PDA

View Full Version : @ العلوم السياسية @


هيون 2008
20-09-2007, 12:28 PM
تاريخ القمم العربية وأبرز قراراتها منذ 1946

وبدأ تاريخ القمم العربية منذ مايو/ أيار من عام 1946 بانعقاد قمة (أنشاص) الطارئة لمناصرة القضية الفلسطينية تلتها بعد عقد تقريبا قمة بيروت الطارئة في شهر نوفمبر من عام 1956 لدعم مصر ضد ما عرف فيما بعد بالعدوان الثلاثي. إلا أن تاريخ القمم العربية، بوصفها مؤسسة سياسية بدأ فعليا في عام 64 مع التئام القمة العربية الأولى في العاصمة المصرية بعقد 17 قمة عادية وتسعة مؤتمرات قمة طارئة كان آخرها مؤتمر القاهرة في أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2000 م لدعم الانتفاضة الفلسطينية. وفيما يلي استعراض لمؤتمرات القمة العربية العادية وغير العادية وأبرز القرارات التي صدرت عنها.

فقد عقد مؤتمر القمة العربية غير العادية في أنشاص بالإسكندرية في جمهورية مصر العربية يومي 28 و 29 مايو 1946 وأكدت على عروبة قضية فلسطين وعروبتها واعتبرتها في قلب القضايا العربية الأساسية، وأن مصير فلسطين مرتبط بمصير دول الجامعة العربية كافة، وأن ما يصيب عرب فلسطين يصيب شعوب الجامعة العربية ذاتها. وحذرت من خطر الصهيونية وشددت على أن الوقوف أمام هذا الخطر الجارف واجب يترتب على الدول العربية والشعوب الإسلامية جميعا.

وفي الثالث عشر من شهر نوفمبر عام 1956 عقد مؤتمر القمة العربية غير العادية الثانية في بيروت ودعت إلى الوقوف إلى جانب مصر ضد العدوان الثلاثي عليها، وأكدت سيادة مصر على قناة السويس وفق معاهدة 1888 والمبادئ الستة التي أقرها مجلس الأمن الدولي في 13/10/1956، وأيد نضال الشعب الجزائري للاستقلال.

أول مؤتمر قمة

وعقد أول مؤتمر قمة عربي رسمي في القاهرة حسب تقرير شامل نشرته وكالة الأنباء السعودية خلال المدة من 13 إلى 17 من شهر يناير 1964 ودعا إلى تصفية الجو العربي من الخلافات ودعم التضامن العربي وترسيخه وعد قيام إسرائيل خطرا يهدد الأمة العربية ودعا إلى إنشاء قيادة موحدة لجيوش الدول العربية.

واقر القادة العرب المشاركين في القمة دورية اجتماعات القمة بحيث يجتمع ملوك ورؤساء دول الجامعة العربية مره في السنة على الأقل.

وعقد مؤتمر القمة العربي العادي الثاني في مدينة الإسكندرية خلال المدة من 5 إلى 11 من شهر سبتمبر 1964 ودعت القمة إلى تعزيز القدرات الدفاعية العربية، ورحبت بقيام منظمة التحرير الفلسطينية واعتمادها ممثلة للشعب الفلسطيني، ودعت إلى التعاون العربي في مجال البحوث الذرية لخدمة الأغراض السلمية، إضافة إلى التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية والإعلامية، كما دعت القمة إلى دعم التضامن والعمل العربي المشترك وإلى إنشاء محكمة العدل العربية.

أما مؤتمر القمة العربي العادي الثالث فعقد في الدار البيضاء في المملكة المغربية خلال الفترة من 13 إلى 17 من شهر سبتمبر 1965 ووافق المجلس على ميثاق التضامن العربي والالتزام به ودعم قضية فلسطين في جميع المحافل الدولية وتأييد نزع السلاح ومنع انتشار الأسلحة النووية وحل المشاكل الدولية بالطرق السلمية.

وعقد مؤتمر القمة العربية العادي الرابع العادي في العاصمة السودانية الخرطوم في التاسع والعشرين من شهر أغسطس عام 1967 م، وذلك بعد حرب يونيو وأكدت القمة على وحدة الصف العربي ودعت إلى إزالة آثار العدوان الإسرائيلي على الأراضي العربية المحتلة عام 1967 م.

وقرر المؤتمر استئناف ضخ البترول بوصفه طاقة ايجابية يمكن تسخيرها في خدمة الأهداف العربية كما أقر المجتمعون إنشاء صندوق الإنماء الاقتصادي الاجتماعي العربي.

أما مؤتمر القمة العربي العادي الخامس فعقد في العاصمة المغربية الرباط في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر 1969م، ولم تكتمل أعماله ولم يصدر عنه بيان ختامي. فيما عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي الثالث في القاهرة في السابع والعشرين من شهر سبتمبر 1970 لحل الخلاف الأردني الفلسطيني حقناً للدماء العربية.

ودعت القمة العربية العادية السادسة التي عقدت في الجزائر خلال الفترة من 26 إلى 28 نوفمبر 1973 إلى الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس والى استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية المشروعة ورحبت القمة بانضمام الجمهورية الموريتانية إلى جامعة الدول العربية.

وعقد مؤتمر القمة العربي العادي السابع في الرباط خلال الفترة من 26 إلى 29 من شهر أكتوبر عام 1974 م وأكد المؤتمر ضرورة الالتزام باستعادة كامل الأراضي العربية المحتلة في عدوان يونيو 1967، وعدم القبول بأي وضع من شأنه المساس بالسيادة العربية على مدينه القدس واعتمدت القمة العربية منظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني.

قمة الرياض الأولى

وبدعوة من المملكة العربية السعودية عقدت في مدينة الرياض قمة عربية مصغرة شملت 6 دول عربية خلال الفترة من 16 إلى18 من شهر أكتوبر 1976 بهدف وقف نزيف الدم في لبنان، وإعادة الحياة الطبيعية إليها ودعت إلى وقف إطلاق النار في لبنان وإعادة الحياة الطبيعية إليه واحترام سيادته ورفض تقسيمه، وإعادة إعماره.

وفي الفترة من 25 إلى 26 من شهر أكتوبر 1976 عقد مؤتمر القمة العربي العادي الثامن في القاهرة وصادق المؤتمر على قرارات وبيان وملحق القمة العربية السداسية في الرياض، ودعا إلى إسهام الدول العربية كل حسب إمكاناتها في إعادة تعمير لبنان وأكدت القمة على الالتزام بدعم التضامن العربي.

وفي الفترة من 2 إلى 5 من شهر نوفمبر 1978 عقد مؤتمر القمة العربي العادي التاسع في العاصمة العراقية بغداد وأكدت القمة على دعم منظمة التحرير الفلسطينية وضرورة موافقة القمة العربية على أي حل مستقبلي للقضية الفلسطينية. وقرر المؤتمر عدم الموافقة على اتفاقيتي كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل لتعارضها مع قرارات مؤتمرات القمة العربية، وفي هذا المؤتمر تم نقل مقر الجامعة العربية من مصر ومقاطعتها وتعليق عضويتها في الجامعة مؤقتا لحين زوال الأسباب.

وعقد مؤتمر القمة العربي العادي العاشر في تونس خلال الفترة من 20 إلى 22 من شهر نوفمبر 1979م وأكدت القمة الالتزام الكامل بدعم القضية الفلسطينية وأدانت اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية، ودعت القمة إلى تعزيز العلاقات مع منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية وحركة عدم الانحياز وغيرها من المنظمات والدول لما فيه تطوير مواقف هذه الدول والمنظمات لنصرة القضايا العربية. وأكد المؤتمر سيادة لبنان الكاملة على أراضيه كافة والحفاظ على استقلاله ووحدته الوطنية ورفض محاولات الهيمنة الصهيونية على الجنوب اللبناني.

وعقد مؤتمر القمة العربي العادي الحادي عشر في العاصمة الأردنية عمان خلال الفترة من 25 إلى 27 نوفمبر 1980م وصادقت القمة على برنامج العمل العربي المشترك لمواجهة العدو الصهيوني كما صادقت على ميثاق العمل الاقتصادي القومي. أما مؤتمر القمة العربي العادي الثاني عشر فعقد في مدينة فاس المغربية على مرحلتين المرحلة الأولي في 25 نوفمبر عام 1981.

والمرحلة الثانية خلال الفترة من 6 إلى 9سبتمبر عام 1982م وأقر خلالها مشروع الملك فهد للسلام في الشرق الأوسط وأصبح مشروعا للسلام العربي.

وأدان المؤتمر العدوان الإسرائيلي على شعب لبنان وأرضه وقرر دعم لبنان في كل ما يؤول إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن القاضية بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها.

الحرب العراقية الإيرانية
وفي الفترة من 7 إلى 9 أغسطس 1985م عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي الرابع في الدار البيضاء بالمغرب وأكد المؤتمر الالتزام الكامل بميثاق التضامن العربي وقرر تأليف لجنتين لتنقية الأجواء العربية.

