كلاً على سبيل المثال لا الحصر.
وأما بالنسبة للعوامل الاجتماعية (الخارجية) التي تؤثر في انحراف الشخص، وارتكابه الجرائم فقد ورد في الكتاب الكريم والسنة الشريفة الكثير كذلك مما يدل على اثر العوامل الاجتماعية في السلوك الإجرامي للأفراد.
لقد بحث سماحة آية الله العظمى الإمام الشيرازي - دام ظله - عوامل السلوك الإجرامي مفصلاً في كتابه (الاجتماع) تحت عنوان عوامل الانحراف، وقد ذكر فيه كلا القسمين، القسم الأول من عوامل السلوك الإجرامي - العوامل الفردية - والقسم الثاني منها وهو العوامل الاجتماعية.
العوامل الاجتماعية للانحراف
1) قد يكون - الانحراف - بالوراثة فان الانحراف في الآباء يرثه الأبناء، فالولد على سر ابيه، كما أن الولد يشبه العم والخال إلى غير ذلك ممـــا أثبته عـــلم الوراثة لكـــن الإرث لا يكـــون علة تامة - للانحراف - بل أمر اقـــتضائي(31).
2) وقد يكون - الانحراف بالعرض - وهو على ضربين:
أ. ما يكون سببه المعاناة في الصغر مثل تحقير الأولاد في البيت، أو المدرسة، أو في محل لعبه وما أشبه ذلك أو تدليل الأولاد اكثر من القدر المعتاد.
ب. وقد يكون بسبب عدم ملائمة ظروف الحياة مثل الفقر، أو الحرمان، وحالة الفوضى والحرب... ولعل من أسباب جعل الإسلام اطلاق السجناء في أيام الجمع والاعياد لأجل الصلاة، وعدم منع عائلة السجين عن ملاقاته بل وبقائهم معه - حيث لا دليل على منع ذلك - هو أن لا تتوفر الظروف السيئة حوله، حتى يتوجب انحراف شخصيته(32).
3) اثر المجتمع في الانحراف:
(ثم الاجتماع كلما كان اكثر انغلاقاً، كان اخصب لرشد الانحراف كما انه كلما كان اكثر حرية صحيحة كان اخصب لرشد الاستقامة... هذا من جهة، ومن جهة ثانية كلما بني الاجتماع على إعطاء الحاجات، وتوفرت فيه وسائل الحياة كان ابعد عن تكوين الانحراف، والعكس بالعكس)(33).
4) العائلة واثرها في الانحراف أو عدمه:
(فعدم استقامة العائلة، عبارة عن عدم سلامة وامن البيت الذي يربى فيه الاولاد)(34) وبالتالي يكون الأولاد الذين يعيشون في نطاق هذه الأسرة اكثر عرضة للانحراف واتخاذ منهج الإجرام، من أولئك الذين يعيشون في كنف الأسر التي تتميز بامنها واستقرارها.
5) الحرمان ودوره في الانحراف
فالحرمان (يؤثر في الانحراف من جهتين:
إن الحرمان يؤثر على الجسم نقصاً في جهاز من الاجهزة، سواء كان بسبب سوء التغذية، أو بسبب عدم الوقاية من الحر والبرد... فيؤثر الاختلال الجسمي في الاختلال النفسي) وبالتالي ينعكس اثر الاختلال النفسي على سلوك الفرد سلباً.
العوامل الاجتماعية للسلوك الإجرامي في القرآن
هناك من الآيات القرآنية ما يشير - كما سبق أن ذكرنا - إلى العوامل الاجتماعية في تفسير ظاهرة السلوك الإجرامي، نورد منها:
1) (كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)(35).
(فالطغيان يستند إلى الإنسان الغني لا إلى طبيعة الإنسان)(36).
العوامل الاجتماعية في السنّة
أما السنة الشريفة فقد ورد فيها الكثير كذلك مما يدل على اثر العامل الاجتماعي في السلوك الإجرامي نورد منه على سبيل المثال التالي:
1) كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون ابواه يهودانه أو ينصرانه(37).
2) ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، قوله:
(إن النفس لتلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت...).
(فهذه تدل على أن الإنسان طيب بفطرته صالح بطبيعته، وان الفساد يتسرب إليه من الخارج)(38).
الإسلام والعوامل التكوينية للسلوك الإجرامي
تبين من استعراض النظريات التي أسست في تفسير ظاهرة السلوك الإجرامي وعواملها، أن الخطأ الذي وقعت فيه تلك النظريات والذي كان سبباً في توجيه الانتقاد إليها جميعاً، هو أنها بالغت في التركيز على دور العامل الواحد - باعتباره دافعاً يدفع الإنسان نحو ارتكاب الجريمة - مع اهمال اثر العوامل الأخرى. وهذا الخطأ هو الذي دفع بعض أصحاب النظريات إلى إجراء تعديل في نظرياتهم كما حصل بالنسبة لنظرية لومبروزو والتي عدل فيها بعد انتقادها ولكنه ظل يدور في فلك العوامل الفردية، وكذلك الحال بالنسبة لـ(دي تيليو) الذي لم يتمكن من الخروج من فلك العامل الواحد على الرغم من محاولاته لاجراء موازنة بين العامل الفردي والعوامل الاجتماعية.
كما أن هذا الخطأ حدا ببعض علماء علم الإجرام إلى الدعوة لتبني العوامل التكوينية للسلوك الإجرامي ويقصدون بالعوامل التكوينية العامل المركب من عوامل نفسية وعوامل خارجية مستفيدين في ذلك من المعالجة الإسلامية لموضوع السلوك الإجرامي وعوامله، وممن دعا إلى هذه المعالجة الأستاذ الدكتور محمد شلال حبيب العاني في كتابه (علم الإجرام والعقاب) مثنياً في ذلك على التجربة الإسلامية في معالجة ظاهرة السلوك الإجرامي.
إذن فالدين الإسلامي الذي جاءنا من وحي الحق تبارك وتعالى لم يكن قد ركز على جانب دون آخر باعتباره من عوامل السلوك الاجرامي، فالآيات والروايات السابقة الذكر إن دل اختلافها على شيء (فإنما يدل على أن أسباب الجريمة لا تنحصر في الإنسان وحده، ولا في معيشته وحدها، ولو كانت المعيشة هي السبب الوحيد لكان الإنسان آلة صماء، ولو انحصر السبب في الإنسان لكانت كل محاولة لاصلاح الأوضاع سفهاً وعبثاً)(39).
1- أصول علمي الاجرام والعقاب، د. رؤوف عبيد، 19.
2- مبادئ علم الاجرام. وعلم العقاب، د. فوزية عبد الستار، 5.
3- دراسة في علم الإجرام والعقاب، د. محمد زكي أبو عامر، 111.
4- نفس المصدر.
5- الأشول: من يتميز باستخدام اليد اليسرى.
6- دراسة في علم الإجرام والعقاب، د. محمد زكي أبو عامر، 111.
7- المصدر السابق، 114-115.
8- يعد دي تيليو من ابرز الجنائيين الايطاليين.
9- مبادئ علم الاجرام، د. محمد خلف، 186.
10- علم الإجرام وعلم العقاب، د. علي عبد القادر القهوجي، 58.
11- المصدر السابق، 59.
12- المصدر السابق، 61.
13- الأخلاق من منظور التعايش والقيم الإنسانية، محمد تقي فلسفي، 1/103.
14- علم الإجرام وعلم العقاب، قهوجي، 62.
15- علم الإجرام وعلم العقاب، أ. د. محمد شلال العاني، علي حسن طوالبه، 87-88.
16- المصدر السابق، 90.
17- المصدر السابق، 90.
18- المصدر السابق، 92.
19- الاخلاق، محمد تقي فلسفي، 1/98، نقلاً عن المجلة الدولية.
20- علم الإجرام والعقاب، أ. د. محمد شلال، مصدر سابق، 93.
21- وهو عالم اجتماع هولندي (1876 - 1940) فسر الظاهرة الاجرامية على أساس أنها ظاهرة اجتماعية ترتبط بعوامل اقتصادية معينة.
22- مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب، د. فوزية عبد الستار، 58.
23- علم الإجرام والعقاب، محمد شلال، 97-98.
24- علم الإجرام والعقاب، المصدر السابق، 102.
25- الإسلام مع الحياة، محمد جواد مغنية، 113.
26- الاعراف، 179.
27- الفرقان، 43.
28- غرر الحكم، حكمة 4846.
29- المصدر السابق، حكمة 6227.
30- المصدر السابق، 4حكمة 8026.
31- الاجتماع، آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي، 1/245.
32- المصدر السابق، 1/245-246.
33- المصدر السابق، 1/246.
34- المصدر السابق، 1/250-251.
35- العلق، 6-7.
36- الإسلام مع الحياة، مغنية، 114.
37- بحار الانوار، ج3، ص281، ب11، ح22.
38- المصدر السابق، 114.
39- الإسلام مع الحياة، مغنية، 114.
حمر عين 2008
21-09-2007, 12:33 AM
مصطلحات اجتماعية: الجريمة
الجريمة: Crime
شبكة النبأ: إن إسهام دوركهايم جوهري فيما يتعلق بالجريمة، كما هو الأمر بالنسبة لفعل الانتحار، هذا الإسهام تحتويه الصفحات الشهيرة من تقسيم العمل والقواعد حيث يقدم دوركهايم سلسلة من الاقتراحات:
1- نحن لا نستنكر عملاً لأنه جرمي، وإنما هو جرمي لأننا نستنكره، فسقراط المجرم في نظر الآثينيين، ليس كذلك في نظرنا.
2- الجريمة ظاهرة (عادية)، إذ إن شعور الاشمئزاز الذي تثيره الأفعال المعرّفة على أنها جريمة في إطار اجتماعي معين لا يمكن أن يتطور بنفس القوة لدى جميع الأفراد.
3- إن العقوبة مخصصة للتأثير بصورة خاصة على الناس الشرفاء) إذ هي تدعم شعورهم بالتضامن، أكثر مما هي مخصصة للمجرمين.. يمكن أن يكون للعقوبة بعض الفعالية الرادعة، ولكن بما أن شعور الاشمئزاز تجاه فعل مذموم ضعيف الحضور لدى بعض الأفراد، لا يمكنه أن يدعي إلغاء الجريمة.
4- لا وجود للجريمة إلا حيث توجد العقوبة القانونية، ذلك أنه لا يمكن أن يكون ثمة عقوبة قانونية إلا لأفعال محددة تماماً في القانون. إن تصرفاً ما يمكن أن يستثير استنكاراً قوياً دون أن يعتبر فعلاً جرمياً إذا لم يتعلق الأمر بأفعال يمكن تحديد هويتها بسهولة. (إن الإبن العاق والأناني حتى الأكثر قساوة لا يعاملان على أنهما مجرمان).
ربما ليس من المغالاة القول إن نظرية علم اجتماع الجريمة، كما بنيت فيما بعد عبر تراكم المساهمات المتتالية، قد وجهتها بشكل واسع الأسئلة التي طرحها دوركهايم، يتساءل مرتون في نظريته عن الانحراف، لماذا يكون شعور النفور حيال الأفعال المستنكرة موزعاً بشكل غير متساوٍ؟ يبدو دوركهايم وكأنه يوحي بأن التوزيع وليد الصدفة. ولكننا نلحظ علاقات بين بعض أنواع الجرائم والجنح ومتغيرات المواقع الاجتماعية. فالسرقة هي غالباً من فعل أفراد ينتمون إلى طبقات محرومة. أما (جريمة الياقة البيضاء) التي أعطاها أسمها سوترلاند، هي غالباً من فعل الطبقات الوسطى والعليا، إن فرضية مرتون هي أن غياب النفور بالنسبة للأفعال المعتبرة مذمومة، يمكن ألا يكون ناجماً فقط، كما يقول دوركهايم، عن امتثالية ناقصة بالنسبة للقيم الاجتماعية، وإنما ناجم كذلك عن إفراط في الامتثالية. في المجتمع الأمريكي وفي مجتمعات أخرى يقيّم النجاح الاجتماعي بقوة. ولكن وسائل النجاح ليست بمتناول الأفراد بالتساوي، إن غرض النجاح، إذا استبطن كفاية من قبل الفرد، يمكن أن يوحي له باللجوء إلى وسائل النجاح التي تكون هي، غرضاً لتقييم سلبي اعتباراً من اللحظة التي تبدو له فيها الوسائل العادية بعيدة عن متناوله، طبيعي أنه توجد أنماط أخرى من (الحل) للتناقض. النمط الأول يقضي بأن يقمع الفرد إرادته في النجاح (إني أكتفي بما لدي)، (لا تنشد ما هو عالٍ جداً لئلا تصاب بالخيبة). وعلى الرغم من أنه غير مريح وعرضة للعقوبات الاجتماعية المتفشية فإنه بالتأكيد منتشر جداً، ثمة حل آخر هو (الانكفاء) المتمثل بشخصية شارلو الذي قبل بأن يكون (السيد لا أحد، ... وألا يكون لديه أي طموح للفضيلة أو للتمايز) أما التمرد وهو النمط الثالث من الجواب، فيترجم بمعارضة الأغراض الثقافية. وهو ليس ممكناً إلا في ظروف استثائية. أما فيما يتعلق (بالتجديد) (الخضوع للأهداف الثقافية واستعمال الوسائل المنحرفة) فهو (الحل) الذي يتعلق بالتصرفات الجنحية والجرمية. من الطبيعي أن هذا (الحل) لا يتم اختياره على اثر مداولة عقلانية. يشير أوهلن أنه يلاحظ غالباً لدى الجانحين الشباب شعوراً بالظلم فقد كتب يقول: (يميل الجانحون إلى أن يكونوا أشخاصاً كانوا يتوقعون أن تأتيهم فرصة تأكيد أنفسهم، بمقدار ما كانوا مقتنعين بمقدرتهم الكامنة فيهم للاستجابة لمعايير التقييم الرسمية، المقررة مؤسساتياً، وإذا لم تسنح الفرصة، يمكنهم أن يشعروا أن الخطأ قائم في (النظام) وأن هذا النظام، على الرغم من المظاهر المعلنة، يستند في الواقع على اللاأخلاقية والاختلاس والابتزاز والمحاباة والضغوطات الاجتماعية. فيحس حينئذ أنه يبرر له اللجوء إلى وسائل مستنكرة. ولكن لكي يتأكد الميل الانحرافي، يقتضي أن تجهز أواليات التدعيم، ويلاحظ أوهلن أن الجانح الذي يرتكب اختلاسه الأول يشعر بصورة عامة بأنه مذنب لخرقه المعايير القائمة. ولكن هذا الفعل الأول يمكن أن يضعه في حالة اتصال مع جانحين آخرين. ويصبح حينئذ العمل الجنحي الذي كان مناسبة للشعور بالعار، وسيلة لتأكيد الذات. يمكن أن يستحق الفاعل بسببه موافقة ورضى أعضاء المجموعة الجانحة. ويقدم دوركهايم المجرم، على الرغم من اعتباره الجريمة شيئاً عادياً، على أنه فرد يتحسس بشيء من الضعف، الشعور بالنفور الذي تثيره بعض الأفعال. ومع مرتون والمؤلفين الذين استوحوه مثل كلينار وكلووارد وأوهلن أكملت فرضية دوركهايم بفرضية معاكسة: يصرّ المجرم على متابعة غرض مقيم اجتماعياً، وإذا جدد فيما يتعلق بالوسائل، يمكن أن يظهر له التجديد شرعياً، ويمكن أن يفسر من قبله بأنه جواب على وضع يراه ظالماً، فضلاً عن ذلك، يمكن أن يكون مصدراً ليس فقط للنجاح الاجتماعي وإنما للموافقة من قبل أعضاء المجموعة. ينصح سوترلند باعتبار المجرم كشخص سوي. ويقترح مرتون أن نرى في تصرف المجرم مصيبة الامتثالية.
رغم كل شيء إن الجريمة حدث نادر: إنها تتضمن خطر العقوبة؛ هؤلاء الذين يعانون من الشعور (بالحرمان النسبي) يمكنهم أن يلجأوا إلى الطقوسية والانكفاء ولديهم كل الفرص لأن يفعلوا ذلك إذا اكتسبوا وضعاً اجتماعياً في حده الأدنى، يخاطرون في خسارته عبر انخراطهم في (التجديد) وأخيراً، (إن التجديد) الذي يمثله الانحراف لديه كل الفرص للإجهاض إذا لم يصادف ظروفاً مناسبة، كما تذكر بذلك الطرفة التي أوردها سوترلند. يرتكب جانحان شابان اختلاساً فتلاحقهم الشرطة. الأول الذي يملك ساقين طويلتين يفر. وعندما فكر بأنه كان قاب قوسين من السجن تصبب منه العرق البارد، فتعقل وأصبح مستقيماً. أما الثاني فقبض عليه وأودع السجن، حيث يقيم علاقة مع اللصوص ويدشن مهنة جرمية. إن كتاب اللص المحترف لسوترلند، وهو سيرة ذاتية رائعة عهد بها إلى قلم عالم اجتماع، يبرز دور (التجمعات التفاضلية) أي دور التنظيمات المنتحلة للجانحين في تأكيد طريق الجريمة. يبدأ لص سوترلند ببعض الاختلاسات التي تحدث بالصدفة. وبمناسبة هذه الاختلاسات يلتقي بسارق أكبر منه يدفعه إلى السرقة بواسطة النشل. إن مردود النشل قليل، ولكنه يبقى أكثر ربحاً من الاختلاسات المرتكبة فردياً، فهو يفترض فريقاً مؤلفاً في حده الأدنى من شخصين اثنين. الاول يسرق الغرض المطموع به ويناوله فوراً إلى الثاني. وهكذا يكتشف السارق تدريجياً تقنيات سرقة أكثر فأكثر تعقيداً. في الوقت نفسه، يكتشف أن المكافآت ليس فقط المادية، وإنما الرمزية التي يمكن أن يطمح إليها ترتبط بمدى تعقد العمليات، وإن الأعمال الجنحية ذات تراتبية اجتماعية في الوسط الذي بدأ بالولوج إليه. إن سارق البضائع المعروضة عرضة للاعتقال العام. والنشل، مع أنه يحتل مكانة أفضل يعتبر من فعل البائسين والعاجزين. أما السطو الذي يفترض مهارة وتنظيماً وتخطيطاً دقيقاً فينتسب إلى الدرجة العليا من التسلسل. وقبل أن يقبل تقدمه إلى المستوى الأعلى. يخضع السارق إلى تمرين قاس وربما يتم إسقاطه في الامتحان. فوضعه ومكافآته يرتبطان بالدرجة التي يكون أهلاً للارتفاع إليها. إن قصة سوترلند لا تبين فقط دور (التجمعات التفاضلية) في إعادة إنتاج الظاهرة الجرمية إذ يقول: (إن الجهود القمعية تميل إلى إزالة اللص المحترف، ولكنها تترك الجهاز بكامله سليماً)؛ وهي تؤكد هكذا فرضية مرتون عندما يصبح السارق جانحاً بالصدفة، يندفع في طريق الحرفة التي يحاول أن يجتاز درجاتها، وكل درجة يجتازها تمنحه تقدماً في وضعه واعتباره وسلطته، إن (التجمعات التفاضلية) التي يتحدث عنها سوترلند لا تأخذ مع ذلك دوماً شكلاً (احترافياً) إن الدراسة الكلاسيكية التي أجراها (W.F.Whyte) حول كورنرفيل وهي حي إيطالي في إحدى المدن الأمريكية، تحلل تفصيلياً العملية التي تتكون بواسطتها (عصابة المراهقين) في نظام تحتي مركب. إن الأفعال الجنحية التي يرتكبونها وهي في غالبيتها ليست خطرة، تسمح لهم بتأمين بعض الموارد ولكنها تمنح العصابة بخاصة أغراضاً مشتركة تفترض قراراً وتنظيماً ونظاماً للسلطة. تتحول العصابة تدريجاً إلى تجمع تسلسلي.
ويفيد نواب الرئيس الفخورون بخدمته، من السلطة التي يفوّضها لهم. والرئيس المهتم بالمحافظة على سلطته لا يسلف مالاً إلا لنوابه وبمبالغ صغيرة، باذلاً جهده لاستعادتها في أقصر فرصة ممكنة. ويسعى المرؤوسون للحصول على الحظوة لدى المراتب التي يمكنهم انتظار مساندتها. يتكون النظام التحتي أو (الثقافة التحتية) الجانحة انطلاقاً من شعور بالرفض، وما أن يتشكل، حتى يصبح ممكناً البحث عن وضع فيه. يقدم فيليب روبير استناداً إلى مراقبته لعصابات المراهقين، ملاحظات مماثلة، وغالباً جداً، تأخذ العصابة في البدء شكل التجمع المتنوع الناجم عن (الشعور بالرفض، الكامن غالباً). وبمناسبة حدث معين ينبني التجمع. (إذا أطلق حجر بشكل سيء فحطم زجاجاً، يكفي لكي يغطي عدة فتيان رفيقهم الأرعن، بشهاداتهم الكاذبة، فقد شددوا من تعاطفهم في موقف دفاعي يخلق التماسك بينهم) وعندما تتشكل العصابة فإنها تمتلك موارد قيمة تجاه أعضائها: فهي قادرة على أن تقدم لهم الأمن والاعتبار، إن الشرعية التي تولدها تتدعم بالطبع، كون العصابة كلما كانت قوية التشكيل، كلما عززت الانفصال عن البيئة المحيطة وكلما كانت قابلة لأن تستتبع ردود فعل (مميزة) لنلاحظ مع ذلك، كما يشير كلو وارد وأوهلن اللذان يكملان مرتون في هذه النقطة، أن الثقافة التحتية المنحرفة يمكن أن تأخذ إما شكل الثقافة التحتية للعنف وإما شكل الثقافة التحتية للإنكفاء، مثل تلك التي يدرسها على سبيل المثال هـ. بكر في بحثه حول مدخني المارغوانا.
كان دوركهايم يؤكد أن لا جريمة إلا حيث يكون ثمة عقوبة لفعل مستنكر، وكان يضيف أن الأفعال المعتبرة مذمومة ترتبط بالتطور العام للأخلاق، هذه الأطروحة مقبولة على المستوى العام، لكن بعض المؤلفين، على أثر سلين أشاروا إلى أن القانون، إذا تعلق بالأخلاق يكون خاضعاً للتأثير النسبي للمجموعات الاجتماعية، في الوقت نفسه، يمكن أن يكون شعور الرفض الذي يثيره فعل جرمي ضعيفاً لدى من لا يدرك بوضوح التبعات الفردية للفعل المقصود، ولمن لا تسمح له تجربته ولا يسمح له وضعه بأن يضع نفسه مكان فاعل الجرم. إن القتل والسرقة هما موضوع رفض عام. ولكن الأمر ليس كذلك مثلاً بالنسبة لبعض أشكال (جريمة الياقة البيضاء) في عام 1961، استدعيت 29 شركة للتجهيز الكهربائي أمام المحكمة بسبب خرقها للقانون الأمريكي الذي يمنع التجمعات الاحتكارية. وعلى الرغم من أن الجرم ليس دون نتائج على المكلف كما على المستهلك، من غير المؤكد أن يكون هذا الأخير قد أحس بشعور رافض قوي. لذلك استطاع المتهمون أن يرددوا أثناء المحاكمة، الواحد بعد الآخر أنهم لا يشعرون بأنهم بصورة مستنكرة، إن (جريمة الياقة البيضاء) لا يندد بها غالباً إلا اعتباراً من اللحظة التي تنشئ فيها المجموعات الخفية ذات المصالح المتضررة، مجموعات للضغط. إن شعور الاستنكار الذي اثاره الإعلام الاحتيالي لم يكن ليكفي وحده لتحقق الجريمة، دون وجود الجمعيات الاستهلاكية ودون عملها، إن العلاقة بين الأخلاق والقانون والجريمة هي إذن أكثر تعقيداً مما أراده دوركهايم. يقتضي أن ندخل بين هذه العبارات الثلاث متغيراً وسيطاً هو النفوذ النسبي للمجموعات الاجتماعية المنظمة أو المنتشرة. ينبغي كذلك أن نرى، أن شعور الرفض تجاه فعل معين يمكن أن يتغير وفقاً للمجموعات الاجتماعية، ففلاحو بلزاك يعتبرون أمراً طبيعياً خلط بعض الرزم مع السنابل الملتقطة بعد الحصاد وبعض الجذوع الفتية مع الحطب. خلال الأزمة الكبرى، استثمر عمال مناجم عاطلون عن العمل آباراً غير مربحة تخلت عنها شركات المناجم ولكنها ما تزال ملكاً لهذه الشركات. وعندما أراد المالكون ملاحقة (السارقين) لم يلاقوا أي مساندة لدى السلطات القضائية، إن حظر ألعاب القمار، بما أن هذه الألعاب ليست – ما عدا في بعض البلدان – عرضة لرفض بارز جداً، يمكن أن يكون له آثار مضادة للإنتاج، في ولاية نيويورك، حيث منع اليانصيب، كان بالإمكان حسب سلين الاتصال بسهولة بمستلمي المراهنات وإعطاؤهم ثلاثة أرقام كانوا يدونونها على ورقة ومعها في الوقت نفسه عنوان المراهن. والأرقام الرابحة تتعلق بالأرقام الثلاثة الأخيرة للمبلغ الاجمالي للشيكات المودعة خلال النهار، معطى ينشر يومياً بواسطة نشرة مالية. من الطبيعي أن أغلبية مستلمي المراهنات الذين كانوا يمارسون هذا اليانصيب المخالف للقانون كانوا (شرفاء) ولكن بعضهم لم يكونوا كذلك، لم يكن الحظر غير معمول به وحسب، فالشرطة والقضاة المكلفون بتطبيق القانون كانوا يبدون اهتماماً ضعيفاً، أكثر من ذلك، كان يدعو إلى الفساد وكان مسؤولاً عن تصفية حسابات. وفيما يتعلق بمستلمي المراهنات، كانوا يعتبرون الجزاءات النقدية التي يحكمون بها من وقت لآخر وكأنها جزء من مصاريفهم العامة. وبصورة عامة، كانت الفرضيات الناجمة مباشرة من تقليد دوركهايم – مرتون قابلة للتطبيق على التعرض المباشر ضد الملكية والأشخاص. ولكنها أقل فائدة عندما يتعلق الأمر بأشكال أخرى من الجريمة. في حالة الحظر، تتولد الجريمة من الفارق بين القانون والشعور العام بصدد اللعب. عندما لا تضر ممارسة ما، الأفراد، إلا هامشياً وجماعياً (مخالفة القوانين التي تمنع التجمعات الاحتكارية والإعلانات الاحتيالية). يمكن ألا تولد سوى ردة فعل جماعية ضعيفة. في هذه الحالة، إن المشترع أو عمل المجموعات التمثيلية (مثلاً جمعيات المستهلكين) يتقدمان غالباً (الأخلاق).
لقد ساهم تقدم أبحاث علم الاجتماع في فهم أفضل للظواهر الجرمية على مستوى علم الاجتماع الضيق: أما على مستوى علم الاجتماع الواسع، فتقدم فرضيات مثل فرضيات مرتون، مرشداً فعالاً. ولكن ثمة قضية أساسية مطروحة من قبل تارد ما تزال أيضاً دون حل كامل: وهي قضية تأمين العلاقة بين الظواهر الصغيرة من جهة، والمعطيات الإجمالية الخاصة، سواء بتطور الجريمة في الزمان، أو بالفوارق في بنية الجريمة في المكان، من جهة أخرى. في شتى الأحوال، ثمة نقطة تبقى مؤكدة: من غير الكافي تماماً السعي لتفسير تطور نسب الجريمة بإقامة علاقتها مع المتغيرات المحددة على مستوى المجتمعات الشاملة (مثلاً درجة الارتباك) لقد لاحظ تقرير رسمي أمريكي عام 1969 أنه بين 1947 و1967، أصبحت أغلب مؤشرات الجريمة التي نعتبرها بصورة عامة مرتبطة إيجابياً بجرائم المدن، أكثر ملائمة، تقدم التعليم بين السود، انخفاض معدلات البطالة، ارتفاع الدخل العائلي المتوسط للسود في شكل مطلق ونسبياً في المستوى المتوسط للبيض، انخفاض عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت المستوى القانوني للفقر. رغم ذلك، ازدادت الجريمة في المدن خلال الفترة نفسها. لماذا؟ يلقي كوهين وفلسن فرضية مهمة لحل اللغز: إن الأثر الملائم للمؤشرات الواردة أعلاه تم إضعافه، وربما أكثر من ذلك، بفعل تطور آخر. إن التعديات، سواء التعديات على الأموال أو الأشخاص هي أسهل على الجانح بمقدار ما يكون الهدف أقل حماية. ذلك أن عوامل مختلفة (طول المسافة والوقت في الانتقال إلى مكان العمل، والى المؤسسة التجارية الصغيرة ونمو المؤسسات الكبرى مسببة تباعداً بين نقطة البيع وإقامة المستهلك، وتقتت العائلة، وابتعاد الأولاد في نهاية تخصصهم الدراسي، وتطور الاستخدام النسائي، الخ). أدت إلى وجود الأفراد غالباً لوحدهم والمنزل غير محروس غالباً. يبدو أن تحليلاً إحصائياً أجري على مجموعة من الوحدات البيئية، يؤكد الفرضية، إن القتل المتعمد، والاغتصاب، والطعنات والجراح، السرقة والسرقة الموصوفة تتكاثر بمقدار ما يتقلص المؤشر الذي يقيس الوقت الذي نمضيه في المنزل بالنسبة للوقت الذي نقضيه في الخارج. وتتزايد الجرائم نفسها بين السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. وإن نمو الجريمة في الفترة نفسها يمكن أن ينجم إذن ولو جزئياً عن كون التطورات البنيوية المشار إليها أعلاه تجعل اللقاء أكثر أو أسهل حدوثاً بين الجانحين وأهدافهم غير المحميين. أي أن بعض البنى البيئية مثل المجموعات الكبيرة، يمكنها أن تثير تطوراً للجنوح: أنها تسهل تكوّن العصابات؛ وهي تحث هكذا على بعض أنواع الجريمة مثل سرقة السيارات والدراجات النارية، التي تسمح بالتخلص من بيئة موحشة.