وأعلن المؤتمر تصميمه على وضع حد سريع للحرب العراقية الإيرانية من خلال حل سلمي عادل ومشرف للنزاع بين البلدين. واستنكرت القمة الإرهاب بجميع أشكاله وأنواعه ومصادرة وفي مقدمته الإرهاب الإسرائيلي داخل الأراضي العربية المحتلة وخارجها.

وفي الفترة من 8 إلى 11 نوفمبر 1987 م عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي الخامس في العاصمة الأردنية عمان وقرر المؤتمر إدانة احتلال إيران لأراضي العراق والتضامن الكامل مع العراق للدفاع عن أرضه وسيادته، كما أدان المؤتمر الاعتداءات الإيرانية على دولة الكويت، ودعت القمة إلى ضمان حرية الملاحة الدولية في الخليج العربي وفقا لقواعد القانون الدولي.

وأكد المؤتمر تضامنه الكامل مع المملكة العربية السعودية وتأييده للإجراءات التي تتخذها لتوفير الأجواء المناسبة كي يؤدي حجاج بيت الله الحرام شعائر الحج في أمن وخشوع ومنع أية إساءة لحرمة بيت الله الحرام ومشاعر المسلمين. كما أكد المؤتمر رفضه لأية أعمال شغب في الأماكن المقدسة تمس بأمن وسلامة الحجاج وسيادة المملكة العربية السعودية وحق المملكة في اتخاذ ما تراه من إجراءات مناسبة للحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث.

وقرر المؤتمر إدانة الإرهاب بكافة أشكال وأساليبه ومصادرة ورفض محاولات المساواة بين الإرهاب وحركات التحرر الوطنية وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال. وأيدت القمة عقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط برعاية الأمم المتحدة.

المفاعل النووي العراقي

وفي الفترة من 7 إلى 9 يونيو1988م عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي السادس في العاصمة الجزائرية ودعا إلى تقديم جميع أنواع المساندة والدعم لاستمرار مقاومة وانتفاضة الشعب الفلسطيني كما طالب المؤتمر بعقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط تحت إشراف الأمم المتحدة وعلى قاعدة الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

وأدان المؤتمر الاعتداء الإسرائيلي على العراق الذي استهدف ضرب المفاعل النووي العراقي والعدوان على الجمهورية التونسية بضرب مقر منظمة التحرير الفلسطينية، واغتيال الشهيد خليل الوزير وكذلك الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان واستهدافها المدنيين الأبرياء.

وفي الفترة من 23 إلى 26 مايو 1989م عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي السابع في الدار البيضاء بالمملكة المغربية ورحب المؤتمر باستئناف جمهورية مصر العربية لعضويتها الكاملة في جامعة الدول العربية.

وبارك المؤتمر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وناشد دول العالم الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية وتمكينها من ممارسة سيادتها على ترابها الوطني. وفي الشأن اللبناني طالب المؤتمر الأطراف اللبنانية كافة باحترام وقف إطلاق النار بصفة فورية دائمة وكاملة.
وفي الفترة من 28 إلى 30 مايو 1990م عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي الثامن في بغداد ودعت القمة إلى دعم الانتفاضة الفلسطينية وإدانة الهجرة اليهودية إلى فلسطين والأراضي العربية المحتلة.

وعن الأوضاع على الساحة اللبنانية أكد المؤتمر على أن اتفاق الطائف هو الإطار المناسب للمحافظة على مصالح جميع اللبنانيين بدون استثناء وأنه يشكل السبيل الوحيد لإخراج لبنان من دوامة العنف وتحقيق الأمن والسلام في ربوع لبنان.

وأدان المؤتمر التهديدات الأمريكية باستعمال القوة ضد ليبيا، كما أدان قرار الكونجرس الأمريكي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل. وأكد المؤتمر حق الأمة العربية في استخدام العلم والتكنولوجيا في التنمية.

عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي التاسع في القاهرة خلال الفترة من 9 إلى 10 أغسطس 1990 وأدان المؤتمر العراق على تحرير الكويت ورفض نتائجه وأكد سيادة الكويت واستقلالها وسلامتها الإقليمية وشجب التهديدات العراقية لدول الخليج العربية والتضامن معها والاستجابة لطلب المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي الأخرى بنقل قوات عربية لمساندتها.

وفي الفترة من 21 إلى 23 يونيو 1996م عقد في القاهرة مؤتمر القمة العربي غير العادي العاشر وقرر المؤتمر من حيث المبدأ إنشاء محكمة العدل العربية وتكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية باتخاذ ما يلزم نحو الإسراع في إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. ودعت القمة إلى مواصلة عملية السلام كهدف وخيار استراتيجي وفق مبادئ مؤتمر مدريد وطالب المؤتمر بانضمام إسرائيل إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

مبادرة سعودية

وفي الفترة من 21 إلى 22 أكتوبر عام 2000م عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي الحادي عشر في القاهرة. واستجابة لاقتراح المملكة العربية السعودية لوضع آلية عملية مناسبة لدعم صمود الشعب الفلسطيني والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس وتمكين الاقتصاد الفلسطيني من تطوير قدراته الذاتية قرر المؤتمر إنشاء صندوق باسم (انتفاضة القدس) بموارد تبلغ مائتي مليون دولار أمريكي يخصص للإنفاق على عوائل وأسر شهداء الانتفاضة.

وإنشاء صندوق آخر باسم ( صندوق الأقصى) بموارد تبلغ ثمانمائة مليون دولار أمريكي تخصص لتمويل مشاريع تحافظ على الهوية العربية الإسلامية للقدس وتمكين الاقتصاد الفلسطيني من تطوير قدراته الذاتية وفك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي.

القمم العربية والألفية الجديدة

وفي بداية الألفية الجديدة عادت مؤتمرات القمم العربية إلى الانتظام بشكل دوري وسنوي فقد عقدت القمة العربية العادية الثالثة عشرة في العاصمة الأردنية عمان في الفترة من 27 إلى 28 مارس عام 2001م، وأكد المؤتمر تضامنه التام مع الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المشروعة. كما أكد المؤتمر سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وتأييد جميع الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها على جزرها المحتلة. ودعت القمة إلى تعزيز التضامن العربي وتفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك.

وفي الفترة من 27 إلى 28 مارس 2002م عقد مؤتمر القمة العربي العادي الرابع عشر في مدينة بيروت وتبنى المؤتمر مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للسلام في الشرق الأوسط وأصبحت مبادرة عربية للسلام.

ودعت القمة الدول العربية لدعم ميزانية السلطة الوطنية الفلسطينية بمبلغ إجمالي قدرة 330مليون دولار أمريكي ولمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، إضافة إلى دعوة الدول الأعضاء إلى تقديم دعم إضافي قدرة 150 مليون دولار توجه لصندوقي الأقصى وانتفاضة القدس تخصص لدعم مجالات التنمية في فلسطين.

وقرر المؤتمر التضامن مع لبنان لاستكمال تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي حتى الحدود المعترف بها دوليا بما في ذلك مزارع شبعا. كما أدان المؤتمر إسرائيل لاستمرار احتلالها الجولان العربي السوري المحتل. وجدد المؤتمر رفضه القاطع وإدانته الحاسمة للإرهاب بكافة أشكاله وصوره. وأكد المؤتمر دعم كل من العراق وسوريا في مياه نهري دجلة والفرات ودعوة تركيا إلى التوصل لاتفاق نهائي لتقسيم عادل ومعقول للمياه يضمن حقوق البلدان الثلاثة.

وفي 1 مارس 2003م عقد مؤتمر القمة العربي العادي الخامس عشر في شرم الشيخ بمصر، وأكد المؤتمر رفضه المطلق لضرب العراق أو تهديد أمن وسلامة أي دولة عربية ودعم صمود الشعب الفلسطيني.

أسلحة الدمار الشامل

وفي الفترة من 22 إلى 23 مايو 2004م عقد مؤتمر القمة العربي العادي السادس عشر في تونس. وأدان المؤتمر العدوان الإسرائيلي المستمر والمتصاعد على الشعب الفلسطيني وسلطته. وأكد القادة العرب دعمهم للبنان في مواجهة إسرائيل لاستكمال تحرير كامل أرضه بما فيها مزارع شبعا وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 425.

وحول أسلحة الدمار الشامل دعا المؤتمر إلى اعتماد المبادرة العربية المقدمة لمجلس الأمن في ديسمبر 2003م الرامية لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها السلاح النووي والى انضمام إسرائيل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وتم في المؤتمر التوقيع على وثيقة العهد وأكد المؤتمر عزم المجتمعين على مواصلة خطوات الإصلاح الشامل التي بدأتها دولهم في كافة المجالات لتحقيق التنمية المستدامة، وتوسيع مجال المشاركة في الشأن العام، كما تقرر إدخال التعديلات اللازمة على ميثاق جامعة الدول العربية. ودعا المؤتمر إلى التصدي لظاهرة الإرهاب وعدم الخلط بين الإسلام والإرهاب والتمييز بين المقاومة المشروعة والإرهاب.