رغم هذه النتائج، نحن بعيدون اليوم عن إمكانية إقامة العلاقة بشكل مرض تماماً، بين معطيات علم الاجتماع الواسع وعمليات علم الاجتماع الضيق. وهكذا، يبدو الجدل التقليدي حول الأثر الردعي للعقوبة مفتوحاً باستمرار، يقترح البعض تطبيق نموذج مستوحى من الاقتصاد على التصرفات الجرمية ويتمثلون العقوبة المتوازنة بأرجحية اتخاذها لقاء ثمن. ولكن لا يكفي للتحقق من الأثر الردعي للعقوبة، إثبات وجود علاقة متبادلة سلبية بين معدل الجريمة وخطورة العقوبات، يمكن أن يكون تفسير هذه العلاقة غامضاً، فلا شيء يشير إلى أنها لا تحصل من علاقة سببية تذهب من الجريمة إلى العقوبة كما من العقوبة إلى الجريمة، من الممكن فعلياً أن يؤدي مستوى مرتفع للجريمة ضمن اختصاص قضائي معين، إلى حال اختناق في المحاكم والسجون ويحث الجهاز الجزائي على إصدار عقوبات أخف. ومن الممكن كذلك أن يولد تكرار بعض الجرائم، شرط ألا تتجاوز هذه الجرائم درجة معينة من الخطورة، وضعاً غامضاً يتسم بالتسامح الكبير. أما بالنسبة للجرائم الأخطر، يمكن أن يكون الأثر معاكساً: إن تكرار أكبر لهذه الجرائم يمكن أن يستتبع قساوة أكبر. إن الدراسات الطولية على طريقة بانيل تسمح في كل حال بتدقيق التفسيرات السريعة جداً التي قدمت كصلة متبادلة يمكن ملاحظتها على مستوى الجمع بين معدل الجريمة وخطورة العقوبات (و/ أو احتمال التوقيف). وقد أثبتت دراسة أجريت على جماعة من المختلسين الأمريكيين من 1964 إلى 1970 ومع استعمال نموذج بانيل (الذي يسمح بدراسة تأثير معدلات التوقيف على الجريمة، علماً أن معدلات التوقيف تم تحديدها بواسطة العلاقة بين القضايا التي تؤدي إلى التوقيف والعدد الإجمالي للقضايا المعروفة من الشرطة بالنسبة لنوع معين من الجرائم وخلال سنة معينة) أثبتت هذه الدراسة تأثيراً غير مهم لمعدلات التوقيف على معدلات الجريمة. لا ينجم عن مثل هذه الدراسة أن الأثر الردعي غير موجود (من الممكن أن يترافق تزايد معدلات التوقيف بانخفاض في قساوة العقوبات الصادرة). ولكنها تبرهن على:
1- تعقد العلاقة بين الجريمة والعقاب الناجم عن الطابع المتبادل للسببية.
2- أن (الأكلاف المسبقة) للجريمة ليست سوى أحد العناصر الثابتة للتصرف الجرمي. يقتضي أن نضيف إلى ذلك أن تأثير الكلفة مثلها مثل تأثير المؤسسات الجزائية والبنى الاجتماعية بصورة أعم، ترتبط بنوع الجريمة، إن الجريمة العاطفية وجريمة راسكولينكوف ربما كانت كيانات إحصائية متشابهة، ولكنها بالتأكيد كيانات جرائمية مميزة، فكما في حالة الانتحار، لا يمكن اعتبار الظواهر الجرمية وكأنها تتعلق بعلم الاجتماع وحده، على عكس ما كان يعتقد دوركهايم.
متعلقات
جريمة(1)
الجريمة هي كل انحراف عن المعايير الجمعية التي تتصف بقدر هائل من الجبرية و النوعية والكلية, و معني هذا أنه لا يمكن أن تكون جريمة إلا إذا توافرت فيها الأركان الأتية :
القيمة التي تقدرها الجماعة و تحترمها
انعزال حضاري أو ثقافي داخل طائفة من طوائف تلك الجماعة, فلا تعود تقدر تلك القيمة ولا تصبح مهمة لهم
اتجاه عدائى و الضغط من جانب أولئك الذين يقدرون تلك القيمة الجمعية, ضد الذين لا يقدرونها.
نظريات الجريمة
يوجد العديد من النظريات التي تفسر أسياب حدوث الجرائم ومن هذه النظريات
نظرية المدرسة الجغرافية
وهذه النظرية تفسر أسياب الجريمة بأنها أسياب جغرافية وبيئية لأن المناخ والفصول والحرارة يؤثر على الأفراد
نظرية المدرسة الاقتصادية
تفسر هذه النظرية الجريمة على أنها وليدة الظروف الاقتصادية مثل الفقر والبطالة, وقد أستند أنصار هذه الجريمة علىالاحصائيات التي تبين كثرة الجرائم أثناء الأزمات الاقتصادية
النظرية البيولوجية
أحدثت هذه النظرية دويا كبيرا في عالم الدراسات الإجرامية, فهذه النظرية وضعها العالم الإيطالي لومبلاوزو lombroso في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبين فيها الطراز الجسمي اللميز لمرتكبي الجرائم, كما بين أثر الورائة في انتقال الإجرام, وقال أن هناك بعض الخصائص التي تميز المجرمين عن غيرهم وأهمها, عدم تماثل نصفي الجمجمة, وضخامة الفك السقلي, وفطس الأنف, وقلة شعر الذقن, وقلة الحساسية للألم.
نظرة الإسلام للجريمة
الجريمة في الإسلام هي بفعل شيء نهى الإسلام عنه عنه كالقتل والزنا والقذف والسرقة والحرابة وشرب الخمر, وتنقسم الجريمة في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام:
جريمة معاقب عليها بالقصاص. وهي التي حصل الاعتداء بها عمدًا على شخص بالقتل أو بالجرح. وهذا القسم عند بعض العلماء يسمى جناية وللمجني عليه أو وارثه حق العفو لأن المغلّب فيه حق الآدمي, والقصاص يعني أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني. فمن قتل نفسًا يقُتل، ومن قطع عضوًا أو طرفًا لآخر يقطع عضو أو طرف الجاني، وهكذا
جريمة معاقب عليها بالحدود. وهي التي يكون الاعتداء بها على حق إنسان وحق المجتمع بجانب الاعتداء على حق الله تعالى كالزنا والسرقة والحرابة وشرب الخمر. وهذا القسم لا يقبل فيه العفو بعد الوصول إلى الحاكم لأن المغلَّب فيه حق الأمة كلها
جريمة معاقب عليها بالتعزير. وهي الجرائم التي لا حد فيها ولا قصاص. وذلك كالاستمتاع فيما دون الوطء والقذف بغير الزنا وسرقة ما دون النصاب أو من غير حرز وكذا ما كان من صفع ووكز وشهادة زور وأخذ رشوة وغير ذلك مما لا حد فيه ولا قصاص
الجريمة والوسط الاجتماعي
للحالة الاجتماعية أهمية كبرى في إحداث الجريمة بدليل أن السلوك الإجرامي يتزايد عند المطلقين والعزاب منه عند المتزوجين, كما أنه يكثر في المدن الصناعية عنه في الأرياف
الجريمة عند الرجال والنساء
لوحظ أن الغالبية العظمى من الجرائم هي للرجال, لان الظروف الاجتماعية التي تحيظ بالرجل كثيرا ما تدفعو إلى أتخاذ مسلك عدواني
تقسيم الجريمة
حاول الباحثون أن يقسموا الجرائم حسب نوع الباعث إليها فقسموها إلى أربع أنواع :
جرائم اقتصادية
جرائم جنسية
جرائم سياسية
جرائم الانتقام
وهناك تقسيم أخر للجرائم يلجأ اليه عادة في الإحصائيات الرسمية للجرائم وهو تقسيمها إلى :
جرائم ضد الأشخاص
جرائم ضد الملكية
جرائم ضد الاداب
ولكن وجد الباحثون أنه من الأفضل تقسيم المجرمين أنفسهم بدلا من تقسيم الجرائم, لأن كل طائفة من المجرمين لها طريقتها في تنفيذ الجرائم و تم تقسيم المجرمين حسب درجة أحترافهم للجريمة إلى أربعة أقسام وهي
مجرمون محترفون
مجرمون عرضيون
مجرمون عصابيون
مجرمون ذهانيون
الوقاية من الجريمة
أهتم كثير من الباحثين ببرامج الوقاية وتنوعت إساليبهم وبرامجهم ومن أشهر هذه الطرق
نظرية بتنام bentham: أهتم بتنهام بالعمل على الحد من سيل الإغراء والاهتمام بالتربية ورفع مستوي الأخلاق وتحسين الظروف الاحتماعية
طريقة التعقيم: حاولت بعض الدول تعقيم العناصر غير المرغوب فيها مثل المجرمين حتى لا تنجب أجيالا مثلها منحرفة
طريقة تشديد العقوبة :أقترح بعض الباحثين تشديد العقوبة على المجرمين لأنها تؤدي إلى ارتداع الكثيرين, بينما التسامح في العقوبة تسبب ازدياد حوادث الإجرام.
رؤية نفسية في نظريات الوقاية من الجريمة قبل وقوعها(2)
ملخص البحث
عنوان الدراسة "رؤية نفسية في نظريات الوقاية من الجريمة قبل وقوعها" ومشكلة الدراسة تلخص في أن الجريمة تحدث ويقع لها ضحايا وتكون لها أثار نفسية واجتماعية واقتصادية على الضحية وأسرة الجاني، وكذلك على رجال الأمن وميزانية الدولة. الجريمة تحدث رغم استخدام أسلوب الردع (العقوبة – السجن– الغرامة)، كون غالبية الجهود المبذولة من خلال تطبيق أسلوب الردع تقوم على مكافحة الجريمة بعد وقوعها (قبض – تحقيق- محاكمة- ثم عقوبة)، ولم يتعامل معها بأسلوب علمي يركز على الوقاية منها قبل وقوعها، وهذا يجعل لهذه الدراسة أهمية. ولذا كان هدف الدراسة والذي يفهم من خلال تساؤلاتها الأساسية أولا:ً ما المقصود بمفهوم الوقاية من الجريمة من وجهة نظر علمية؟ ثانيا:َكيف نشأ وتطور مفهوم الوقاية من الجريمة؟ثالثاَ:ما أهم العناصر المؤدية للسلوك الإجرامي؟ رابعا تأثير سلوك الردع المألوف على نفسية الجاني و المجني علية؟خامساً:ما أهم السلوكيات الممكن تطبيقها في المجتمع كإجراء وقائي يحد من وقوع الجريمة ؟.الدراسة اهتمت وناقشت الموضوع من وجهة نظر نفسيه واجتماعية وشرعية وأمنية. و قد توصل الباحث لنتائج منها أن هناك مفهوماً حديث للوقاية من الجريمة وله تصنيفات ثلاثة – وقاية أولية وثانية وثالثة، وتوصل الباحث أيضا إلى أن أسلوب الردع غير كاف لخفض معدل الجريمة وحده، وقد تكون لـه آثار نفسية على الجاني والمجني عليه. واهتم الباحث بالجانب الوقائي الأولي الذي يركز على تضييق الفرص وتصعيب الأهداف الإجرامية السهلة. توجد عدة سلوكيات وأساليب وطرق حديثه للوقاية من وقوع الجريمة توفر الجهد والمال، وتقلل الآثار النفسية على الضحية وأسرة الجاني معا.ً وتمت مناقشة 6 نظريات بمفهوم نفسي هي:1- تغيير أسلوب الحياة.2- متابعة ومراقبة بل وتغيير النشاط المعتاد والمألوف للفرد.3-الاختيار المنطقي للجريمة لمعرفة كيفية البدء في بناء القرار وكيفية اتخاذه المباشر للإقدام الفوري على الجريمة، وهذا ما يسمى الاختيار المنطقي للجريمة( وجود دافع ثم إقدام أو إحجام). 4-الوقاية الموقفية من الجريمة بتصعيب الهدف، وزيادة الجهد من الجاني، وزيادة الأخطار حول الهدف، واحتمال القبض على الجاني، كذلك تقليص الفائدة والمنفعة (الهدف الحصول على المال )، بعد ذلك تم عرض تصنيف الوقاية الأولية لمنع الجريمة للعالم كلارك الذي كان له الأثر في الوقاية من الجريمة. 5-تطوير العمل الشرطي للتعامل الأعمق والكثيف والدقيق مع الجرائم والتي تركز على معرفة الأسباب التي أدت إلى حدوث الجريمة مثل (المضاربة) بدل التعامل السطحي معها في فض المضاربة كان الأفضل معرفة أسبابها.أيضا معرفة أسباب وجود مجموعة من الأحداث في مكان ما، وفي وقت محدد (تعامل دقيق وعميق أفضل من مجرد تفريقهم (تعامل سطحي).6-تصميم المباني والعمران عبر وحدات أمنيه تعطى نصائح وإرشادات أمنية قبل البناء.وخلص الباحث إلى أن الوقاية الأولية من وقوع الجريمة لها آثار نفسية إيجابية على الفرد، سواء الجاني والذي يرتدع قبل أن يقدم على الجريمة وكذلك على الفرد العادي والذي يشعر بالأمن النفسي والمادي في مجتمعه. ووجد أن أسلوب الردع نفسياً يؤثر على الإنسان الذي ليست لديه نزعة إجرامية، ولكن في المقابل نجد أن أسلوب الردع لا يجدي بشكل فعال وبنجاح تام لمنع الفرد الذي لديه نزعة إجرامية، لذا فأسلوب الوقاية يؤثر نفسيا في تثبيط دافع الجريمة لدى المجرم. أخيرا عرض الباحث لأهم النتائج والوصيات ثم المراجع.
جغرافية الجريمة الحضرية(3)
تأليف ديفيد هربرت
نقلته إلى العربية
د. ليلى بنت صالح محمد زعزوع
عرض الكتاب:
نتعرف في هذا الكتاب علي الإسهام الجغرافي ودوره في علم الإجرام أحد الأبعاد التي أهمل تناولها رغم أهميتها في مجتمعاتنا، ورغم أننا لا ندعي أننا سنجد حلولا لمشكلة الجريمة من المنظور الجغرافي ، إلا أننا سنقدم بعدًا أو دورًا نتفاعل فيه مع ظاهرة الجريمة في المجتمع .
ترتبط الاتجاهات الجغرافية الحديثة بالإطار العلمي الرئيس أو المحوري لعلم الجغرافية وفق منهجيته المؤطرة التي تتواءم فيها الموضوعات ضمن الوحدة المنهجية للعلم ، وموضوع كتابنا هذا عن جغرافية الجريمة الحضرية هو أحد هذه النماذج ،الذي يعطي الباحثين دفعة قوية للاعتراف الأكاديمي بتشعب فروع العلم مع الحفاظ على الصلة الوثيقة بمحوره الجغرافي
وفي هذا السياق فإن الظاهرة المدروسة في جغرافية الجريمة تعطي للدارس الموضوعي تميزه النعتي ، لأن المناهج والأفكار المدروسة مرتكزة في الأساس على العلم الرئيس وهو الجغرافية ، ويبرز الإسهام الجغرافي عند تناولنا للمشكلات الاجتماعية ومنها دراسة جغرافية الجريمة لكي يبين لنا قدرات و إمكانيات الجغرافيين علي تطوير مناهج ذات قابلية للتطبيق في موضوع حيوي كالجريمة .
إن الجريمة ظاهرة ملموسة في أي مجتمع بشرى ، لكن الأمر يتفاوت عند التصنيف فأي نظام تصنيفي للجريمة والمجرمين لن يحظى بالإجماع، ولكن الهدف هو استيفاء مبادئ رئيسة للعدالة في المجتمع.
ومع ازدياد الجرائم وانتشارها يتدنى الشعور بالأمان والرفاه الاجتماعي في المجتمع الحضري، ولذا فإن الجريمة تشكل للجغرافي حقول دراسية موضوعية جديرة بالبحث والاهتمام فيما يخص العدالة والشرطة والانحراف والمجرمين وضحاياهم وغير ذلك . لأنها تطرح لنا أراء أكاديمية في سياق الدراسات التطبيقية للمشكلات الاجتماعية، التي نهدف من تطبيق نتائجها إبرازها للسكان في المدن التي تمثل الجريمة فيها مصدر خوف وقلق على حياتهم اليومية وطالما أن للبحث الجغرافي قيمته وفعاليته في هذا المجال الحيوي.
يقع الكتاب في عدد من الفصول تتناول :
الفصل الأول : نطلع القارئ فيه عن قواعد البيانات والأنماط الإقليمية ، وفيه نلقي الضوء على مصادر معلومات الجريمة ، والتحريف الذي يحدث عند تمثيل بيانات الجريمة ، والاتجاهات الزمنية ثم الأنماط الإقليمية.
الفصل الثاني: ونتناول فيه تطور نظريات علم الإجرام ، و التطورات المنهجية في الجغرافية البشرية ثم الإطار الفكري العام لجغرافية الجريمة.
الفصل الثالث: ويناقش الاتجاهات والإيكولوجية والمكانية في دراسات الجريمة ، مناطق الجريمة والانحراف.
الفصل الرابع : يطرح للقارئ البيئات المهيأة للجريمة.
الفصل الخامس : ونتعرف من خلاله على سكن مرتكبي الجرائم: أي مناطق المشكلات.
الفصل السادس: نلخص فيه نتائج الاتجاهات البحثية للجريمة ودلالاتها ، ورسم السياسات المكانية ، مكافحة الجريمة والوقاية منها.
علم الإجرام
علم الإجرام (بالإنجليزية: Criminology) هو العلم المختص بالدراسة العلمية للجريمة كظاهرة فردية واجتماعية.
مفهوم السلوك الإجرامي وأهداف العقاب
من أصدق المؤشرات على درجة الوعي الفكري واتجاه التغير الاجتماعي(4)
الجريمة هي أي فعل يؤدي إلى انتهاك القانون ويعاقب صاحبه من قبل الدولة .
ورغم ما يشاهد من انسجام لهذا التعريف مع مختلف القوانين، إلا أنه لا يخلو من العيوب، شأنه شأن جميع التعاريف في مجال العلوم الإنسانية، وأهم هذه العيوب:
1 ان بعض المجتمعات لا توجد لديها قوانين مكتوبة حتى اليوم.
2 ان المشرعين لا يستطيعون الإحاطة بكل الأفعال الإجرامية أو الضارة بالمجتمع فيخلو التشريع من ذكرها بالتحديد.
3 ان القانون قد يكون مفروضا من سلطة محتلة أو أخرى ظالمة، وفي هذه الحالة لا يعبر سوى عن رغبة السلطة التي سنته، مما يجعل الامتثال له قليلا، لأنه لا يستند على إرداة الأمة واقتناعها به.
4 لا يمكن اعتبار كل مخالفة للقانون جريمة، ولا كل مخالف للقانون مجرما، فالقانون يحظر أفعالا غير إجرامية كثيرة، وقد يقوم بها أشخاص لا يوجد لديهم أي دافع أو تكوين إجرامي.
ثانيا: تعريف الجريمة في علم الاجتماع:
اختلفت مدارس علم الاجتماع وكذلك علماؤه في تعريف الجريمة، وقد أدى هذا الاختلاف إلى ظهور عدد من التعاريف ذات الاتجاه الاجتماعي، ومن أشهرها تعريف (سالن Sallin) حيث يقول : الجريمة هي انتهاك للمعايير الاجتماعية , وتأتي شهرة هذا التعريف من كونه جمع كثيرا من الاعتبارات الاجتماعية في عبارة قصيرة، فالعادات والتقاليد والأعراف والقانون كلها معايير اجتماعية, ومن أهم الانتقادات الموجهة إلى هذا التعريف ان المعايير الاجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر، ولعل ذلك هو ما دفع العالم (Rafaele Garofalo) إلى تصنيف الجرائم إلى جرائم طبيعية وجرائم مصطنعة، الأمر الذي أظهر تعريف (Sallin) وكأنه تعريف يخص مجتمعا واحدا، فقد قسم جاروفالو الجريمة إلى نوعين: جريمة طبيعية، وجريمة مصطنعة.
فالجريمة الطبيعية هي ذلك الفعل الذي لا يختلف شعور الناس تجاهه بأنه جريمة مهما اختلفت المجتمعات والأزمنة، كالاعتداء المادي أو المعنوي على الأفراد، والاعتداء على الأموال والممتلكات، أما الجريمة المصطنعة فهي الأفعال المنتهكة لمكونات ثقافية مصطنعة، أو ما يسمى بالعواطف غير الثابتة كالديانات والعادات والتقاليد, ولعل نظرية جاروفالو هذه من أكثر النظريات انسجاما مع الواقع الثقافي المعاصر، ذلك أنه لا يمكن بحكم هذا الواقع، أن يتم الحصول على تعريف اجتماعي واحد يكون مقبولا تماما في كل المجتمعات، أوعلى الأقل عند كل علماء الاجتماع، وعلى هذا الأساس فإن النقد الموجه لهذه النظرية من زاوية عدم تشابه عاطفتي الشفقة والأمانة لدى كل المجتمعات، وهو نقد جاء به العالم (Durkheim) نقد ضعيف لأنه لم يأخذ في الاعتبار أن الشعوب والثقافات قد لا تتفق على تعريف آخر أكثر من اتفاقها على هذا التعريف في هذا العصر بالذات، ثم انه يؤخذ على هذا النقد أن العواطف تتشابه لدى كل المجتعات لكنها لا تتطابق تماما، والأخذ بمسألة واحدة تتشابه عواطف كل الشعوب تجاهها، خير من تركها حتى يتحقق التطابق العاطفي التام.
ثالثا: التعريف الاجتماعي القانوني للجريمة:
يأخذ التعريف الاجتماعي القانوني للجريمة بمسألة الخروج على المعايير الاجتماعية وانتهاك القانون في آن واحد، ومن هذا المنطلق عرفت الجريمة بأنها: كل سلوك مؤذ وضار اجتماعيا، ويتعرض صاحبه للعقاب من الدولة .
وهي أيضا : كل فعل انتهك القيم الاجتماعية التي حددتها الغالبية العظمى من الهيئة التي وضعت القانون الذي يجسد هذه القيم .
رابعا: التعريف النفسي للجريمة:
شهد هذا الجانب، مثله مثل الجوانب السابقة، اختلافات أخرى، غير أن الاختلافات في مجال علم النفس تبدو أقل بسبب أنه ركز على جانبين في تعريفه للجريمة:
الأول :ان الجريمة غريزية.
الثاني: ان الجريمة فعل لا إرادي ناتج عن صراعات نفسية تحدثها مكبوتات اللاشعور.
ففي الجانب الأول عرفت الجريمة بأنها:
فعل يهدف إلى إشباع غريزة إنسانية ,, وصادف هذا الإشباع خلل كمي أو شذوذ كيفي في هذه الغريزة انهارت معه الغرائز السامية والخشية من القانون .
وفي الجانب الثاني عرفت الجريمة بأنها:انعكاس لما تحتويه شخصية الفرد من مرض نفسي,, يعبر عن صراعات انفعالية لا شعورية ولا يعرف الفرد صلتها بالأعراض التي يعاني منها .
بعض تعاريف علم النفس تمزج بين المفهوم النفسي والقانوني والاجتماعي للجريمة ومن قبيل ذلك تعريف يقول :الجريمة فعل إنساني يسأل عنه الفرد ويتحمل عواقبه إذا توافرت الإرادة والحرية والاختيار , ومما يلاحظ على التعاريف النفسية للجريمة أنها تركز على الحالة الصحية للنفس والعقل لدى الشخص وقت ارتكابه للفعل، وهي أمور تتطلب فحصا علميا متخصصا في الطب والعلاج النفسي، والطب العقلي، لإثبات اعتلال الصحة النفسية من عدمه قبل المحاكمة، وهناك من السلطات القضائية بل الدينية بشكل عام في بعض المجتمعات من لا تزال تنظر إلى علم النفس على أنه ضرب من الكفر.
إن علم الجريمة والعقاب علم واسع ومعقد، ويدخل في تراكيب وتفاعلات مفاهيمه كل مكونات المعرفة الإنسانية,, وما أوردناه من تعاريف ليس إلا اختصارا لعدد كبير وموسع من التعاريف التي احتوتها معظم الدراسات العربية والأجنبية في مجال علم الجريمة والعقاب، وهي في صياغتها ومواضعها الأساسية، وفي صورها المختصرة هذه تدل بوضوح على أنه قد أصبح لدى العلماء والباحثين والمفكرين اقتناع بوجود عوامل موضوعية وراء الإجرام، تشرك المجتمع ومؤسساته في المسؤولية عن السلوك الإجرامي، أو تخفف من العقاب على الجاني، أو تدرأ العقوبة بإخراج الجاني من نطاق المسؤولية الأخلاقية عن فعله، وهي العوامل نفسها التي دعت المشرعين إلى تصنيف الجرائم حسب شدتها إلى :جناية جنحة مخالفة, ويمكن تقسيم هذه العوامل إلى ثلاثة محاور، كل محور يحتوي على عدد من التفريعات على النحو الآتي:
المحور الأول البيئة الأساسية للمجتمع وتشمل:
البيئة الجغرافية البيئة الثقافية البيئة الدينية القيمية البيئة العائلية البيئة السياسية البيئة الاقتصادية البيئة التعليمية البيئة السكانية التغير الاجتماعي.
المحور الثاني المعايير الأخلاقية والمثالية السائدة وتشمل:
الضوابط الاجتماعية التقليدية والرسمية نظام التدرج الاجتماعي الدخل والثروة المنافسة والصراع .
المحور الثالث العوامل الشخصية وتشمل:
الوراثة التكوين النفسي التكوين العضوي.
من المؤكد أن هذا التحول لم يكن سريعا أوسهلا، فقد بدأت بوادر التفكير في الأسباب الموضوعية للسلوك الإجرامي منذ عام 1586م على يد العالم (ديلابورطا Della Borta) حين تحدث عن وجود علاقة بين الجريمة والعيوب الجسمية الظاهرة على الفرد، إلا أن بعض الموروثات الثقافية السيئة عن العصور القديمة والوسطى استمرت تتناقلها الأجيال كحجر لم يتبدل حتى العصر الحديث في بعض المجتمعات، من ذلك أن عقوبة الخرق على الخازوق ظلت تطبق في أوروبا حتى عام 1786م، كما أن الاتجاه الكنسي بالتخلي عن فكرة أن المجرم شيطان يجب استئصاله من المجتمع لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر, وعلى الرغم من البطء الشديد للتغير الاجتماعي بعامة ووجود عوائق تلقائية وأخرى مصطنعة اعترضت سبيل هذا التغير فإن من الواضح أن التطورات الفكرية في مجال تفسير السلوك الإجرامي كانت سببا في تطور أهداف العقاب وتحولها من الرغبة في الانتقام من الجناة إلى الرغبة في إصلاحهم وإعادة تأهيلهم، والتحول من العقوبات الاستئصالية والبدنية إلى العقوبات السالبة للحرية ومنها السجن، ولكون المجتمعات الغربية حديثة عهد بعقوبات القرون القديمة والوسطى، فقد ظهرت عقوبة السجن على أنها اتجاه إنساني, ويبدو أيضا، أنه بازدياد التطور الفكري، بدأ النقد يطال هذه العقوبة، وازدادت القناعة بضرورة الإصلاح من نظم السجون، وتحويلها من مؤسسات عقابية بحتة، إلى مؤسسات إصلاحية، إلى جانب كونها تنضوي على إجراء عقابي كما هو الحال عندما بدأ إصلاح نظم السجون في أمريكا بعد الحرب الأهلية، ثم تحول هذا الاتجاه إلى برنامج رسمي في الولايات المتحدة الأميركية لتحسين أساليب التعامل مع المذنبين، وتطبيق بدائل الإجراءات الجنائية والعقابية وبرامج الخدمة الاجتماعية في جميع مراحل الدعوى الجنائية، وذلك في عام 1968م.
ويمكننا في نهاية هذا الموضوع أن نخلص إلى مجموعة حقائق واستنتاجات من أهمها:
1 ان التغير الفكري سمة لازمت الإنسان منذ الأزل القديم لكن هناك عوائق مادية ومعنوية ، طبيعية ومصطنعة، اعترضت طريقه مما أدى إلى ركوده أوتقهقره أو الإبطاء من سرعته.
2 ان تطور العقاب مرتبط ارتباطا تاما بالتطور في مجال تفسير السلوك الإجرامي وتابع له.
3 ان المؤسسات التشريعية في المجتمعات الغربية نظرت إلى عقوبة السجن كاتجاه إنساني في معاملة المذنبين، قياسا على العقوبات الوحشية التي كانت تطبق في المجتمعات الغربية خلال العصور القديمة والوسطى.
4 ان نتائج البحوث العلمية والفكرية لا تحدث التحول المطلوب في المجتمع بشكل سريع وفعال، ما لم يكن هناك سعي حقيقي من السلطة نحو الأفضل، بحيث تقبل تلك النتائج وترعاها.
5 إن العقوبة في معظم مجتمعات العصر الحديث، وبخاصة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، لم تعد غاية في حد ذاتها، وإنما أصبحت وسيلة تهدف إلى العلاج والوقاية.
6 ان هناك ستة اتجاهات في تعريف الجريمة هي:
الاتجاه الإسلامي الاتجاه الاجتماعي الاتجاه القانوني الاتجاه الاجتماعي القانوني الاتجاه النفسي الاتجاه النفسي القانوني الاجتماعي.
7 انه لا يوجد تعريف للجريمة متفق عليه بين مختلف الثقافات والتخصصات العلمية، فالوقت لم يحن بعد.
8 ان تقسيم جاروفالو للجريمة إلى طبيعية ومصطنعة يمكن أن يكون مدخلاً لإيجاد تعريف متفق عليه للجريمة الطبيعية على أساس أن الشفقة والأمانة تتشابه لدى كل المجتمعات، وليس من المنتظر أن تتطابق في المستقبل القريب، وما لا يدرك كله لا يترك جله، أما الجريمة المصطنعة فسوف يبقى الاختلاف على تعريفها قائما طالما أن هناك اختلافات ثقافية كبيرة بين المجتمعات، وسوف تتقلص هذه الاختلافات كلما زاد عدد المجتمعات الموجودة على مقدمة مذنَّب الحضارة بسبب انتقال مجتمعات إلى هذا الموقع بعد أن وصلت من الرقي الحضاري إلى مستوى يؤهلها لهذا الانتقال، وهنا يكون التجانس الحضاري قادرا على إيجاد تعريف موحد للجريمة لا يشذ عنه إلا مجتمع ما زال على ذيل المذنَّب الحضاري.
9 ان المشرعين قد أحسنوا صنعا عندما قسموا الجرائم إلى : جناية جنحة مخالفة وكم سيكون مفيدا لو أن المشرعين تخلصوا من عيب دقيق في هذا التقسيم يتمثل في أنه تم في إطار لفظ الجريمة ومفهومها العام، فالمشرعون عندما قالوا : (تقسيم الجرائم) أبقوا المخالفة والجنحة جريمة، فجُرد هذا التقسيم من هدفه، ولجعل هذا التقسيم يحقق هذفه نقترح تعديل عبارة (تنقسم الجرائم) إلى عبارة (تقسيم الأفعال المعاقب عليها) ثم يتم إحلال لفظة (جريمة) محل لفظة (جناية) ليصبح التقسيم على النحو الآتي:
(تنقسم الأفعال المعاقب عليها إلى : جريمة جنحة مخالفة ) وهذا التقسيم المقترح سيسهل، ايضا، وصف من يرتكب فعلاً يعاقب عليه فيصبح: (مجرما، جانحا، مخالفا) (مجرمة، جانحة، مخالفة).
أثر العوامل الاجتماعية في الدافع إلى إرتكاب الجريمة(5)
((دراسة ميدانية من واقع سجني دمشق للذكور ودوما للإناث))
رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في علم الاجتماع
بإشراف الدكتور: عدنان أحمد مسلم
إعداد: هناء محمد شريف البرقاوي 1995 جامعة دمشق
تحاول هذه الأطروحة دراسة ظاهرة الجريمة وهي ظاهرة اجتماعية موغلة في القدم وجدت بوجود الإنسان وسيبقى - حسب رأي البعض- إلى أن يزول الإنسان من على ظهر هذه الأرض.
ظاهرة الجريمة ظاهرة متشابكة الأطراف لا يمكن لأي باحث ان يخوض غمار البحث الشامل لها في بحث واحد بل عليه اختبار جانب صغير من جوانبها المتشابكة ليتسنى له التعرف بوضوح على الجانب قيد الدراسة.