وعقد مؤتمر القمة العربي العادي السابع عشر في الجزائر في الفترة من 22 إلى 23 مارس 2005م. وجدد القادة الالتزام بمبادرة السلام العربية بوصفها المشروع العربي لتحقيق السلام العادل والشامل والدائم. وأدان المؤتمر استمرار إسرائيل في بناء الجدار التوسعي، وأكدوا الأهمية الفائقة لفتوى محكمة العدل الدولية الصادرة بهذا الشأن. وأكد القادة رفضهم للقانون المسمى (محاسبة سوريا) وعدوه تجاوزا لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وأعلنوا تضامنهم التام مع سوريا.

وجدد المؤتمر إدانته القاطعة للإرهاب بجميع أشكاله، وأكد أهمية ما توصل إليه المؤتمر الدولي للإرهاب الذي عقد في الرياض في فبراير 2005م خاصة ما يتعلق بإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب.

وعقد مؤتمر القمة العربي العادي الثامن عشر في الخرطوم في الفترة من 28 إلى 29 مارس 2006م وأكد المؤتمر مجددا على مركزية قضية فلسطين، وعلى الخيار العربي لتحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط وجدد القادة تمسكهم بالمبادرة العربية للسلام التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002.

ودعا المؤتمر إيران إلى الانسحاب من الجزر العربية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وإعادتها إلى السيادة دولة الإمارات العربية المتحدة.

منقول

هيون 2008
20-09-2007, 12:42 PM
ان المجتمع مسلح بقوى التربية من جهة، وهو من جهة أخرى مسلح بالتفوق الذي تفرضه سلطة الرأي العام المسَلّم به على أصحاب العقول القاصرة الذين ليسوا أهلا لتقرير أمورهم. ثم هو من جهة ثالثة يتلقى المساعدة من العقوبات الطبيعية التي لا يمكن إلا أن تصيب أولئك الناس الذين يستحقون كل امتعاض وازدراء من كل من يعرفهم. فهل يحق للمجتمع بعد هذا أن يدعي أنه بحاجة إلى سلطة لإصدار الأوامر وفرض الطاعة في شؤون الأفراد الشخصية، تلك الشؤون التي تقضي جميع مبادئ العدل ان يكون أمرها بيد من يتحملون تبعاتها. ان علينا ان نعترف أن لا شيء يؤذي أفضل الوسائل المستعملة في التأثير على السلوك مثل اللجوء إلى ما هو أسوأ منها. وإن كان في الأشخاص الذين يراد إرغامهم على سلوك سبيل التعقل والاعتدال شيء من عناصر الأخلاق القوية المستقلة، فانهم سيثورون حتما على ذلك النير. لن يقبل أحد منهم بحق الغير في السيطرة على شؤونه الخاصة، وسرعان ما يعتبر كل منهم أن من الشجاعة الوقوف في وجه تلك السلطة المغتصبة والتباهي بالقيام بعكس ما تأمر به، كما حدث إبّان عهد تشارلز الثاني للتعصب الأخلاقي الذي ظهر عند جماعة المتطهرين (puritans). أما بشأن ما يقال عن حماية المجتمع من سوء قدوة المستهترين، فالحق يقال ان القدوة السيئة ذات أثر ضار، لا سيما إذا بقي المذنب نحو الغير دون أن يعاقب. ولكننا نتحدث الآن عن السلوك الذي يفترض فيه أنه كبير الضرر على صاحبه، دون أن يكون ضارا بالغير. على أني لا أفهم هنا كيف لا يفطن الذين يعتقدون بهذا القول ان القدوة على العموم يجب أن يكون نفعها أكثر من ضررها، لأنها تستعرض الآفة وتستعرض معها أيضا نتائجها المؤلمة أو المحزنة التي تلازمها في جميع الحالات أو في معظمها إذا نال سوء السلوك ما يستحقه من التوبيخ!

إن أقوى حجة ضد تدخل المجتمع في شؤون الفرد الخاصة هي أن تدخُّله غالبا ما يكون خاطئا وفي غير محله. ان رأي العموم، أي الأكثرية السائدة، في مسائل الأخلاق الاجتماعية والواجب نحو الغير، كثيرا ما يكون خاطئا، رغما عن أنه كثيرا ما يظهر مصيبا، لان المطلوب منه إذ ذاك ان يحكم في مصالح الأكثرية، وفي الطريقة التي يمكن أن يؤثر عليهم فيها نوع من السلوك قد يسمح بممارسته. أما فرض رأي الأكثرية كقانون على الأقلية في شؤون السلوك الخاص، فانه قد يكون خاطئا بقدر ما يكون صائبا، لان الرأي العام في مثل هذه الحالات لا يعدو كونه رأي بعض الناس في ما هو خير أو شر للغير، بينما هو كثيرا لا يعني حتى هذا، فتهمله العامة ولا تبالي بإرادة أصحابه ورضاهم ولا تهتم إلا بما تفضله. هناك كثيرون يعتبرون السلوك الذي لا يحبونه ضررا لهم يجرح مشاعرهم، كذلك المتعصب الذي اتهم بالاستهانة بمشاعر الغير الدينية، فأجاب بأنهم يستهينون بمشاعره بالمواظبة على عبادتهم أو عقيدتهم اللعينة. ولكن لا يوجد شبه بين شعور شخص نحو رأيه الخاص وشعور شخص آخر يكّدره تمسك الأول برأيه، أكثر مما يوجد بين رغبة لص في أخذ محفظة نقود ورغبة صاحب المحفظة في الاحتفاظ بها. وذوق الفرد هو من شؤون الفرد الخاصة، تماما كرأيه وكمحفظته.

من السهل على أي إنسان أن يتخيل مجتمعا مثاليا لا يتدخل في حرية الأفراد واختيارهم في الأمور التي يجب فيها الاختيار، ولا يطلب منهم إلا أن يجتنبوا أنواع السلوك التي استنكرتها الخبرة العامة. ولكن أين تجد المجتمع الذي وضع لرقابته مثل هذا الحد؟ أو متى يهتم الجمهور بالخبرة العامة؟ انه في تدخله في السلوك الشخصي قلّما يفكر في شيء غير فظاعة العمل أو الشعور الذي يخالفه، وهذا القياس في الحكم يعرضه مُقُنَّعا بغلالة رقيقة تسعة أعشار رجال الأخلاق والكتاب والمفكرين على الشعب على انه رأي الدين والفلسفة. إنهم يعلموننا أن الأمور صحيحة لأنها صحيحة، أو لأننا نشعر بأنها كذلك، ويطالبون منا أن نبحث في عقولنا وقلوبنا عن قوانين السلوك الملزمة لنا وللآخرين. فهل يستطيع الجمهور المسكين إلا أن يطبق هذه التعليمات ويجعل مشاعره الخاصة في الخير والشر واجبا لازما على جميع البشر، ان أمكنه الإجماع عليها؟

إن الشر المشار إليه هنا لا يوجد نظريا فقط. وإذا كان من المنتظر مني أن أعين الحالات التي يضفي فيها الجمهور في هذا العصر وهذه البلاد على ما يفضله صبغة القانون الأخلاقي، فأنا اكتب مقالا في شذوذ الشعور الأخلاقي الحاضر، وهذا في نظري أخطر من أن يُبحث على الهامش أو بإيراد الأمثلة. بيد أنه لا بد من الأمثلة لأبين أن المبدأ الذي أقول به ذو شأن خطير وعملي، وأني لا أحاول إقامة حاجز دون الشرور الوهمية. وليس من العسير أن أبين بالأمثلة العديدة أن توسيع حدود ما يمكن ان يسمى بالبوليس الأخلاقي توسيعا يصل إلى حد الاعتداء على أعمق حرية شرعية للفرد إنما هو من أعم النزعات البشرية.