وتتصدى الأطروحة لدراسة أثر العوامل الاجتماعية في الدافع إلى ارتكاب الجريمة في سجنين من سجون سورية ضمن منظور يعتمد في منطلقاته علىالتراث الفكري الاجتماعي.
لم تعتمد الدراسة على المنطلقات النظرية فحسب بل دخلت غمار الواقع لسبره والتعرف على مكوناته التي كان لها الأثر في وجود هذه الظاهرة جاءت الأطروحة في تسع فصول ويتقدم الفصول مدخل تمهيدي يوضح موقع ظاهرة الجريمة ضمن فروع علم الاجتماع إذ قدمت الدراسة تبيناً أن لعلم الاجتماع فروعاً تعنى بدراسة هذه الظاهرة وعواملها وهذا الميدان هو علم الاجتماع الجنائي يتناول هذا الميدان دراسة الجريمة كظاهرة اجتماعية ينبغي التعرف عليها بشكل شامل ليصار إلى الخلاص منها.
ويتناول الفصل الأول الإطار التاريخي لدراسة الجريمة حاولنا من خلال هذا الفصل أن نوضح تاريخ الجريمة كيف كانت وكيف أصبحت اليوم كما حاولنا عرض وجهة النطر الدينية لهذه الظاهرة ويبحث الفصل الثاني الأصول النظرية والأطر التحليلية لدراسة الجريمة في المجتمع بهدف الربط بين التراث العلمي والاجتماعي والواقع الراهن لننطلق بعد ذلك إلى رؤية مستقبلية لهذه الظاهرة وشمل الفصل الثاني سرداً للدراسات العربية والأجنبية التي تناولت ظاهرة الجريمة بالبحث والتحليل وقد ساعدت هذه الدراسة في الوصول إلى الإطار التحليلي المستند أساساً إلى إشكالية الدراسة التي قدمت المبرر النظري لهذا البحث ويعرض االفصل الثالث البعد المعرفي لدراسة الجريمة من خلال التعرف على مختلف التعريفات التي تناولت هذه الظاهرة من وجهات نظر متعددة بالإضافة إلى عرض لأهم التصنيفات المعتمدة لدراسة الجريمة والمجرم.
ويتناول الفصل الرابع عرضاً وتحليلاً لجملة العوامل التي تقف وراء حدوث الفعل الجرمي وتم تصنيف جملة العوامل المختلفة تحت زمرتين رئيسيتين هما:
العوامل الذاتية: تشمل الوراثة والجنس والتكوين العقلي
العوامل الخارجية: تشمل العوامل الطبيعية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية حاولت الدراسة من خلال هذا العرض تقديم وجهات النظر المختلفة بخصوص العوامل الكامنة وراء الجريمة مؤكدين على أهمية العوامل الاجتماعية كونها تشكل الأساس الذي انطلقت منه الدراسة في امتحان الواقع المدروس، وأفرد الفصل الخامس من هذه الأطروحة لدراسة الجريمة في سورية دراسة إحصائية حاولت من خلال الدراسة تحقيق الهدف السابق وشمل الفصل السادس استعراض الخطوات المنهجية الفنية للدراسة الميدانية التي كانت صلة الوصل بين الأطار النظري والواقع الميداني وتضمنت هذه الخطوات تحديد موضوع الدراسة الميدانية وتحديد أهدافها ومجالاتها الزمانية والمكانية وتحديد وحدة التحليل والمفاهيم التي استخدمت بالدراسة وقد تم عرض نتائج البحث الميداني لأثر العوامل الاجتماعية في الدافع لارتكاب الجريمة من الفصلين السابع والثامن تنتهي الدراسة بالفصل التاسع أتى بخاتمة ونتيجة تجسد الأهداف الأساسية التي يسعى البحث في الوصول إليها وهو تحديد أثر العوامل الاجتماعية في الدافع إلىالجريمة.
حاولت الباحثة في هذه الدراسة الوصول إلى الهدف من الدراسة التي قدمتها من خلال دراسة ميدانية لواقع هذه الظاهرة حيث كانت هناك دراسة إحصائية لواقع الجريمة في المجتمع السوري خلال العشرين سنة الماضية حيث مكنت هذه الدراسة من التعرف على أكثر الجرائم المنتشرة في المجتمع والمدن الرئيسية التي تتركز فيها الجريمة كما بينت الدراسة ضآلة حجم جرائم النساء بالمقارنة مع جرائم الذكور وكذلك تتعلق أهمية هذه الدراسة بأنها جاءت لتسد ثغرات كبيرة في مجال الدراسات الاجتماعية في نطاق الجريمة لا سيما أن هذا الموضوع من الموضوعات المغيبة عن ساحة الدراسة والاهتمام.
فالجريمة على ضآلتها تمثل خطراً يهدد المجتمع لذلك فهي بحاجة إلى الدراسة والتمحيص خاصة أنها ترتبط بالتنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع
مفهوم الضحية بين نظرية علم الاجتماع والنظرية العامة للتجريم(6)
ملخص الدراسة
علم الضحية علم وليد وموضوعاته لها جاذبية، ورغم وجود الضحايا منذ بدء البشرية إلا أن هذا العلم لم تبدأ دراسته العلمية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وقد بدأ بدراسة ضحايا الجرائم والمدعى عليهم، ومن ثم فهو يُعد تكملة ضرورية لعلم الجريمة، وقد ظهر هذا العلم لسد فراغ نظرى، ومن ثم لم يأخذ وقتاً طويلاً حتى أصبح جزءً مكملاً لعلم الجريمة، له أهميته وطبيعته التي جعلته مجالاً خصباً للبحث.
إن الدراسات التي أجريت على ضحايا الجرائم كان لها دور بارز في إعادة تشكيل نظام علم الجريمة بأكمله ورغم ذلك لم يأخذ مساره فى التطور والتقدم فى كل منطقة من مناطق العالم، إذ قد نراه متقدماً في بعض الدول ومتجاهلاً في دول أخرى، رغم وجود تشابه في الوسائل المنهجية (الكيفية والكمية) ومن ثم اعترته تحولات جذرية.
إن المداخل النظرية التي اتصف بها علم الضحية منذ بدايته قد تراجعت الآن وظهرت إنجازات تطبيقية كثيرة. وقد أسهمت المداخل النظرية فى المراحل الأولى لنشأة علم الضحية في دفع عمليات جمع البيانات، ومحاولة صياغة النظرية، إضافة إلى التشريعات الجديدة التى تتعلق بالضحية، والجهود المساعدة لتحسين وضع الضحايا والتخفيف عنهم مما يقعون فيه، ومن ثم انبثقت من المداخل النظرية، نماذج مختلفة في محاولات لشرح الاختلافات الحادة في أية مخاطرات تواجه الضحايا.
والبحث الراهن يُعد محاولة متواضعة لتتبع تاريخ علم الضحية وذلك من خلال تناول نشأته وتطوره المتمثل في ظهور علم الضحية العام الذى يركز على ضحايا الجرائم والعقوبات القانونية سواء على المجرم أم على الضحية، ثم ظهور علم الضحية التفاعلى الذى يدرس العلاقة التفاعلية القائمة بين المجرم والضحية قبل وأثناء وبعد حدوث الجريمة، ثم يتناول علم الضحية الموجه للمساعدات والذى يركز على تقديم المساعدات للضحايا عموماً والتخفيف من حدة معاناتهم، وكذلك يتناول البحث مظاهر الاهتمام العالمى بعلم الضحية وظهور الجمعية العالمية لعلم الضحية، إضافة إلى المنتديات العالمية لهذا العلم، وأخيراً يتناول البحث التحولات الحديثة فى علم الضحية مثل تحول الاهتمام من دراسة الوحدات الصغرى إلى دراسة الكبرى، وكيفية تحول علم الضحية النظري إلى علم الضحية التطبيقي.
الجهود الأممية لمنع الجرائم في المدن الكبرى
تحسين البيئة والتنمية وسائل تحد من الجنوح الأخلاقي(7)
تميز أساتذة علم الاجتماع في كلية الاداب بجامعة بغداد بأهتمامهم المبكر بموضوع (الجرائم في المدن) وتحليل اسبابها وطرق مكافحتها وكان المرحوم الدكتور عبد الجليل الطاهر سباقا بهذا الاهتام في كتابه (التفسير الاجتماعي للجريمة) المطبوع في بغداد سنة 1954، ثم اعتني المرحوم الدكتور علي الوردي ببحث الوضع الاجتماعي في المدن العراقية في كتابه (طبيعة المجتمع العراقي) المطبوع في بغداد سنة 1965.
وبعد ان تأسس اواخر سنة 1969 المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ضمن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تصاعد الاهتمام فيه بالدراسات التي تناولت جرائم المخدرات والمسكرات والبغاء وجناح الاحداث واصلاح السجون ورعاية السجناء، وتميزت الدكتورة فوزية العطية ببحث المشاكل الاجتماعية في الاحياء الشعبية الفقيرة وفيها مشكلة الجريمة. (مجلة البحوث الاجتماعية والجنائية_ المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية_وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في جمهورية العراق_ العدد 1/السنة الاولي/اذار/1972) واتسع هذا الاهتمام بجرائم المدن بعد تأسيس (الجمعية العراقية للعلوم الاجتماعية) سنة 1972 ووصل الي أعلي مستوياته بعد تأسيس (قسم الدراسات الاجتماعية) في (بيت الحكمة) سنة 1998، والذي تميز بأتساع نطاق اهتماماته ببحث المشكلات الاجتماعية بأطار التكامل بين المنظور الوطني والمنظورين القومي والعالمي. وكان الاجرام والانحراف الاجتماعي في الريف والمدن محل اهتمام واسع في دراساته وندواته وحلقاته ومؤتمراته العلمية. وكانت موضوعات (السلوك المنحرف واليات الرد المجتمعي) و (الابعاد الاجتماعية للتخطيط العمراني) و (والعوامل والاثار الاجتماعية لتلوث البيئة) و (المحلة العربية التقليدية بين الاصالة والمعاصرة) و (الامن الاجتماعي) من بواكير نشاطاته العلمية واصداراته الدورية، كما نالت (استراتيجيات مكافحة الجريمة في الوطن العربي) و (الجريمة الحضرية بين الامن المتحقق والوقاية المطلوبة) اهتماما خاصا. (مجلة دراسات اجتماعية- بيت الحكمة- بغداد- العدد الاول- السنة الاولي- 1419هـ- نيسان1999م).
ومنذ ان باشرت المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة نشاطاتها بأطار جامعة الدول العربية في سنة 1966 بادرت تنظيم مؤتمرات سنوية لبحث مختلف موضوعات الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة علي نطاق الوطن العربي.. كما بادرت بتنظيم مؤتمرات سنوية لقادة الشرطة والامن العرب منذ اواخر عام 1972، ومؤتمرات اوسع واهم لوزراء الداخلية العرب منذ عام 1977، ومشكلات الاجرام في المدن العربية تحظي بأهتمام متميز وبخاصة الجرائم الاقتصادية، جرائم المخدرات، جرائم العنف، التهريب عبر الحدود، الاعتداء ضد المؤسسات المالية، جرائم الاسلحة، جرائم تزوير جوازات السفر، الجرائم الاخلاقية، جرائم الشباب، جرائم التخريب، جرائم سرقة وتهريب الاثار، جرائم الارهاب، جرائم الاعتداء علي امن البيئة، جرائم الاغتصاب، جرائم الحاسب الالي، العنف الاسري...الخ.
وتصاعدت العناية بواقع حركة الاجرام في البلاد العربية وتوطيد التعاون العربي في مختلف مجالات مكافحة الجريمة بعد تأسيس مجلس وزراء الداخلية العرب سنة 1983 وتعاون الامانة العامة للمجلس المذكور مع جامعة نايف العربية للعلوم الامنية في الرياض بصفتها المرجع العلمي لمجلس وزار الداخلية العرب. (جامعة الدول العربية- مجلس وزراء الداخلية العرب- الامانة العامة (تونس)-جداول واعمال وتوصيات مؤتمرات قادة الشرطة والامن العرب-1972-1996) وفي عام 1967 تأسست منظمة المدن العربية التي اتخذت من دولة الكويت مقرأ لها لكي تعمل من اجل رعاية التعاون بين ادرات المدن العربية ورفع مستوي الخدمات البلدية فيها دون التدخل بالأمور السياسية... ولكي تعمل منظمة المدن العربية علي السيطرة علي المشكلات الاجتماعية التي تواجه المدن العربية ودرء الاخطار النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تنشأ عنها... وفي منتصف اذار من كل عام تقرر فيها الاحتفال في جميع البلاد العربية ب(يوم المدينة العربية) ومنذ عام 1978.
ومن توابع منظمة المدن العربية(المعهد العربي لانماء المدن) ومقره في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وهو جهاز متخصص في المنظمة يحمل اعباء الجوانب الفنية والعلمية في مجالات خدمات المدن ورفع مستوي اداء المعلمين فيها، وتحديث طرق العمل واساليب الاداء والتنظيم واجراء البحوث والدراسات وتقديم الاستشارات فيما تطلبه المدن في البلاد العربية. وتصدر عن الامانة العامة لمنظمة المدن العربية(مجلة المدينة العربية) وهي مجلة دورية متخصصة تصدرها المنظمة كل شهرين بدءا من عام 1987، والمجلة المذكورة مهتمة بالدراسات والبحوث العلمية ذات الصلة بشؤون المدن والبيئة لتأمين اطلاع رؤوساء البلديات العربية ومساعديهم علي الجوانب المختلفة لادارة المدن، وتعريفهم بأفضل السبل للارتقاء بواقع مدنهم علي وفق امكانياتهم وظروفهم. وخلال المدة من 5-9/ ديسمبر- كانون اول- 1981 قامت منظمة المدن العربية بتنظيم ندوة علمية عن (دور البلديات في حماية البيئة بالمدن العربية) عقدت في دولة الكويت شارك فيها ممثلو 184 مدينة عربية، واتفقوا علي ان المدن العربية تعاني من مشكلات بلدية تقلق راحة ساكنيها. ومن اهم تلك المشكلات:-
- نقص المساحات الطبيعية المكشوفة.
- اختناق حركة النقل والمرور.
- تلوث الماء والهواء.
- عدم كفاية الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية.
- اوضاع اجتماعية متدهورة في كثير من الاحياء الشعبية.
- نمو مناطق سكنية عشوائية خلافا لضوابط التصاميم الرسمية للمدن.
والمفهوم الشامل للامن العام يقوم علي الصلة التكاملية بين الواقع الامني والجنائي وبين الواقع الخدمي والبلدي. فكل تحسن في الاوضاع الخدمية التي تتصل بتأمين الخدمات الخاصة بالنقل والمرور، والماء والكهرباء وتصريف مجاري المياه الثقيلة، وتحسين الخدمات الترويحية كالمتنزهات والحدائق العامة ومدن الالعاب، وكذلك تطوير الخدمات الصحية في المستشفيات ودوائر الاسعاف الفوري، والخدمات التعليمية بتوفير رياض الاطفال والمدارس، انما ينعكس ايجابياً لصالح توطيد النظام العام وتخفيض معدلات الاجرام... وبذات الوقت فان الانضباط الامني وسيادة القانون من العوامل المساعدة والضرورية لتأمين وازدهار الخدمات العامة في المدن والارياف.
ولم يعد هناك خلاف بين علماء التخطيط الحضري والاقليمي من ان الجريمة في المدن، اوسع واخطر، كماً ونوعاً، من الجريمة في الريف. وان العلامة بين ظاهرة التحضر والجريمة قوية ومتشعبة. وهذه الحقيقة هي التي ساعدت علي ظهور فرع جديد من فروع علم الاجتماع باسم (علم الاجتماع الحضري)، بل اصبح معروفاً ومتداولاً في دراسات اساتذة التخطيط الحضري والاقليمي مصطلح (الجريمة الحضرية). (للمزيد من التفاصيل انظر مؤلف الاستاذ الدكتور حيدر عبد الرزاق كمونة- العلاقة بين ظاهرة التحضر والجريمة- الموسوعة الصغيرة- تسلسل 405- اصدار دار الشؤون الثقافية العامة- وزارة الثقافة والاعلام- بغداد- 1997 + الاستاذ الدكتور خالص حسني الاشعب- الجريمة الحضرية بين الامن المتحقق والوقاية المطلوبة- مجلة دراسات اجتماعية- بيت الحكمة- بغداد- العدد الاول/ 1999- صفحة 46- 63).