لننظر أولا في تنافر الناس القائم على أن من يخالفونهم في العقيدة الدينية لا يقبلون طقوسهم وشعائرهم ولا ينتهون بنواهها. لنوضح ذلك بمثال. لا شيء في الدين المسيحي أدعى إلى نفور المسلمين من أكل لحم الخنزير، وليس لدى المسيحيين والأوروبيين أي شيء ينظرون إليه باشمئزاز حقيقي كما ينظر المسلمون إلى هذا الأسلوب من إشباع الجوع. انه أولا مخالفة لدينهم، ولكن هذا وحده لا يوضح مدى اشمئزازهم ونوعه. فالخمر أيضا محرمة لديهم، والمسلمون يعتبرون تعاطيها إثما. ولكنهم لا يشمئزون منها. ان كراهيتهم للحم "الحيوان النجس" هي من ذلك النوع الخاص الذي يشبه النفور الغريزي الذي تثيره دائما فكرة النجاسة إذا غاصت إلى صميم المشاعر، حتى في مَن لا يراعون النظافة في عاداتهم الشخصية، والتي يكون من أبرز أمثلتها ذلك الشعورالشديد بالنجاسة الدينية عند الهنود. لنفرض ان الأكثرية المسلمة في شعب ما أصرت على تحريم أكل لحم الخنزير ضمن حدود البلاد، فهل يكون في هذا ممارسة شرعية لسلطة الرأي العام الأخلاقية؟ فان لم تكن كذلك، فلم لا؟ ان تلك العادة مثيرة حقا للشعب الذي يعتقد مخلصا أنها محرمة يمقتها الله. ولكن لا يمكن التنديد بالتحريم كاضطهاد ديني، فقد يكون دينيا في أصله، إلا أنه لن يكون اضطهادا للدين ما دام لا يوجد دين يوجب أكل لحم الخنزير. والحجة الدامغة الوحيدة التي يقوم عليها استنكار ذلك التحريم إنما هي أنه لا يحق للجمهور أن يتدخل في أذواق الفرد وشؤونه الخاصة. إليك مثل آخر أقرب إلينا: يعتقد معظم الأسبان أن من الكفر بالله أن يُعبد على غير الطريقة الكاثوليكية، فلا تعتبر أية عبادة أخرى شرعية في الأراضي الأسبانية. ثم إن شعوب جنوبي أوروبا ينظرون إلى زواج رجال الكنيسة كشيء غير عفيف، وغير لائق وفظيع، وبغيض، بالإضافة إلى كونه خروجا على الدين. ماذا يقول البروتستنت في هذه المشاعر المخلصة وفي محاولة فرضها على غير الكاثوليك؟ لو برر البشر في تدخلهم في حريات بعضهم بعضا في شؤون لا تمس مصالح الغير، فعلى أي مبدأ يمكن استثناء هذه الأمثلة؟ أو من يسعه أن يلوم الناس على رغبتهم في قمع ما يرونه معيبا في أعين الله والناس؟ لا حجة لتحريم ما يعتبر رذيلة أقوى من تلك التي يتذرع بها من يرون في الأمثلة التي أوردناها رذائل تستوجب القمع. وإلا إذا شئنا أن نأخذ بمنطق الطغاة وأن نقول إن لنا أن نضطهد الغير لأننا على حق، وإنهم لا يجوز لهم أن يضطهدونا لأنهم على باطل، فلنحذر التسليم بمبدأ نعتبر تطبيقه على أنفسنا منتهى الإجحاف والظلم.

قد يعترض بعضهم على الأمثلة الآنفة الذكر بقوله إنها مأخوذة من حوادث يستحيل وقوعها في بلادنا، إذ لا يحتمل ان يفرض الرأي العام عندنا الامتناع عن أكل بعض اللحوم أو التدخل في شؤون العبادة أو الزواج أو عدمه. بيد أن المثال التالي مأخوذ من تدخل في الحرية لم ننج بعد تماما من خطره. لقد حاول المتطهرون أن يقضوا على جميع أنواع اللهو أو التسلية العامة والخاصة، لا سيما الموسيقى والرقص والألعاب العامة والملاهي والمسارح، ونجحوا إلى حد كبير في تلك الأماكن التي قويت فيها شوكتهم، مثل بريطانيا ونيوانغلند إبان عهد الكومنولث. ولا تزال بيننا جماعات كبيرة لها من الآراء الأخلاقية والدينية ما يستنكر أسباب اللهو تلك. ولما كان معظم أولئك الناس من الطبقة الوسطى، وهي السلطة المتفوقة في الظرف الاجتماعي والسياسي الحالي، فليس من المستبعد أن يفوزوا يوما بأكثرية مقاعد المجلس النيابي. فماذا تقول بقية أعضاء المجتمع في إخضاع ما يسمح لها به من أسباب اللهو لآراء أولئك المتزمتين الدينية والأخلاقية؟ أفلا ترغب حتما في إلزام أولئك الأتقياء المتطفلين حدهم؟ وهذا هو ما يجب أن يقال لكل حكومة وكل مجتمع يدعيان أن لا حق لامرئ في أية متعة يعتبر أنها خاطئة. ولكن إذا سلمنا بمبدأ الادعاء، فلا يستطيع أحد أن يعترض على العمل به باسم الأغلبية أو السلطة الراجحة في البلاد. وعلى الجميع أن يستعدوا للإذعان لفكرة كومنولث مسيحي كما فهمه مستوطنو نيوانغلند الأولون، فيما لو نجح تدين مماثل لتدينهم في استرداد ما فقده من نفوذ.

لنتخيل احتمالا آخر قد يكون أقرب إلى التحقيق مما سبق. في العالم الحديث اتجاه نحو كيان ديمقراطي للمجتمع، مصحوب بمؤسسات سياسية شعبية. ويقال عن الولايات المتحدة، وهي اكثر البلدان ديمقراطية حكومة وشعبا، أن شعور الأغلبية يعمل كقانون فعال في تنظيم إنفاق الأموال، وأن من الصعب على صاحب الدخل الكبير، في عدد كبير من أنحاء ذلك الاتحاد، أن يجد وسيلة لإنفاق دخله الكبير لا يتعرض فيها لسخط الجمهور. ان في هذا القول مبالغة للواقع دون شك، غير أن ما يصفه من أوضاع شيء ممكن وقابل للتصور، لا بل هو نتيجة مرجّحة لشعور ديمقراطي مقرون بفكرة أن للشعب حق النقض بشأن الطريقة التي ينفق فيها الأفراد أموالهم. وما علينا بعد ذلك إلا أن نفرض انتشار الآراء الاشتراكية وتغلغلها حتى قد يصبح من العيب في أعين الأكثرية ان يقتني المرء إلا اقل قدر من الأملاك، أو أن يكسب أي دخل إلا بالعمل اليدوي. ولقد انتشر ما يشبه هذه الآراء بين أفراد الطبقة العاملة، وأزعج ذلك بقية أعضاء الطبقة الذين يتأثرون برأيها. ومن المعروف أن العمال غير الحاذقين الذين يؤلفون الأكثرية في معظم الصناعات يرون أن العامل الخائب يجب أن ينال أجرا مساويا للعامل الحاذق، وأنه لا يجوز لأحد أن يكسب بحذاقته اكثر مما يكسب الآخر بدونها. وهم يستخدمون بوليسا معنويا يتحول أحيانا إلى بوليس فعلي ليحول دون إعطاء العمال الحاذقين أجرا أعلى على خدمات أحسن وأنفع. فان اعترفنا بأن للجمهور سلطة على الأعمال الخاصة، فأنا لا أرى أن أولئك العمال على خطأ، ولا أرى أن يلام جمهور ما، كجمهور العمال، إذا ادعى لنفسه سلطة على سلوك أفراده تماثل السلطة التي يدعيها الجمهور على الناس عموما.

لا حاجة إلى أخذ حالات نفترضها افتراضا. ففي أيامنا هذه أمثلة كثيرة على اغتصاب حرية الحياة الخاصة، وعدد كبير منها ينذر بنجاح أوفر. لا بل إن هناك آراء تدعو إلى تخويل الجمهور حقا لا حد له في تحريم ما يراه خطأ بواسطة القانون، وفي تحريم عدد من الأمور يعترف بأنها بريئة بذاتها، إلا أنها طريقة في الوصول إلى ما يراه خطأ.

لقد حرم القانون، بحجة مكافحة إدمان المسكرات، شعب إحدى المستعمرات البريطانية ونصف سكان الولايات المتحدة من استعمال المشروبات المخمرة، إلا لأغراض طبية. لم يكن تحريم بيعها إلى بغية تحريم استعمالها كما هو المقصود. ومع أن عدم إمكان تنفيذ القانون قد أدى إلى إلغائه في عدة ولايات بما فيها الولاية التي يحمل اسمها ، فانه قد بدئ بحملة حماسية للعمل على سن تشريع مماثل في هذه البلاد. إن الجمعية التي تسمى نفسها "الاتحاد"، والتي أُسست لهذه الغاية، قد اكتسبت بعض الشهرة السيئة من جراء نشر مراسلات جرت بين أمين سرها وبين إحدى الشخصيات الإنكليزية القليلة القائلة بأن آراء الرجل السياسي يجب أن تقوم على المبادئ. وكان المأمول من نصيب اللورد ستانلي من هذه المراسلات أن يعزز الأمل الذي علقه عليه من أدركوا ندرة صفاته بين الشخصيات اللامعة في دنيا السياسة. إن داعية الجمعية هذا، الذي "يستنكر أي اعتراف بأي مبدأ يغتصب اغتصابا كي يبرر التعصب والاضطهاد"، يأخذ على عاتقه بيان "الحاجز العريض المنيع" الذي يفصل بين تلك المبادئ وبين مبادئ الجمعية. فيقول: "إن كل ما يتعلق بالفكر والرأي والضمير يبدو لي أنه خارج نطاق التشريع، وإن كل ما يتعلق بالأفعال الاجتماعية، والعادات، والعلاقات، يدخل في نطاق سلطة اختيارية موضوعة بِيَد الدولة نفسها لا بِيَد أي فرد من الأفراد الذين تضمهم". وهو لا يذكر فئة ثالثة تختلف عن السابقتين، مثل الأفعال والعادات التي ليست اجتماعية بل فردية، مع أن شرب المشروبات المخمرة إنما هو فعل من أفعال هذه الفئة.