وعلي المستوي العالمي انشغل الفكر الانساني بنتائج الدراسات الاممية التي توصلت الي انه (من سنة 1970 حتي سنة 2025 ستتضاعف تقريباً نسبة قاطني المدن الكبري وذلك نظراً للنمو الذي سوف تحققه هذه المدن في البلاد النامية. وفي سنة 2025 سيعيش قرابة 30% من سكان الحضر في تلك البلاد في مدن يربو عدد سكانها علي اربعة ملايين نسمة. ويثير النمو السريع لسكان الحضر اكثر مما يتجلي في نشوء التجمعات السكنية العشوائية علي جوانب كل مدينة من مدن العالم النامي. وتشكل هذه التجمعات عموماً اقل احياء المدينة حظاً من الخدمات الصحية وفي وسائل الانتقال، فأهلها يفتقرون الي الخدمات الاساسية بقدر ما يفتقرون الي الشعور بالامن والاستقرار في الحيز الذي يحتلونه. كما ان كثير من المدن الكبري بلغت ازمة المساكن فيها حداً مروعاً. فحسب تقدير البنك الدولي سنة 1975، لا يجد ربع السكان الاشد فقراً بمعظم المدن الافريقية والاسيوية مسكناً يأوون اليه. وتشير الدراسات الاممية الي تدني الاحوال الصحية لفقراء المدن. وان مشكلة التعليم هي اخطر مشكلات المناطق الحضرية. وان الفقر وسوء التغذية يعاني منه سكان المدن اشد من معاناة سكان الريف. (رافائيل م. سالاس- مدن بلاد حدود- مجلة رسالة اليونسكو- العدد 308/ كانون الثاني/ 1987 الصفحات 10- 17).
وقد ثبت لدي هيئة الامم المتحدة ان ما يزيد علي الف مليون نسمة- اي ربع سكان الارض تقريباً- بلا مأوي بمعني الكلمة او يعيشون في مساكن سيئة غاية السوء، وفي بيئات غير صحية. وهناك ما يقرب من مائة مليون انسان ليس لهم مأوي علي الاطلاق، فهم ينامون في الشوارع وتحت الجسور وفي الاراضي الخراب والازقة ومداخل المباني. كذلك اعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1987 سنة دولية لايواء المشردين. (مجلة رسالة اليونسكو- ملايين المشردين في العالم- العدد 308/ كانون الثاني/ 1987- الصفحات 18- 19).
لذلك بذلت هيئة الامم المتحدة خلال الربع الاخير من القرن الماضي استعداداً لمواجهة المشاكل المتوقعة الناجمة عن ظاهرة النمو الحضري المذهل، وتوقعاتها بأن القرن الحادي والعشرين سيشهد في بداياته مشكلات حادة تعلق بالاسكان والنقل والغذاء وامدادات المياة والتعليم والمرافق الصحية والامن. (مجلة رسالة اليونسكو- العدد 286/ اذار/ 1985- افتتاحية العدد بقلم رئيس التحرير ادوار جليسيان- صفحة 3).
وتضافرت جهود العديد من المنظمات الدولية التابعة لهيئة الامم المتحدة ومنظمات اخري حكومية وغير حكومية متعاونة مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الهيئة المذكورة لمعالجة عدد من مشكلات المدن في العالم من نواحي التنمية البشرية وتحسين البيئة والارتقاء بوسائل التربية والتعليم، ونشر الثقافة، وتشجيع السياحة، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والارتقاء بضمانات حقوق الشعوب في حريتها باختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والاستثمار الحر لثرواتها الوطنية، وبضمانات حقوق الانسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ومازالت الجهود الاممية لمعالجة مشكلات التحضر في المدن مستعصية وتحتاج الي جهود اكبر (فقد وصل التمايز بين المدن المعاصرة والانظمة الحضارية الي حد دفع الممارسين وعلماء الاجتماع الي ابتكار وتطوير مفاهيم واساليب نظرية جديدة....
فمع ما تشهده المدن من تغييرات هائلة، يؤدي التحضر السريع الي نمو مدن ضخمة والي اختلالها الوظيفي المعروف، والذي يؤدي الي تراجع الجانب الانساني، ويشي بالتناقضات الاجتماعية- الاقتصادية، تلك الهوة التي تزداد اتساعاً بين الطبقة الوسطي والعليا في المجتمع.. وبين طبقات الفقراء والمهمشين من السكان. وتلك المدن التي تخسر في السباق الاقتصادي الكوكبي يتم تهميشها ايضاً، ويتزايد احساس مواطنيها بعدم الرضا عن النظام الديمقراطي الذي يبدو انه لم يستطع ان يحقق احلامهم). (المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية- العدد 172/ حزيران/ 2002- اليونسكو- مركز مطبوعات اليونسكو- القاهرة- كلمة التحرير- صفحة 11).
ونالت مشكلة الجريمة عناية متقدمة علي غيرها من المشاكل الاجتماعية العالمية، لان فقدان الامن يعرقل المساعي التقدمية لتحسين الاحوال العامة، سواء اكانت متصلة بالجوانب السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية او الثقافية. لذلك اعتنت (عصبة الامم) بعد الحرب العالمية الاولي (1914- 1918) و(هيئة الامم المتحدة) بعد الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) بوضع دعائم قوية للتعاون الدولي في مكافحة الاجرام، تأطرت بمعاهدات دولية، جرت عليها تعديلات وتبديلات علي وفق تطور مشكلة الاجرام في العالم.
ومن اهم الاتفاقيات الدولية النافذة حالياً ذات الصلة بالتعاون الدولي لمكافحة الاجرام:
- الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية حقوق المؤلف ابتداءً من اتفاقية برن بشأن حماية المصنفات الادبية والفنية المعقودة عام 1886 وامتداداً الي اتفاقية بروكسل بشأن توزيع الاشارات الحاملة للبرامج المرسلة عبر التوابع الصناعية المعقودة سنة 1974.
- الاتفاقية الدولية لمراقبة المتاجرة بالاسلحة والاعتدة والادوات الحربية المؤرخة 17/ حزيران/ 1925.
- الاتفاقية الدولية لمنع تزييف العملات المؤرخة 20/ نيسان/ 1929.
- اتفاقية الامم المتحدة لحظر الاتجار بالاشخاص واستغلال دعارة الغير المؤرخة 2/ كانون الاول/ 1949.
- اتفاقية منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المتعلقة بوسائل تحريم ومنع استيراد الممتلكات الثقافية وتصديرها ونقل التي وضعها المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص بشأن استرجاع الممتلكات الثقافية المسروقة او المصدرة بطرق غير مشروعة المؤرخة 24/ حزيران/ 1995.
- اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية المؤرخة 3/ اذار/ 1980 لمنع استعمالها للاضرار بالجمهور.
- اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية المؤرخة 19/ كانون الاول/ 1988.
- اتفاقية الامم المتحدة لابطال الرق وتجارة الرقيق والممارسات الشبيهة بالرق المؤرخة 6/ أيلول/ 1956.
- اتفاقية الامم المتحدة للقضاء علي جميع اشكال التمييز العنصري المؤرخة 21/ 11/ 1965، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها المؤرخة 30/ 10/ 1973، واتفاقية القضاء علي جميع اشكال التمييز ضد المرأة المؤرخة 18/ 12/ 1979 (انظر الوقائع العراقية 3387 في 6 كانون الثاني/ 1992).
- الاتفاقية الدولية الخاصة بالمعاقبة علي التجارة الدولية بالمطبوعات المفسدة الصادرة عام 1923.
- اتفاقية الامم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية او اللاانسانية او المهنية لعام 1984
الجريمة... بين النظريات التقليدية والتفسيرات الحديثة(8)
يمكن القول بأن أول تفسير لظاهرة الجريمة كان غيبياً,انطلاقاً من أن المحاولات الأولى لتفسير الظواهر المحيرة للأنسان,قبل ظهور العلم,كانت تعزى الى قوى خارجية غير مرئية.وعليه كان ينظر الى المجرم,في ذلك الزمان البعيد,على انه شخص تملكته روح شريرة,وهو تفسير ما يزال موجوداً في المجتمعات التي ينتشر فيها السحر،أعني المجتمعات المتخلفة,التي تعزو الأنحراف والجريمة الى إغراءات شيطانية أو استحواذ جني أو عفريت على عقل الأنسان وروحه.والخطير في هذا التفسيرالغيبي أنه لا يعد الفرد المجرم مسؤولاً عن جريمته,الامر الذي أدى الى ظهور تفسيرات جديدة أطلق عليها((التفسيرات الطبيعيةNaturalistic Explanation)),وقفت بالضد من التفسيرات الغيبية,وسخرت من أن يكون للأرواح الشريرة والشياطين أي دور في دفع الفرد نحو ارتكاب الجريمة,وقالت بأن الأفكار والأحداث الموضوعية والعلاقات القائمة في الواقع الذي يعيشه الفرد,هي المسؤولة عن ذلك.
وبظهور (علم الجريمة الكلاسيكي) Classical Criminology جرى تحول بشأن فهم الطبيعة البشرية,بتوكيده على أنها تمتاز بصفتين هما:العقلانية و الذكاء,تمكنان الفرد من اتخاذ قراراته وما يقوم به من أفعال,وانه يعمل وفقاً لمصالحه وليس اسيراً لقوى غيبية أو طبيعية.وعليه صار الإطار المرجعي يعزو الجريمة والأنحراف الى الأنسان نفسه وليس الى غيره،فكان أن ظهر القانون الجنائي.
وبينما أسس علم الجريمة الكلاسيكي فكره على الأرادة الحرة والعقلانية الانسانية,وأصرّ على العقوبة بهدف منع الجريمة والوقاية منها,ظهر علم (الجريمة الوضعي)Positive Criminology بوجهة نظر مناقضة تماماً تقوم على فكرة أن الأنسان غير حر في سلوكه,بسبب عوامل بيولوجية وحضارية تدفعه للقيام بأفعال خارج ارادته,بضمنها الانحراف والجريمة.فكان أن انضوى تحت هذا المنظور نوعان من الحتمية؛الأولى:الحتمية البيولوجية التي تنظر الى الصفات السلوكية بوصفها انعكاس لما يحمله الفرد من إرث وراثي,والثانية:الحتمية الثقافية التي ترى أن سلوك الأنسان ماهو الا انعكاس للخصائص الثقافية والاجتماعية والحضارية.
ثم ظهر في الستينات من القرن الماضي ما أطلق عليه (الفكر النقدي)Critical Thinking في السياسة والأقتصاد والتربية والأجتماع والقانون,تجنب أصحابه اشكالية ما اذا كان سلوك الانسان حراً أم حتمياً,وركزوا في أهمية مساهمة الفرد في صنع عالمه الأجتماعي,ونظروا الى الجريمة على أنها مجرد بناء اجتماعي,وان المجتمع وضع تعريفاً لها,وعلى وفق هذا التعريف يختار مجموعة من الأفعال والأفراد يجعلها موضوعاً لتعريفاته.وهو موقف ذاتي –على ما يرون– فالجرائم وصفات المجرمين تتحدد قانونياً وليس بناءً على وجهات وخلفيات المجرمين.ورأى بعضهم أن مفاهيم الجريمة والمجرمين ماهي الا وصمات او مسمياتLabels تضفى على أفعال محددة وأفراد محددين.وكانت فضيلة هذا المنهج النقدي أنه استطاع أن يحول التفكير بأتجاه دراسة معنى الجماعة وآثارها السلبية في الفرد والمجتمع،وإنه وجّه علم الجريمة النقدي الى دراسة مجموعة العمليات التي يمارسها المجتمع تجاه مجموعة من الناس والأفعال،والكيفية التي يصبح من خلالها هؤلاء مجرمين والأفعال جرائم.ومثال على ذلك أن معظم نزلاء السجون من الفقراء,لا بسبب فقرهم,انما القانون يطبق عليهم بصرامة,فيما لا يطبق بنفس الأجراء على مرتكبي جرائم الفساد المالي والأداري,لأنهم يكونون في العادة من الاغنياء ذوي الجاه والسلطان.
تفسيرات نفسية حديثة
طرح (جليسر)Glaser(1978) نظرية ضمّنها كتابه الموسوم(الجريمة في مجتمعنا المتغير))حملت عنوان((التوقع المخالف))Differential Anticipation،أشار فيها الى أن التوقعات الأنسانية تعتمد على ثلاثة مصادر أساسية هي :
1- الروابط المؤيدة والمعارضة للسلوك المنحرف.
2- التعلم المخالف.
3- الفرص المدركة.
ويرى (جليسر)أن الأنسان يعيش في بيئة اجتماعية,ويرتبط بصداقات مختلفة,ويتعرض لقيم ثقافية مختلفة.وأن الفرد يعرف من خلال ملاحظاته وخبراته المعاشة ما هو السلوك المثاب والمعاقب.وأنه يختار الجريمة بناءاً على عملية وجود الفرص,ويقوم بتقويم الربح والخسارة,وفي ضوء ذلك فأنه يختار الجريمة عندما يكون الربح فيها يفوق العقوبة والخسارة,وان كل ذلك يكون متعلماً ومتوقعاً من البيئة التي يعيش فيها الفرد.
وتطورات نظرية علم الأجتماع
بدأت هذه التطورات بمقالة في العام 1979 بعنوان((التغير الاجتماعي واتجاهات معدلات الجرائم:مدخل النشاط الرتيب The Routine Activity Approach)).يقوم هذا المدخل على ثلاث أجزاء رئيسة هي:
1- المجرم ذو الرغبة.
2- الهدف المناسب.
3- غياب الرقابة القادرة.
ويعني ذلك أن مدخل ((الانشطة الرتيبة)) يجمع بين الجاني والمجني عليه في الزمان والمكان،حيث يوجد مجرم لديه رغبة في ارتكاب جريمة بحق مجني عليه,بتوافر شرطين آخرين هما الهدف المناسب وغياب الرقابة.فإذا ما إجتمعت هذه المكونات الثلاثة إزدادت إحتمالية حدوث الجريمة.
منظور الإختيار العقلاني
تعود جذور هذا المدخل الواسع الأنتشار الى ((كورنش وكلارك))عام(1987). وعلى عكس نظريات علم الجريمة الوضعي التي رأت أن المجرم شخص غير طبيعي ومريض وعديم الأحساس,ويختلف عن الشخص السوي,فقد إنطلق هذا المدخل من مجموعة إفتراضات من بينها:
* إن الناس يمارسون الارادة الحرة بشكل جزئي,وإن السلوك محدد جزئياً ايضاً.
* الظرف الحياتية هي المحددات الرئيسة للتفاعل والنشاط الأجتماعي بين الافراد.
* التغيرات الاجتماعية تدفع بأتجاه تغير الانماط الحياتية وأساليب المعيشة.
وتبعاً لذلك تتغير خطورة تعرض الأشخاص للجريمة,أو أن يقوموا بالجريمة. ويركزهذا المدخل على الحدث,أي الجريمة نفسها, وعلى العوامل الموقفية في أثناء حدوث الجريمة ,بدلاً من التركيز في صفات المجرم وخصائصه النفسية والأجتماعية.
نظريات ما بعد الحداثة Postmodern Theories
في تسعينيات القرن الماضي ظهرت نظريات((مابعد الحداثة))،وبعضها مزيج من فروع المعرفة الأجتماعية،كاللغة(علم الدلالة تحديداً)،والانثروبولوجيا,وعلم النفس التحليلي،والايكولوجيا وغيرها.ومن بين هذه النظريات ((نظرية الفوضى))أو ((نظرية التعقيد)).والفكرة الرئيسية التي تقوم عليها:أن المجتمعات الحديثة ذات أنظمة عالية وبالغة التعقيد.وان هنالك ملايين المتغيرات التي يصعب تحليلها أو ضبطها.وعليه يجب أن تكون هنالك نماذج متعددة في تخصصات متعددة ,تناسب طبيعة الجريمة وصفات المجرم والموقف.
وفي العام 1998،حاول(ويليامز)التركيز في الواقع البنيوي من أجل فهم الجريمة والمجرم.وبما ان الواقع مسألة معقدة,فالجريمة والمجرم أيضاً من المفاهيم المعقدة.ونظر هذا الباحث الى السلوك بوصفه نتيجة لتفاعل عوامل متعددة من بينها:البيئة الاجتماعية،والثقافات الفرعية،والأتجاهات النفسية،والبيئة المادية،والجينات....تشكل مجتمعة الخلفية الاجتماعية للفرد فضلاًعن الأحداث الآنية التي يمكن أن تزيد أو تنقص من هذه العوامل.
سيزار لومبروزو(9)
سيزار لومبروزو (بالانجليزية وبالإيطالية: Cesare Lombroso) طبيب ايطالي شهير وعالم جريمة ولد في 6 نوفمبر 1835 وتوفي في 19 أكتوبر 1909. يرجع له الفضل في نشأة المدارس التكوينية وأطلق البعض عليها اسم (المدرسة الوضعية) في نظريات تفسير السلوك الإجرامي ..
الأهتمام بالمجرمين
ظهر اهتمام لومبروزو بالمجرمين عام 1864 ما اثار اهتمامه هو الوشم المجود على أجسام بعض الجنود و مدى الفحش الذي يمثله بعض هذه الوشوم وحاول الربط بين الجنود المجرمين او الغير صادقين والوشم على أجسادهم. ادرك لومبروزو ان الوشم وحده لا يكفي لفهم الطبيعه الاجراميه، وانه لابد من تحديد سمات الشخص غير الطبيعي و المجرم و المجنون باستخدام طرق تجريبيه مبنية على العلم الوضعي.وفي 1866 عين محاضرا زائرا في جامعة بافيا . وفي 10ابريل 1870 تزوج من نينا دي بنيديتي وأنجب منها خمسة اطفال، بما فيهم جينا المولودة الثانية التي كتبت السيرة الذاتية لوالدها. في عام 1871، اصبح مديرالمركز لجوء بيسارو، وكانت تجربه مهمه لصقل مهارته وقدرته العملية، خلال تلك الفترة وضع لومبروزر الاقتراح الذي عرضه على السلطات الوزاريه وهو انشاء مركز لجوء للأفراد المختلين عقليا الذين ارتكبوا جرائم خطيرة والافراد المختلين عقليا الخطريين على المجتمع. وفي السنة التالية عاد إلى مدينة بافيا وبدأت دراسات من شأنها ان تؤدي إلى نظرية الرجل المجرم .
في نوفمبر 1872 أجرى لومبروزو عملية التشريح لجثة شخص يدعى جيوسيبي فيلليللا سبعون عاما من مقاطعة كالابريا وكان فيلليللا مجرما وقاطع طريق وكان قد تم فحصة قبل ذلك بعام في السجن. نتائج تشريح لومبروزو التي اجريت على جمجمه فيلليللا كشفت شذوذا ومقاس مختلف عن الطبيعي في تكوينه الجمجمي ولاحظ لومبروزو تقعر في في بنية الجسمية ايضا. هذا الاختلاف في حجم جمجمة فيلليللا أقنع لومبروزو أن الاختلاف ليس حاضرا في الأشخاص الطبيعين، ولكن فقط في جماجم المجانين والمجرمين وهو "اثبات" ان المجرم يولدون مجرمون. المجانين ، والمجرمين والأشخاص البريين, والمخلوقات المنقرضة, والسلوك الأجرامي والسلوك النفسي المنحرف كله له مسبب واحد. هذا المسبب كان محور ومحل تركيز دراسات لومبروزو وقد ظهرت دراسات لومبروزو عن اسباب الجريمة ونظرية الأنسان الرجعي أو البدئي في مجلدة (كتاب) بعنوان الرجل المجرم والذي نشرت لاول مرة في عام 1876. وهي ذات السنه التي أنقل فيها إلى مدينة تورينو الواقعة شمال غرب إيطاليا ليتولي رئاسة الطب الشرعي في جامعة تورينو. ثم قام بانشاء مختبر الذي اصبح مكان تركيز جهوده في ابحاث الطب الشرعي والطب الجنائي وعلم الإنسان(الانثروبولوجيا) وخلالها قام بتعديلات وأبحاث مستفيضه على نظريته الأصلية الرجل المجرم.
النسخة الثانية من النظرية
في عام 1878 ظهرت النسخة الثانية من نظرية الرجل المجرم وقد أثير العديد من الاعتراضات على نظريته، التي حسب بعض النقاد تهمل عوامل تأثير البيئة والجانب النفسي في تطور السلوك الأجرامي. الطبعه الجديدة من نظرية الرجل المجرم مع دراسات حول معنى الوشم على الجسم والتي سبق أن تناولها في دراسته على الجنود والسجناء، وفيها لاحظ لومبروزو أن السجناء على أجسادهم وشوم ذات دلالات غير اخلاقية بشكل كبير جدا عن بقية السكان. ايضا في هذه الطبعة من النظرية درس لومبروزو ايضا لهجة المجرمين والانتحار والدعاره بينهم. وفيها حلل ظاهرة الجريمة على اساس العمر والجنس والمناخ والغذاء والفقر.
النسخة الثالثة من النظرية
في عام 1884 ظهرت النسخة الثالثة من نظرية الرجل المجرم وفيها عاد لم لومبروزو إلى الجنون الأخلاقي الذي كان قد طرحه في وقت سابق في مؤلفاته أن المجرم الرجعي (الهمجي, البدائي) مصاب بالجنون الأخلاقي والذي يعود به إلى أصله البدائي مجردا المجرم من الشعور الأخلاقي.
النسخة الرابعة من النظرية
بعد ذلك تعرض لومبروزو إلى عديد من الانتقدات الواسعة التي تلقها من جهات مختلفة كالسياسيين وعلماء الاجتماع، اخرج لومبروزو الطبعه الرابعة من نظرية الرجل المجرم عام 1889، وفيها اضاف المجرم السياسي لنظريته ادرك لومبروزو صعوبة ادراج المجرم السياسي على انه شخص جسمانيا مختلف عن الشخص الطبيعي وهو ما يدفعه لأرتكاب السلوك الاجرامي. فسر لومبروزو ان المجرم السياسي هو مجرم من الناحية القانونية فقط وايس من الناحية الأخلاقية والأجتماعية وهو شخص شهد التطور الأنساني ولكنه قي نفس الوقت يمارس العصيان وهي ظاهرة جديرة بالدراسة.
النسخة الخامسة من النظرية
عام 1897 ، نشرت الطبعه الخامسة من نظرية الرجل المجرم في اربعة مجلدات واحدة منها تتضمن الكثير الايضاحات. وفيها يدرس السمات الأجرامية بالتفصيل ويقصب صفات انواع مختلفه من المجرمين مبنية على حسب اختلاف خصائصهم عن الشخص الطبيعي ووفقا للطبقة التي ينتمون اليها. صنف لومبروزو المجانين اخلاقيا والمجانين عقليا والمجرمين المولودين في نفس الفئة .وفي هذه المرحلة من الدراسات اقر لومبروزو ان اسباب الجريمة ليست حصرا البيولوجية وانما تشمل تأثير المناخ والطقس ، والمنطقة الجغرافية والتلوث . وفيما يتعلق بالجريمة النساءيه والبغاء اسنتج انه لا توجد دلالات جسمانية فارقة على النساء لهذه الجريمية والتفسير الوحيد لهذه الظاهرة انها سلوك منحرف تقوم به بعضهن. وأخيرا بالنسبة للجريمة السياسية استبعدها من قائمة الجرائم الناجمة عن العيوب المتاصله ، وقد صنفها بأنها "جريمه عاطفيه".
تلخيص لعمل واستنتاجات لومبروزو
أجرى (لومبروزو) مجموعة من الفحوص والدراسات على بعض المجرمين الأحياء والأموات بهدف الوصول إلى نتائج وأدلة تسمح له بين المجرم والأنسان السوي وقدأجريت أبحاثه على 383 جمجمة لمجرمين موتى وحوالي 600 مجرم على قيد الحياة ومان المنهج المستخدما لتجاربه المنهج التجريبي. استنتج لومبروزو ان المجرم انسان بدائي يتميز بملامح خاصة توفرت فيه عن طريق الوراثة، وأنه مطبوع على الإجرام ومما أكد فكرة (الإنسان المجرم) عند لومبروزو أنه عندما قام بتشريح جثث المجرمين وجد فراغا في مؤخرة الجبهة يشبه الذي يوجد عند القردة، مما حدا به إلي القول بأن المجرم انسان بدائي والعديد من النقاد يعتبرون ذلك تأثرا واضحا بنظرية التطور التي وضعها داروين. مما اقنع لومبروزو بافكاره هو ملاحظاته في أثناء عمله في الجيش الإيطالي أن الجنود المشاكسين ينفردون بخصائص غير موجودة في غيرهم من الجنود الطبيعين الهادئين، فقد كان هؤلاء المشاكسون يعتادون وشم أجزاء من أجسامهم بصور مخله للادب ، وكتابات ماجنة، وعند تشريح جثث بعض المتوفين منهم لاحظ وجود عيوب في التكوين الجسماني لهم .
وومما أشار إليه (لومبروزو) أيضاً أن السبب الأساسي للسلوك الإجرامي إنما يرجع إلى ما أسماه (بالاندفاع الخلقي) الذي يكون متأصلاً في تكوني المجرمين فيولدون به، وبالتالي يصعب على الظروف البيئية مهما كانت أن تغير من هذا القدر الذي لاخلاص منه. .
قد وجد لومبروزو مجموعة من الصفات تشبه صفات الحيوانات البدائية والتي تعود للأنسان غير المتطور، وقال بأن توفر خمس صفات أو أكثر من هذه السمات الجسدية يجعل الفرد خاصعا للنمط الإجرامي التام، وإذا توفر لديه ثلاث صفات يكون من النمط الإجرامي الناقص، وإذا قلت هذه الصفات عن ثلاث فليس من الضروري اعتباره مجرما. وهذه الصفات لاتكون سببا في الجريمة بقدر ماتعني ارتداد صاحبها إلي النمط المتوحش البدائي، هذه الصفات عددها (21) صفه هي:
أمثلة على فسيلوجيا المجرمين بواسطة لومبروزو
1. طول أو قصر غير اعتيادي.
2. رأس صغير ووجه كبير.
3. جبهة صغيرة ومنحدرة.
4. خط شعر متراجع.
5. بثور في الجبهة والوجه.
6. وجه وعر أو عميق التجاويف.
7. آذان كبيرة ناتئة.
8. ضربات على الرأس، وبالاخص في المنطقة المهلكة الواقعة فوق الاذن اليسرى.
9. ضربات في مؤخرة الرأس وحول الاذن.
10. عظام جبهة عالية.
11. حواجب غزيرة تميل للالتقاء فوق الانف.
12. محاجر واسعة وعيون غائرة.
13. انف شبيه بالمنقار، أو انف مسطح.
14. خط فك حاد.
15. شفاه ممتلئة، مع كون الشفة العليا أنحف.
16. اسنان قواطع كبيرة، واسنان غير اعتيادية.
17. ذقن صغير او نحيف.
18-اكتاف منحدرة مع صدر واسع.
19. اذرع طويلة.
20. اصابع مستدقة أو فطسة.
21. وشم على الجسد.
وبالاضافة إلى تلك الصفات العامة وقف لومبروزو على بعض الملامح العضوية التي تميز بين المجرمين. فالمجرم القاتل يتميز بضيق الجبهة، وبالنظرة العابسة الباردة، وطول الفكين وبروز الوجنتين، بينما يتميز المجرم السارق بحركة غير عادية لعينيه، وصغر غير عادي لحجمهما مع انخفاض الحاجبين وكثافة شعرهما وضخامة الانف وغالباً ما يكون أشولا. بالأضافه لتأثر الكبير بداروين و نظرية التطور يبدو لومبروزو انه قد تأثر بالمدرسة الوضعية الفرنسية والمادية الألمانية وطبيب النفس الفرنسي بفيدكت موريلو عالم التشريح المقارن بارتولوميوبانيزا، والباثولوجي السويسري كارل بوكيتانسكي].
في أخر ابحاثه قام لومبروزو لتحديد انواع المجرمين وقسمهم إلى فئات مختلفه وذلك للأنتقدات الشديده التي تعرض لها في كيفية تحديد المجرم. هذه التقسيمات هي:
1 ـ المجرم المطبوع أو المجرم بالفطرة.
2 ـ المجرم المجنون والصرعى.
3 ـ المجرم السياسي.
4 ـ المجرم السيكوباتي.
5 ـ المجرم بالصدقة.
6 ـ المجرم المعتاد.
7 ـ المجرم العاطفي.
الأنتقادات لنظرية الرجل المجرم
تعرضت أفكار ونظريات سيزار لومبروزو إلى الكثير من الأنتقادات للعديد من الاسباب لعل أهمها
1- إن الحالات التي ركز لومبروزو جهوده عليها في تجاربه لم يكن اصحابها من الكثرة بحيث يمكن استخلاص قانون عام يمكن تعميمه وتطبيقه على جميع الحالات الاجرامية، وهذا من الأخطاء التي وقع فيها لومبروزو في صياغة نظريته.
2- تركيزه على الجانب العضوي والمبالغة فيه كعامل للسلوك الاجرامي، واهماله بل انكاره تأثير العوامل الأخرى مادية, ثقافية ،بيئية، واجتماعية، في فهم سلوك المجرم.
3- اعتبار بعض المظاهر التي يحدثها أي إنسان فضلاً عن الإنسان المجرم علامة على كون محدثها مجرماً، وذلك من قبيل إحداث الوشم وتحمل الألم لأجله، فهذا دليل - حسب قول لومبروزو - على عدم الإحساس بالألم، وبالتالي فإن عدم الإحساس بالألم من صفات المجرمين. وأيضا استخدام اليد اليسرى علامة على السلوك الإجرامي.
بالرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت لنظرية لومبروزو يظل هو المؤسس الأول لعلم الانتروبولوجيا الجنائية أو الإنسان المجرم كعلم مستقل تجاه العلوم الاجتماعية. أما نظريته البيولوجية في عوامل تكوين الظاهرة الاجرامية فهي أول دراسة استخدمت المنهج العلمي في تفسير الظاهرة الاجرامية .
الإجرام (علم -)(10)
هناك من يعرّف علم الإجرام criminology بأنه العلم الذي يدرس الجريمة من الوجهة الواقعية، بوصفها ظاهرة فردية اجتماعية، دراسة علمية، للكشف عن العوامل التي تسبب تلك الظاهرة. ويتناول هذا العلم بالتالي دراسة شخصية المجرم لبيان الأسباب التي دفعته إلى الإجرام، ويهتم ببيان خصائص المجرمين والتوصل من وراء ذلك إلى تصنيفهم. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتناول علم الإجرام أيضاً دراسة أفراد آخرين يكونون في حالة خطرة تنذر بوقوعهم في الجريمة مستقبلاً. وفي تعريف آخر، إن علم الإجرام هو علم دراسة الانحراف بحثاً عن أسبابه وأصله ووسائله ونتائجه. ويضيف بعض المحدثين إلى التعريف السابق القول إن علم الإجرام لا يهتم بالجرائم فقط بل يهتم كذلك بضحايا الجرائم والاعتداءات.