إن بيع المشروبات المخمرة تجارة، والتجارة عمل اجتماعي. على أن الإجحاف المشكو منه ليس مشكلة حرية البائع بل هو حرية المشتري والمستهلك، فالدولة إنما تمنع الشرب بمنع البيع. إلا أن أمين السر يقول: "إني كمواطن أدعي أن لي الحق في التشريع كلما اعتدى على حقوق الاجتماعية فعل اجتماعي من قبل شخص آخر". وهو يعّرف هذه "الحقوق الاجتماعية" بقوله: "إن كان ثمة ما يغزو حقوقي الاجتماعية، فلا شك في أن تجارة المشروبات القوية تفعل ذلك. إنها تفسد علي حقي في الأمن، بإثارة الفوضى الاجتماعية. إنها تغزو حقي في المساواة باجتناء ربح يأتي عنه خَلقُ شقاء يفرض علي إعالته بالضرائب. إنها تعرقل حقي في حرية التطور الأخلاقي والعقلي، بإحاطة سبيلي بالأخطار، وبإفساد المجتمع الذي من حقي أن أطلب منه العون المتبادل". إن هذه النظرية في الحقوق الاجتماعية لم يسبق قط، على الأرجح، أن أعرب عن مثلها بلغة صريحة. فهي لا تعدو ما يلي: ان من الحق الاجتماعي المطلق لكل فرد ان يفعل كل فرد آخر كما يجب، وإن كل من يقصر في ذلك أقل تقصير يعتدي على حقي الاجتماعي ويخولني حق الطلب من السلطة التشريعية ان تزيل الظلم. إن مبدأ فظيعا كهذا لأشد خطرا من أي تدخل مفرد في الحرية، وما من اعتداء على الحرية إلا ويتمكن من تبريره. وهو لا يعترف بأي حق في الحرية، وربما استثنينا هنا حق الاحتفاظ بالآراء سرا دون البوح بها، إذ حالما يخرج رأي أراه أنا ضارا من فم أحد، فانه يغزو جميع "الحقوق الاجتماعية" التي يخولني إياها ذلك "الاتحاد". فهو مذهب يجعل لكل واحد من أفراد النوع الإنساني مصلحة في الكيان الأخلاقي، والفكري، والجسمي للآخرين، وكل واحد يستطيع أن يفسر هذه المصلحة طبق مقاييسه.

إليك مثلا هاما آخر على التدخل غير الشرعي في حرية الفرد الشرعية وهو التشريع الخاص بيوم العطلة أو الراحة. لا شك في أن الاستراحة في أحد أيام الأسبوع من عناء بالأعمال، بقدر ما تسمح به مقتضيات الحياة، عادة مفيدة جدا، ولو أنها غير إلزامية دينيا إلا عند اليهود. وبما أن من غير الممكن مراعاة هذا التقليد إلا بموافقة عامة من قبل الطبقات الصناعية والعمالية، وبما أن اشتغال بعض الناس يفرض ضرورة انتقال البعض الآخر، فقد يكون من الجائز والحق أن يضمن القانون لكل واحد مراعاة الآخرين لذلك التقليد وذلك بتعليق أعمال الصناعات الكبرى في يوم معين. ولكن هذا التبرير القائم على اهتمام الغير المباشر بمراعاة كل فرد للتقليد، لا ينطبق على الأعمال التي يختار المرء أن يلهو بها في أوقات فراغه، ولا يجيز أبدا فرض قيود قانونية على أسباب اللهو. صحيح أن لهو بعض الناس يعني يوم عمل بالنسبة لغيرهم، إلا ان متعة الكثيرين تستحق عناء القليلين بشرط أن يكون لهؤلاء القليلين الحرية في اختيار العمل أو التخلي عنه. ان العمال على حق في ظنهم أن الاشتغال يوم الأحد يجعل عمل سبعة أيام مكافأ عليه بأجر ستة أيام. ولكن ما دامت أكثر الأعمال معلقة في ذلك اليوم، فان القليلين الذين يجب أن يعملوا ليؤمنوا للغير المتعة التي يريدها يحصلون على زيادة نسبية في كسبهم، ثم إنهم غير مجبرين على العمل إن كانوا يفضلون الفراغ والراحة على الربح. ويمكن كذلك معالجة قضية هؤلاء الأشخاص بفرض عطلة لهم في يوم آخر من أيام الأسبوع.

لم تبق إذن حجة للدفاع عن تقييد أسباب اللهو يوم الأحد، إلا القول بان الدين لا يجيزها، وهذا اجتهاد في التشريع لا يمكن ان نفيه حقه من الاحتجاج والاستنكار. بقي ان نثبت ان المجتمع أو أيا من موظفيه لا يملك تفويضا من الأعلى للأخذ بالثأر لأي جرم مزعوم بحق الخالق لا يكون في نفس الوقت جرما بحق بني جنسنا. ان الفكرة القائلة بان من واجب كل شخص أن يكون الآخر متدينا كانت أساس جميع ما اقترف من الاضطهادات الدينية، ولو سلمنا بتلك الفكرة لبررنا تلك الاضطهادات. ومع ان الشعور الذي يتبدى في المحاولات المتكررة لمنع السفر بالقطار يوم الأحد، وفي مقاومة فتح المتاحف وغير ذلك، ليس فيه ضراوة المضطهدين القدامى، فان الحالة العقلية التي ينم عليها هي في أساسها. انها التصميم على عدم التسامح مع الآخرين في عمل أمر يسمح لهم به دينهم لسبب واحد فقط وهو أن دين المتسلطين لا يسمح به. إنها الاعتقاد أن الله يمقت أعمال الكفار فحسب، بل إنه أيضا لا يبرئ ساحتنا ان تركناهم وشأنهم.

لا يسعني في هذا الصدد أن أغفل ذكر لغة الاضطهاد الذميم التي تصدر عن صحافة هذه البلاد كلما شعرت بأنها مدعوة لملاحظة ظاهرة المورمون الغريبة التي تدعي قيام وحي جديد ودين جديد يقوم عليه. يمكن أن يقال الكثير عن هذه البدعة: حصيلة التدجيل المحسوس، التي لا تسندها أية صفات خارقة لمؤسسها، والتي يؤمن بها مئات الألوف، حتى أصبحت أساسا لجمعية في عصر الصحف والسكك الحديدية والتلغراف الكهربائي. ولك ما يعنينا هنا هو أن لهذه الديانة كما لغيرها شهداء، وأن نبيها ومؤسسها قبل بيد الدهماء بسبب تعاليمه، وأنه فتك بغيره من الأتباع بنفس العنف غير الشرعي، وأن المورمون طردوا بمجموعهم من البلاد التي نشأوا فيها. وبينما هم الآن مبعدون في ركن منعزل في قلب الصحراء، يصرح الكثيرون علنا في هذه البلاد بأن من الحق (لولا أنه من غير المناسب) إرسال حملة عليهم لإرغامهم قسرا على الإذعان لرأي غيرهم من الناس. إن المادة في المذهب المورموني التي تستفز النقمة وعدم التسامح الديني هي إباحتهم تعدد الزوجات. وهذا التعدد محلل للمسلمين والهنود والصينيين، ولكن يبدو أنه يثير عداء لا يخمد حين يمارسه أناس يتكلمون بالإنكليزية ويدعون أنهم نوع من المسيحيين. ما من أحد اشد تبرما مني بهذه الطائفة، لأسباب أخرى ولأنها إجحاف صارخ بمبادئ الحرية، فانها مجرد أحكام السلاسل التي تقيد نصف المجتمع وتحرر النصف الآخر منها. ولكن يجب أن لا ننسى أن تعدد الزوجات هذا إنما يتم بمحض إرادة النساء اللواتي يمكن اعتبارهن الطرف المَغبون. ومهما بدا هذا الأمر مستغربا، فان له تفسيرا في آراء البشر وعاداتهم العامة. ولما كانت هذه الآراء والعادات تلقن المرأة الاعتقاد بان الزواج هو الشيء الوحيد الذي لا بد منه، فمن الواضح أن هناك كثيرات تفضل الواحدة منهن أن تكون ضرة لعدد من الزوجات على أن لا تتزوج أبدا. لا يطلب من البلدان الأخرى الاعتراف بمثل هذا الزواج، أو إعفاء بعض سكانها من قوانينها الخاصة إكراما لخاطر المورمون وآرائهم. ولكن بعد أن أذعن المنشقون لمشاعر الغير المعادية إلى أبعد مما يقتضيه العدل، وهجروا المواطن التي لم ترض عن تعاليمهم، واستقروا في بقعة نائية من الأرض التي كانوا أول من جعلها صالحة لسكنى بني آدم؛ يتعذر أيجاد مبدأ غير مبدأ الطغيان يقوم عليه منعهم من العيش هناك وفق ما يريدون من القوانين، بشرط أن لا يعتدوا على غيرهم وأن يسمحوا بان يهجرهم من لا يرضى بطرق معيشتهم. لقد اقترح أحد الكّتاب أن تراسل على حد قوله "لا حملة صليبية، بل حملة تحضيرية" لوضع حد لما يبدو له أنه خطوة رجعية في الحضارة. وهي تبدو لي كذلك، ولكني لا أرى أن لأي مجتمع الحق في أن يجبر مجتمعا آخر على التحضر. وما دام الراضخون للقانون السيئ لا يطلبون العون من مجتمع آخر، لا أرى ما يوجب تدخل من لا علاقة له بالأمر لوضع حد لحالة يبدو أن من تهمهم مباشرة راضون عنها، بحجة انها فضيحة أو سبة لأناس يبعدون عنها آلاف الأميال ولا شأن لهم بها. ليرسلوا إن شاؤا مبشرين يبشرون ضدها، وليقاوموا بوسائل عادلة (ليس منها كَمّ أفواه المعلمين) تقدم مذاهب مماثلة بين ظهرانيهم. إذا كانت الحضارة قد تغلبت على البربرية يوم كانت البربرية سيدة الكون، فكيف يتسنى لنا ان ندعي الخوف من أن تنتعش البربرية بعد اندحارها وتنتصر على الحضارة؟ إن حضارة تستسلم هكذا لعدو مقهور، يجب أن تكون قد أصبحت منحطة بحيث يعجز كهانها وأساتذتها وسواهم عن الدفاع عنها أو لا يكلفون أنفسهم مؤونة ذلك. وإن كان الأمر كذلك، فخير لها أن تزول سريعا، وخير البّر عاجله، إذ ليس لها إلا أن تتردى من سيء إلى أسوأ، إلى ان تفنى وتنبعث ثانية (كالإمبراطورية الغربية) على أيدي برابرة نشيطين حازمين


المصدر : مركز ابداع المعلم


الفصل الثالث

دور الشباب فى المشاركة السياسية

لا شك أن قضية الشباب تطرح نفسها بكل ثقلها فى هذه المرحلة من العمل الوطنى لأسباب تتعلق بهموم الشباب نفسه ولاسباب تتعلق بمتغيرات المجتمع وتوجهاته الجديدة وافرازاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعلمية. ويزيد من صعوبة التناول لقضية الشبااب أنه ليس قطاعاً رأسياً يمكن دراسته والبحث عن قضاياه المتعددة بسهولة كما فى القطاعات الرأسية الأخرى فى المجتمع. فالشباب قطاع أفقى يتغلغل داخل كل القطاعات التى يتكون منها البنيان السكانى.
والشباب هو نتاج المجتمع بما فيه من نجاحات واخفاقات، ومن عوامل ومؤثرات وما يملك من حصاد التجربة وارث الحضارة فالشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل .
ولأن الشباب فى مصر يمثل أكثر من 60 % من مجموع السكان فهو عنصر فاعل وحاسم فى قضايا التنمية، فالتنمية لابد أن تبدأ من الشباب لأنه يملك الطاقة والقدرة على العطاء.
فنحن نملك ثروة بشرية قادرة على العمل والانتاج, وإذا كان البعض ينظر إلى هذه الامكانات البشرية كعبء أو كمشكلة،فإن البعض الآخر يرى فيه الحل لكافة مشاكل المجتمع.
وإذا كانت هناك اجتهادات عديدة لبلورة اطار محدد لمفهوم الشباب، فإنه يمكن على الاقل التمييز بين اتجاهين رئيسيين فى هذا المجال.. احدهما يرى الشباب مجرد مرحلة محدودة من العمر، وثانيهما يرى الشباب حالة نفسية تمر بالانسان ويمكن أن تعيش معه فى أى مرحلة عمرية، وتتميز بالحيوية والقدرة على التعلم ومرونة العلاقات الانسانية.
وطبقا للاتجاه الاول فإن المقصود بالشباب هو المرحلة العمرية التالية للصبا والسابقة للنضج فتنحصر ما بين 15 - 25 عاماً (وأحياناً 35 عاماً) وهى مرحلة مفعمة بالطاقة والنشاط وامكانية اكتساب الجديد من المعارف والمعلومات والمهارات وتحمل المسئولية الى جانب مرونة وعدم جمود العلاقات الانسانية.

ويؤكد علماء النفس أن مرحلة الشباب عبارة عن مرحلة نمو وانتقال بين الطفولة والرشد لها خصائصها المتميزة عما قبلها وبعدها وقد تتخللها اضطرابات ومشكلات يسببها ما يتعرض له الشباب فى الأسرة والمدرسة والمجتمع من ضغوط. فهى مرحلة تحقيق ذات ونمو الشخصية وصقلها .. وهى نقطة ضعف وثغرة يحتاج فيها الشباب إلى مساعدته للأخذ بيده وهو يعبرها ليصل إلى مرحلة الرشد بسلام.

ويمكن إلقاء الضوء على دور الشباب فى المشاركة من خلال النقاط التالية :

أولاً : سمات مرحلة الشباب
تعد مرحلة الشباب من أهم مراحل الحياة فخلالها يكتسب الفرد مهاراته الانسانية البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية اللازمة لتدبير شئون حياته وتنظيم علاقاته مع الآخرين.
1ـ الاستعداد للتغيير : ولأن الشباب بحكم الطبيعة مرحلة تغير بيولوجى ونفسى واجتماعى يعيشها الانسان، فإنها يمكن أن تتسق مع تغييرات مقابلة فى الثقافة المادية والمعنوية. وأساليب الحياة وطرقها، تلك التغيرات التى تعنى بها وتستهدفها التنمية وبالتالى فإن التنمية كتغيير تجد أخصب الفرص وأثراها للنجاح فى وسط بيئة الشباب المتغيرة بطبيعتها. ويؤكد ذلك أن الفرد فى مرحلة الشباب يكون فى طور تلقى واكتساب قيم المجتمع وتقاليده وعاداته. ولم ترسخ بعد فى نفسه أو تتغلغل فى ذاته ومن ثم لم تصبح جزءا وطيداً من نسيجه القيمى والثقافى. وهو ما يجعل تقبله للقيم الجديدة التى تأتى بها التنمية أكثر يسراً وبساطة إذا ما قورن بكبار السن الناضجين أولئك الذين أصبحت القيم والثقافة السائدة جزءا لا يتجزأ من خصائصهم الذاتية ويبادرون بالدفاع عنها ضد محاولات تغييرها، ومن ثم لا يلاقون جهود التنمية فى هذا المضمار بالمقاومة والصد والرفض.
2ـ الطموح والتطلع للمستقبل : تتميز مرحلة الشباب بأنها مرحلة التطلع إلى المستقبل بطموحات عريضة فى إطار من المثاليات. فمرحلة الشباب هى المرحلة التى تتمثل فيها وبدرجة عميقة المثل العليا للحياة، وتبدو فيها واضحاً التطلع لمستقبل زاهر قبل أنتأتىمراحل العمر التالية لتصدمه خلال الحياة بمعاناتها وتطحنه بصراعاتها وتفرض عليه التكيف بالتنازل عن كثير من آماله وطموحاته ومثالياته التى عاشها خلال مرحلة الشباب. وهذا يجعل من الطبيعى أن يكون الشباب هم أكثر فئات المجتمع مساندة لعملية التنمية، وهم جيشها الحقيقى القادر على تحمل مسئوليات تضحياتها من منطلق رغبتهم الأكيدة وتطلعهم إلى بناء مستقبلهم من خلال هذه التنمية.
3ـ التذبذب والتردد : والشباب فى كل مجتمع وإن كانوا نبع الطاقة الحيوية، فإنه يشكل مجموعة من المتناقضات التى لابد من فهمها وتقبلها. فالفرد خلال هذه المرحلة العمرية تتناوبه مشاعر وأحاسيس شديدة التقلب وتنعكس على تصرفاته بنفس الدرجة فهو قد يكون مرحاً فى يوم عابساً فى يوم آخر، عقلانيا تارة وعابثاً تارة أخرى قابلا للنصح والارشاد فى فترة ورافضاً وساخطاً فى فترة أخرى. هذا التذبذب فى التفكير والمشاعر والسلوك بين وقت وآخر، يعكس الصراع الذى يدور داخل الشباب جسدياً وعقلياً وانفعالياً، فهو حائر بين طموحه اللانهائى وامكانات تحد من هذا الطموح.
4ـ القدرة على اكتساب المعلومات : فقد أدى العصر الحديث بمتغيراته المتنوعة وثورة الاتصال والتقدم الهائل فى تقنياته ووسائله، الى تيسير حصول الشباب على كم كبير من المعلومات فى أى مجال من مجالات المعرفة. فالبيئة المحيطة بالشباب تموج بالمعلومات من خلال وسائل الاتصال المختلفة، فضلاً عن أن الشباب أصبح معرضاً ـ بدرجة أكبر من شباب الأجيال السابقة ـ لآراء متعددة ووجهات نظر متباينة وأفكار مختلفة فى مختلف مجالات وميادين الحياة مثل الدين والاجتماع والاقتصاد والسياسة والاخلاق. ولا شك أن هذا الاتساع الرحب للمعارف والآراء المتاحة يعد فى صالح الجيل الراهن من الشباب، إلا أن ذلك يواكبه فى نفس الوقت عدم توافر سبل الارشاد لايضاح ما هو زائف وما هو صحيح فى وسط هذا الخضم المتلاطم من المعلومات والآراء المتدفقة. مما يعد مصدراً رئيسياً لكثير من مشاكل شباب الجيل الحالى.
هذا بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة من شباب الجيل الحالى قد حظيت بتلقى تعليم نظامى أعلى بكثير فى المستوى وأطول فى المدة من الأجيال السابقة، مما أسهم فى تحسين مستوى النضج العقلى الانفعالى لشباب اليوم إذا ما قورن بأقرانهم فى العمر من الأجيال السابقة، وهو ما انعكس على كون الشباب المعاصر يشكل مجموعة مستنيرة ولديها خبرة فى أمور عديدة بدرجة لم تكن متوافرة لأمثالهم فى فترات سابقة مما خلق مشاكل الاغتراب عن المجتمع، لعدم قدرة المجتمع على استيعاب امكاناتهم الجديدة والمتلاحقة، فكان المقابل مزيد من النقد الصريح والرفض من جانبهم لأفكار الكبار وأسلوبهم فى الحياة.