نشأة علم الإجرام وتطوره
ولد هذا العلم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر على يد أساطين المدرسة الوضعية الإيطالية وهم، لومبروزو Lombroso وفيري E. Ferri وغاروفالو R. Garofalo ويعدّ لومبروزو صاحب الجناح النفسي الفيزيولوجي في هذه المدرسة، لأنه عزا الجريمة إلى أسباب داخلية في بنية المجرم. ولومبروزو هو صاحب نظرية المجرم بالولادة، أو الإنسان المجرم، التي لا تزال حتى الآن موضع جدل بين المهتمين بمكافحة الجريمة ومعاملة المجرمين. أما فيرّي فيُعدّ صاحب الجناح الاجتماعي في هذه المدرسة، لأنه عزا الجريمة إلى أسباب اجتماعية خارجية تقع في المحيط الذي يعيش فيه المجرم.
وأما غاروفالو، الذي كان قاضياً مشبعاً بالشدة والنقمة على المجرمين، والذي يذكر عنه أنه مؤسس علم الإجرام لأنه أول من استخدم هذا الاصطلاح، ووضعه عنواناً لكتابه الذي أصدره عام 1885، فقد عرّف الجريمة وجعلها في صنفين: جريمة طبيعية وجريمة اصطناعية، وصنف المجرمين كذلك وبيّن العوامل في إجرامهم وذكر أنها نفسية وعضوية. وقد استطاعت دراسات رواد المدرسة الوضعية الإيطالية وأعمالهم أن تحلّ المجرم محل الجريمة، فأصبح قطب الرحى، واحتل مركز الصدارة بالاهتمام بعد أن كانت الجريمة هي الشغل الشاغل للمدارس الجزائية السابقة مثل المدرسة التقليدية والمدرسة التقليدية الجديدة أو الحديثة.
وقد تطور علم الإجرام وصار له فرع جديد هو علم الإجرام السريري أو الاكلينيكي clinical criminology.
استقلال علم الإجرام والتداخل بينه وبين علوم أخرى
هناك من ينكر على علم الإجرام استقلاله ويعدّه ثمرة تجميع اصطناعي لمعلومات وآراء متنوعة. وقد اختلف الفقهاء في العلوم التي تدخل في تأليفه أو ترفده بنتاج أبحاثها. فهناك من يقول: «إنه وعلم الإجرام السريري يعتمدان على علوم أساسية مختلفة هي: علم الحياة الجنائي، وعلم النفس الجنائي، وعلم الاجتماع الجنائي، وعلم العقاب، وإن لهما علاقة وطيدة بعلوم أخرى مثل الطب الشرعي وعلم النفس القضائي والشرطة العلمية». ويذكر الفقيه الإيطالي فيليبو غريسبيني Filippo Grispigni أن علم الإجرام يتكون من علم الإنسان الجنائي، وعلم النفس الجنائي مع علم الاجتماع الجنائي، وهدفه دراسة المجرم والجريمة وتحديد سبل قمع الجريمة والوقاية منها.
ويرى آخرون أن علم الإجرام هو نتيجة لتجمع علوم مختلفة أولها علم الإنسان الجنائي، وعلم الاجتماع الجنائي مضافاً إليهما علم النفس الجنائي المعتمد على علم الأمراض النفسية والعقلية والمتعلقة جميعها بالإنسان مرتكب الأفعال التي تعدّ جرائم استناداً لنص القانون.
والخلاصة أن هذه العلوم الجنائية المساعدة قد تكون مستقلة إذا ما نظر إليها وحدها، ولكنها على هذا النحو لا تكفي دائماً لشرح ظاهرة الجريمة والإجرام إلا إذا تعاونت مع غيرها في سبيل الوصول إلى غاية واحدة هي هدفها الذي تصبو إليه. لذلك فمن الممكن القول إن التعاون بين هذه العلوم المساعدة لعلم الإجرام من أجل تفسير ظاهرة الجريمة وبيان عواملها وظروفها ووضع قواعد تفسر هذه الظاهرة بوجه دقيق اعتماداً على الملاحظة والتجربة والبحث والاستنتاج العلمي لا ينفي - أي هذا التعاون - الإقرار باستقلال علم الإجرام وأنه علم قائم بذاته معتمد على نتاج دراسات بقية العلوم الجنائية الأخرى التي تساعده في نموه وتقدمه واستمراره.
علاقة علم الإجرام بالعلوم الجنائية الأخرى
هناك علاقة وطيدة بين علم الإجرام والعلوم الجنائية الأخرى الأصلية والمساعدة إذ يرفدها بنتائج دراساته ويستفيد مما توصلت إليه من نتائج أيضاً. وهذه العلوم هي:
ـ علم الحقوق الجزائية العامة والخاصة وعلم أصول المحاكمات الجزائية وعلم السياسة الجزائية (أو الجنائية كما تسمى في مصر وبعض الدول العربية) وعلم السياسة العقابية وعلم العقاب أو علم تنفيذ العقاب وعلم الانثروبولوجية الجنائي (علم الإنسان الجنائي) وعلم الاجتماع الجنائي وعلم الإحصاء الجنائي وعلم الإحصاء العقابي وعلم النفس الجنائي وعلم النفس القضائي وعلم الحياة (أو البيولوجية) الجنائي وعلم الأمراض العقلية والعصبية الجنائي وعلم الطب الشرعي وعلم كشف الجرائم والمجرمين.
موضوع علم الإجرام
استأثر المجرم والجريمة والضحية باهتمام علم الإجرام، وإن كانت هناك دراسات وجهود حديثة في العالم تسعى إلى استحداث علم خاص يهتم بالضحية victim اسمه علم (الضحية) victimology.
وفيما يلي بيان مختصر يوضح كيف يؤلف المجرم والجريمة والضحية جميعاً موضوع علم الإجرام ومجالاته الأصلية.
ففي إطار اهتمام علم الإجرام بالمجرم: يُرى أن علم الإجرام يهتم بصورة عامة بالإنسان السوي وكذلك بالإنسان غير السوي الذي يعاني من الاضطرابات النفسية العامة او العقلية أو العصبية وقد انعكس اهتمامه هذا على التصانيف المختلفة للفاعل المجرم الواردة في بعض قوانين العقوبات في العالم.
وفي إطار اهتمام علم الإجرام بالجريمة يُلاحظ أن علم الإجرام قد اهتم بأسباب الجريمة وعواملها وبالنزعات والمذاهب الأساسية المختلفة في تفسيرها. وهذه النزعات هي: النزعة البيولوجية (الحيوية) والنزعة الاجتماعية والنزعة المختلطة أو البيولوجية الاجتماعية (التكاملية) والنزعة التكوينية الاستعدادية.
وفي إطار اهتمام علم الإجرام بالضحية، يُرى أن علم الإجرام قد اهتم بالضحية لأنه أحد أركانه الأساسية التي لا تنفصل عن المجرم فللضحية أحياناً أثر كبير في الجريمة التي وقعت، وقد يكون جنس المعتدى عليه أو لونه أو لغته أو دينه أو سنه أو وضعه الوظيفي أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك، هو السبب الرئيس فيما وقع عليه من جرائم.
أهمية علم الإجرام
يحتل علم الإجرام مكانة عالية من الأهمية لما يقدمه من فوائد وخدمات في مجالات الدراسات المتصلة بالجريمة. وتبرز هذه الفوائد واضحة في الوصول إلى فهم للمجرم والجريمة والضحية، أو المجني عليه. كما تبرز في تسويغ العقوبة ومعرفة ارتباطها بحالات الإجرام أو أشكاله.
يضاف إلى ذلك أن علم الإجرام يقدم وقائع لازمة إلى أجهزة القضاء والعدالة الجزائية (أو الجنائية) والعدالة العقابية والسياسة التي تنطلق منها العدالتان. والوقائع التي يقدمها علم الإجرام ضرورية للمشرع الجزائي، والقاضي الجزائي، وممثل النيابة العامة، ولجميع أطراف الدعوى الجزائية (الجنائية) وفيهم المحامي. وهي مفيدة كذلك لرجل الشرطة والأمن ومن يضطلع بتنفيذ الأحكام الجزائية المختلفة من عقوبات وتدابير احترازية أو تدابير إصلاحية [ر].
عولمة الجريمة والإرهاب(11)
لويز شيلي، أستاذة في كلية الخدمات الدولية في الجامعة الأميركية، ومؤسسة ومديرة لمركز الجريمة والفساد عبر الدول في الجامعة الأميركية في واشنطن، العاصمة، خبيرة رئيسية في الجريمة والإرهاب، ومؤلفة كتاب "ضبط المجتمع السوفياتي" (Policing Soviet Society)، وكتاب "الجريمة والتحديث" (Crime and Modernization)، بالإضافة إلى كتابتها مقالات عديدة وفصولا في كتب حول كافة أوجه الجريمة التي تتخطى الحدود القومية.
في نهاية القرن العشرين، برزت ظاهرة جديدة تمثلت في قيام العولمة المتزامنة مع الجريمة، والإرهاب، والفساد، ذلك "الثالوث غير المقدس" الذي أصبح يظهر في كافة أنحاء العالم. فيمكن إيجاده في أفقر بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا، وكذلك في قلب أوروبا المزدهرة. تعمل مجموعات الجريمة والإرهاب بالترافق وتسهل عملها ظاهرة الفساد، منطلقة من منطقة الحدود الثلاثية في أميركا اللاتينية (البرازيل-الأرجنتين-الباراغوي) إلى مناطق النزاعات الإقليمية في غرب أفريقيا والاتحاد السوفياتي السابق، والى سجون أوروبا الغربية. تتقاطع الجريمة والإرهاب أيضاً في استراليا، وآسيا، وأميركا الشمالية كما تدل على ذلك القضايا الإجرامية التي توثّق هذا المزيج الواسع من نشاطاتهما.
لكن هذا الثالوث غير المقدس أكثر تعقيداً من مجرد توجّه الإرهابيين نحو الجريمة لدعم نشاطاتهم، أو من مجرد الزيادة الدولية لتدفق السلع الممنوعة. فهو بالأحرى ظاهرة مميزة بذاتها تعمل فيها شبكات الجريمة المعولمة مع الإرهابيين، ويتمكن كلاهما من تنفيذ نشاطاتهما بنجاح يساعدهما في ذلك الفساد المستوطن.
يستند التمييز المصطنع بين الجريمة والإرهاب إلى فكرة ذهنية بالية. فالقول الذائع إن المجرمين يمارسون الجريمة لمجرد الربح المادي، وأن الإرهابيين يعملون بصورة حصرية لتحقيق أهداف سياسية، يكذبه الواقع المعاصر لهاتين المجموعتين. فالمجرمون لا ينتمون اليوم إلى منظمات تخضع لسلطة هرمية لا تُشكّل تهديداً للدولة بالذات، كما كان ذلك صحيحاً بالنسبة للمافيا الصقلية أو الياكوزا اليابانية. والإرهابيون، كثيراً ما أصبحوا يتنقلون بدعم من الجريمة، ما بين هويتي الإجرام والإرهاب. تسمح هيكليات شبكات كليهما بالارتباط، عن وعي أو بدونه، بهوية احدهما الآخر. فقد تعمل المجموعتان مباشرة سوية أو قد تتصلان من خلال مسهلين بينهما. ففي لوس انجلوس، على سبيل المثال، منحت كلية تعليم اللغة نفسها إلى بعض الخاطفين المتورطين في أحداث 9/11 تأشيرات دخول وزودت كذلك تأشيرات دخول أيضاً إلى مومسات تابعات لعصبة رئيسية لتهريب البشر. وبدورها، انخرطت هذه الحلقة في تجارة بطاقات الهوية المسروقة التي يمكنها تسهيل نشاطات الإرهابيين.
بعكس الرأي القائل ان كل ذلك نتج عن العولمة، فإن الجريمة المنظمة والإرهاب كان لهما نشاط تاريخياً عابراً لحدود الدول. في الثلاثينات من القرن الماضي، كان أعضاء عصابات المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة يسافرون إلى كوبيه في اليابان والى شنغهاي في الصين للحصول على المخدرات، وكان يلجأ أعضاء من مختلف عصابات الإجرام الأميركية إلى الصين لتجنّب وصول السلطات الأميركية المختصة بفرض تطبيق القانون إليهم. كما وجد أعضاء منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي ملجأ آمناً في كنف الجاليات الأيرلندية في الخارج التي وفرت كذلك الدعم المالي لهذه المنظمة في أيرلندا.
إلاّ أن الجديد اليوم، هو سرعة وتكرار تفاعلاتهم المتبادلة، وكثافة التعاون بين هذين الشكلين من الجريمة العابرة للحدود القومية.
طور كل من المجرمين والإرهابيين شبكات تتخطى الحدود القومية، فوزعوا نشاطاتهم، وخططهم، ولوجستياتهم عبر عدة قارات، مربكين بذلك الأنظمة القانونية للدول التي تُستخدم كأداة لمكافحة أنماط الجريمة العابرة للحدود القومية في كافة تبدلاتها المتعددة. يُعتبر المجرمون الذين يتخطون الحدود القومية من المستفيدين الرئيسيين من العولمة. فالإرهابيون والمجرمون ينقلون الناس، والأموال، والسلع عبر عالم أمسى التدفق المتزايد للناس، والأموال، والسلع فيه يوفر غطاءاً ممتازاً لنشاطاتهما. اعتمد الإرهابيون ومجموعات الجريمة العابرة للحدود القومية على نظام العولمة للوصول إلى أسواقهم ولتدويم أفعالهم وللتهرب من الاكتشاف.
صلة العولمة
عولمت الجريمة المنظمة الدولية نشاطاتها لنفس الأسباب الذي تدفع شركات مشروعة متعددة الجنسيات إلى عولمة أعمالها. وتماماً كما تُنتج شركات متعددة الجنسيات فروعاً لها حول العالم للاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة أو من أسواق المواد الأولية، كذلك تفعل مؤسسات الأعمال غير المشروعة. أبعد من ذلك، تُنشئ أيضاً مؤسسات الأعمال، المشروعة منها وغير المشروعة، مراكز لها عبر العالم لتلبية حاجات الإنتاج، والتسويق، والتوزيع. تستطيع مؤسسات الأعمال غير المشروعة أن تتوسع جغرافيا للاستفادة من هذه الظروف الاقتصادية الجديدة بفضل الثورة في الاتصالات والنقل الدولي. وكذلك يُعولم الإرهابيون نشاطاتهم للاستفادة من القدرة على تجنيد الناس دولياً، وللبقاء بالقرب من جاليات المهاجرين المشتتين التي تستطيع دعمهم لوجستياً ومالياً، كما ليتمكنوا من اختراق المجتمعات الأكثر ثراءً.
كان لانتهاء الحرب الباردة تأثير هائل على بروز الجريمة العابرة للحدود القومية. فمع نهاية المواجهة بين القوتين العظميين، تقلص احتمال نشوب نزاع واسع النطاق. ولكن، منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، حدث ارتفاع هائل في عدد النزاعات الإقليمية. لسوء الحظ، كثيراً ما تم ربط السلاح والقوى البشرية التي تنفذ هذه النزاعات بالنشاط الإجرامي العابر للحدود من خلال التجارة بالممنوعات: المخدرات، الألماس، والناس. ولّدت هذه النزاعات بدورها عدداً لا سابق له من اللاجئين وألحقت الأضرار بالاقتصادات المشروعة في مناطق هذه النزاعات التي أمست لاحقاً أراضٍ خصبة لتجنيد الإرهابيين، أو ملاجئ آمنة لتخطيط العمليات الإرهابية وتدريب الإرهابيين.
التقدم التكنولوجي العظيم الذي تحقق خلال فترة ما بعد الحرب الع