ثانياً : احتياجات الشباب
غالباً ما تتركز اهتمامات الشباب فى الاهتمامات الآتية :
1- المشكلات الشخصية.
2- التعليم والعمل وتحقيق الاستقلال المادى عن الأسرة.
3- الاعداد للزواج وتكوين أسرة.
4- اثبات الذات وتحقيق المكانة الاجتماعية المتميزة.
5- ايجاد فلسفة ومبادىء مستقرة للحياة.
6- المشاركة فى الحياة الاجتماعية العامة.
7- تنمية الشعور بالاحترام والتقدير المتبادل مع الآخرين.
وعلى أساس هذه الاحتياجات يجب أن تبنى برامج الشباب فى إطار خطط التنمية بحيث تسعى هذه البرامج لاشباع تلك الاحتياجات حتى تضمن أعلى مستوى للقبول والاستجابة من جانب الشباب للمشاركة الفعالة فى أنشطتها.

ثالثاً : مقومات المشاركة الفاعلة للشباب
أشرنا فيما سبق إلى أن مرحلة الشباب تنفرد بسمات خاصة، ويقتضى حسن الاستفادة من هذه الطاقات والامكانات أن تقوم الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة بخلق المناخ الملائم والبيئة المناسبة التى تتيح فرصة الانطلاق وتفجر الطاقات الابداعية للشباب لكى يشارك فى كافة الأنشطة والجهود فى كافة مناحى الحياة، ويتأتى ذلك من خلال توفير المقومات التالية.

1ـ اعداد قاعدة بيانات أولية عن الشباب :
المعلومة هى ركيزة التخطيط السليم، فلا يستطيع أى مخطط ان ينجح فى إعداد سياسات ناجحة بدون توفير حد أدنى معقول من المعلومات والبيانات السليمة. ولكى يحسن المجتمع الاستفادة من الطاقات السياسية ويستطيع توظيفها لخدمة قضايا المجتمع واحتياجاته، لابد من اعداد قاعدة بيانات عن الشباب تتضمن الجوانب التالية :
q تعداد الشباب فى المجتمع المصرى.
q توزيعهم على الفئات العمرية المختلفة.
q التوزيع الجغرافى بين الريف والحضر.
q المستويات التعليمية.
q توزيعهم من حيث الجنس.
q الوضع الاقتصادى.
q الحالة الاجتماعية.
q الانتماءات العقائدية.
q علاقة الشباب بوسائل الاعلام.
q قضايا الشباب ومشكلاته.
ولأن الشباب يمثل شريحة كبيرة من الجماهير المصرية، فعلى ضوء رسم خريطة احصائية دقيقة لخصائص وسمات الشباب المصرى يمكن اعداد الخطط والسياسات بشكل يضمن استيعابه ضمن الإطار المجتمعى.

2ـ دراسة المنظمات العاملة فى مجال خدمة الشباب :
يتردد الشباب عبر مراحل عمره على العديد من المؤسسات كالمدارس والجامعات والأندية الرياضية والمؤسسات الثقافية والإعلامية ودور العبادة ... الخ. وتقوم هذه المؤسسات بدور كبير فى مجال تنشئة الشباب وإعداده للخدمة العامة، ويقتضى تعظيم الاستفادة من امكانات هذه المؤسسات الالمام بجوانب معينة منها :
• مدى اقبال الشباب على التعامل مع هذه المؤسسات.
• مدى نجاح المؤسسات فى تلبية احتياجات الشباب.
• مدى التزام المؤسسات بالأسلوب الديمقراطى فى التعامل مع الشباب.
• دور المؤسسات فى تدعيم مشاعر الولاء والانتماء لدى الشباب.
• المشاكل والعقبات التى تعترضها فى تأدية رسالتها ، وكيف يمكن التغلب عليها.
• نوع العلاقة بين هذه المؤسسات وبعضها ومدى التوافق أو التعارض بين ما تقدمه من مضامين.
• مدى إيمان قيادات هذه المؤسسات بدور الشباب فى التنمية.
ومن خلال الاجابة على هذه التساؤلات يتسنى الوقوف على نواحى القوة والضعف فى عمل هذه المؤسسات وبلورة توجه واع متغير للاستفادة من إمكاناتها للقيام بدور فعال فى إعداد الشباب والنهوض بمستواه المادى والارتقاء بمستواه الثقافى، وتهيئته للمشاركة فى قضايا مجتمعه.

3ـ حل مشاكل الشباب وتلبية احتياجاته :
تعد مشاكل الشباب فى مصر نتاجاً لبيئة اجتماعية ذات خصائص ومواصفات معينة، أو هى نتيجة لعدة ظروف أو أوضاع أفرزتها البيئة الاجتماعية.
وعندما توجد حاجات أساسية وهامة لدى الشباب ولا تجد لها إشباعاً مناسباً فى مدىزمنى معقول ، فلا يتوقع من الشباب أن يكون مشاركاً فاعلاً فى قضايا مجتمعه. وعندما تكون الخدمات غير مهيئة بالقدر الكافى والاحتياجات غير مشبعة فلا ننتظر من الشباب أن يكون إيجابياً. فالشباب يحتاج إلى الأمن والاطمئنان على مستقبله وأنه سيتمكن فى مدى زمنى معقول أن يجد بيتاً صغيراً يكون فيه أسرة، وأن يجد حلاً مستقراً يحقق له نوعاً من الاعتماد على الذات فى تلبية احتياجاته.
كما أن الشباب فى حاجة إلى من يشعره بالانتماء، وفى حاجة إلى من يشعره بالتقدير والاحترام يمنحه الفرصة ويثنى على نجاحاته وإنجازاته.
ولا شك أن اهتمام الدولة ـ بمؤسساتها المختلفة ـ بحل مشاكل الشباب وتلبية احتياجاته سينعكس ايجابياً على مشاركة الشباب الفاعلة فى كل ما يجرى على أرض مصر. فسنراه حينئذ زارعاً هنا وصانعاً هناك منخرطاً فى عمل حزبى أو نقابى، رافعاً لافتة انتخابية يؤيد بها مرشحاً أو آخر، أو متردداً على لجنة انتخابية يمارس حق التصويت لاختيار من يشعر أنه جدير بتمثيله.
وبتعدد المشاركين يزيد الانتاج وترتقى الممارسة الديمقراطية، وتختفى السلبية رويداً ويزول شبح اللامبالاة شيئاً فشيئاً.

4ـ تنمية وعى الشباب بقضايا مجتمعه :
لا يشارك انسان فى موضوع يجهل أبعاده. وغالباً ما يحجم الشباب عن المشاركة فى قضايا مجتمعه حينما تقل المعلومات أو تنعدم. وكذلك عندما تتسم القضايا الموجودة فى محيطه بعدم التحديد والغموض.
وكذلك ينبغى على كل مؤسسات التنشئة والقائمين على أمرها أن تضع بين ايدى الشباب كافة القضايا والمستجدات التى تفرض نفسها على المجتمع فى لغة سهلة وبسيطة بعيدة عن الغموض والتجريد متحاشية استخدام الأساليب الخطابية الرنانة والمصطلحات العلمية المتخصصة. مع شرح المصطلحات الجديدة التى بدأت تترددد على مسامعنا كالخصخصة والعولمة وصراع الحضارات والنظام العالمى الجديد. علينا إيجاد الصيغ المقبولة والتى تسمح بنقل المعانى من ثقافات أخرى مع توضيح انعكاسات هذه الثقافات علينا.
كما أنه من الضرورى خلق رأى عام مؤمن بقضايا المجتمع المختلفة مع ربطها بالمصلحة المباشرة للشباب. فمن الخصائص المميزة للرأى العام وتر المصلحة الذاتية. فعندما نطرح على سبيل المثال قضية الخصخصة فلابد من توضيح انعكاساتها الايجابية على المصالح المباشرة للشباب من خلال اتاحة فرص العمل الجديدة أمام جموع البطالة التى تتزايد يوماً بعد يوم.
وفى مجال ترسيخ قيم الديمقراطية فى وجدان الشباب ومناقشة أبعاد هذه القضية فإنه ينبغى الاعداد الجيد للشباب وإكسابه قيم التعاون والمشاركة وتعويد الشباب على أن كل حق يقابله واجب وترسيخ قيم المواطنة لديه من خلال إدراك حقوقه وواجباته واشعاره بأهمية وجدوى مشاركته وفاعليتها، وربط الديمقراطية بعنصر المصلحة .. فعندما يحترم رأى الآخرين يحترمون رأيه. وعندما يشارك بالرأى فى قضايا وطنه فهو يساهم فى صنع السياسات العامة لوطنه، كما أن الإدلاء بالرأى يعد مدخلاً لتلبية الاحتياجات فكيف يعرف صانع القرار احتياجاتى إذا أحجمت عن إبداء رأيى.
5ـ التعبير عن المشاركة كواجب دينى :
ينبىء استقراء تاريخ مصر عبر عصورها المختلفة بحقيقة مؤداها أن الحياة المصرية القديمة منذ آلاف السنين قامت على أسس دينية. فمنذ القديم عرف المصريون بقوة التدين فقد قال هيرودوت أبو التاريخ إن المصريين أشد البشر تديناً ولا يعرف شعب بلغ من التقوى درجتهم فيها .
وللدين سلطان نافذ على عقول المصريين يدعوهم إلى التدين والتقوى والصلاح والاحسان إلى الغير والعمل الصالح. ويعد الدين من أهم العوامل التىتحكم نظرة المجتمع إلى متغيرات العصر والتىينطلق منها إلى اتخاذ موقف معين من القضايا والمشكلات سلباً وإيجاباً.
ورغم صور الانحراف التى شاعت بين شباب العالم بصفة عامة، والقت بظلالها على الشباب المصرى، إلا أنه يمكن القول أن القاعدة الشبابية فى مصر فى مجموعها منضبطة وملتزمة ومتدينة بالفطرة. والقلة الشاردة لا تغير فى القاعدة ولا حكم لها.
فإذا تلقى الشباب عبر مؤسسات التنشئة المختلفة مما يلقى الأضواء على موقف الاسلام من المشاركة واعتبارها واجباً دينياً، فإن نهوض الشباب لتلبية هذه الواجب الدينى ستتسم بسرعة الاستجابة، وستكون أكثر فاعلية. وقد تضمنت الآيات القرآنية العديد من القوانين والأسس التى تؤكد على ضرورة مشاركة الجماهير فى كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لايجاد مجتمع اسلامى متكامل. فقد امتدح القرآن الكريم الجماعة التى تعتمد الشورى منهاجاً لحياتهم وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون الشورى/ 38. فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر آل عمران / 159.
كما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الاهتمام بأمور المسلمين كشروط للانتساب لعضوية المجتمع المسلم فيقول من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم وهكذا تكون المشاركة عنصراً أساسياً للانتماء للمجتمع الاسلامى. كما قال صلى الله عليه وسلم ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم وقال ايضاً استعينوا على أموركم بالمشاورة كما قدم الرسول العديد من المواقف العملية فى مجال الشورى فقد استشار أصحابه فى غزوة بدر وأحد والأحزاب وغيرها من المواقف التى نزل على رأيهم فيها واستجاب لمشورتهم عندما استحسنها.
كما أن الدعوة للمشاركة موجهة أيضاً إلى المواطنين المسيحيين مساهمة فى العمل العام وتوثيقا لعرى الوحدة الوطنية فالدين لله والوطن للجميع.

6ـ اعتماد نظرية الحوافز :
تعد الحوافز من محركات السلوك ، ويرى علماء النفس أن كل الافعال التى يقوم بها الانسان يمكن وصفها على أنها مجهود يقوم به الانسان لاشباع متطلب أساسى أو حاجة ضرورية. فإذا تم ايجاد الرابط أو العلاقة بين المشاركة وبين ما يسميه علماء النفس بالجزاء، فإن هذا يؤدى إلى تعظيم المشاركة وتفعيلها.
ولما كانت الحاجة إلى التقدير بشقيه المادى والمعنوى من حاجات الانسان الاجتماعية، فإن إشباعها يؤدى إلى مزيد من العطاء، فمن يشارك فى محو أمية مجموعة من المواطنين أو يستصلح قطعة أرض صحراوية أو يساهم فى نظافة البيئة أو تشجير المنطقة التى يقطنها عندما يمنح حافزاً مادياً أو معنوياً فإن هذا يؤدى إلى حدوث تأثيرين إيجابيين:
• رفع معنويات المشارك بما يؤدى به إلى بذل المزيد من الجهو د.
• تقديم النموذج الذى يمكن أن يحاكى من الآخرين.
وتطبيقاً على ذلك فإنه يجب على الهيئات المعنية بشئون الشباب والمؤسسات التىيتردد عليها أن تتبنى سياسة تشجيع الشباب من خلال الجزاءات والحوافز حتى ولو كانت حوافز نسبية.

7 ـ اقتناع القيادة بأهمية دور الشباب :
ان ايمان القيادة على أى مستوى وفى كل موقف بفلسفة مؤداها أن الشباب جزء هام فى كيان المجتمع، وأن انعدام مشاركة هذه الجزء وتهميشه يعود بالضرر على المجتمع ككل.
فالاقتناع بدور الشباب من شأنه أن ينعكس ايجابياً على تهيئة الظروف المناسبة لاندماج الشباب فى أنشطة المجتمع ومشاركته فى الأدوار المطروحة.
ويمكن تحديد عدد من الآليات التى تترجم هذا الاقتناع إلى واقع عملى ملموس :
• إتاحة الفرصة أمام الشباب للتعبير عن آرائهم فى قضايا مجتمعهم ورؤيتهم لكيفية التعامل مع مشاكل المجتمع دون خوف من عقاب أو مساءلة، وفى ظل مناخ آمن يرعى الحريات ويدعم الديمقراطية.
• توفير قنوات أو منابر تتيح لهم طرح مشاكلهم وتصوراتهم لكيفية حلها والتعبير عن طموحاتهم وتصوراتهم.
• ضرورة أن تضم الهيئات المعنية بأمور الشباب فى عضويتها بعض العناصر الشبابية التى تحسن التعبير عن همومها وقضاياها إذ ليس من المعقول أن ينفرد بالتعبير عن قضايا الشباب من هم خارج هذه الشريحة الشبابية. فالشباب هم الأقدر على التعبير عن أنفسهم.
• الاهتمام بعمل استطلاعات دورية لآراء الشباب حول همومهم وقضايا المجتمع.
• تطوير دور الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنى لاستيعاب الشباب وتدريبهم على التعامل مع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
• أن تحتفظ مؤسسات المجتمع ومنظماته ببعض الأدوار القيادية لكى يشغلها المتميزون من الشباب دون التقيد بالعوائق البيروقراطية ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة عندما كان يحلل الخصائص المدخرة فى الشخصيات ويضع الرجل المناسب فى المكان المناسب دونما التفات لاعتبارات تتعلق بالسن، وإنما المعيار مدى الأهلية والكفاءة للقيام بالدور المنوط به.
• فقد كلف الرسول صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بقيادة جيش المسلمين لغزو الروم وهو دون العشرين من عمره وتحت إمرته أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ـ وعندما استكثر البعض على أسامة هذا المنصب .. قال الرسول : والله انه بالإمارة لخليق، وان أباه من قبله بالإمارة لخليق فاستوصوا به خيراً فإنه من صالحيكم. كما يذكر التاريخ أنه قد التف حول المسيح عليه السلام عدد من الحواريين الشبان.
ومما هو جدير بالذكر أن القيادة السياسية فى مصر تضع نصب أعينها هموم الشباب ومشاكله وتحاول ايجاد الحلول المناسبة لها ايماناً منها قدراته الخلاقة الفاعلة والدافعة لقضايا التنمية.
وليس أدل على ذلك من عبارة الرئيس حسنى مبارك يدعو فيها لاستيعاب الشباب ومحاولة دمجهم فى المجتمع إننى اشعر بشعور كل أب مصرى، حين أجد آلافاً من الشباب القادر على العمل عاجزين عن العثور على عمل يتيح لكل منهم أن يعبر عن طاقته الكامنة، ويحقق ذاته ويبين مستقبله، وليس أقسى على نفسى من التفكير فيما ينال هذه الفئات من شباب مصر من إحباط فضلاً عن حرمان الوطن من هذه الطاقة الشابة القادرة على الإنجاز والبناء.
8 ـ توافر النموذج والقدوة :
يتعامل الشباب عبر مراحل عمره المختلفة مع العديد من المؤسسات التى يتولى الاشراف عليها قيادات مختلفة.
والانسان كما يتلقى تعليمه وثقافته عن طريق الاضطلاع والقراءة والدرس، فإن جزءاً كبيراً من خبراته ومعارفه تنتقل إليه نتيجة احتكاكه بمن حوله فى مواقف الحياة الاجتماعية المختلفة.
فالطفل أثناء عملية نموه يكتسب أنماطاً من السلوك نتيجة تفاعله مع أفراد أسرته أو مجتمع الدراسة أو النادى وخلافه .. وفى جميع مراحل الحياة يكون فى حاجة إلى الموجه الذى يوجهه ويأخذ عنه، فأحيانا يكون الأب أو الأم وأحياناً أخرى يكون المعلم وربما أى شخص يظن فيه الانسان القدرة على النصح والتوجيه وهداية السلوك. ومن الخطأ الظن أن الإنسان يمكن أن يستغنى عن القدوة فهو كائن اجتماعى يتأثر بالمجتمع، ومن الخطأ المبين الظن أن الأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم للفرد والمجتمع تتحقق بمجرد سن القوانين وتوقيع العقوبات، وإنما يلزم مع ذلك وجود القدوة الحسنة فى مختلف مجالات الحياة الاجتماعية.
لذلك يجب أن تحرص القيادات على أن تكون مثالاً للقدوة الطيبة فى الحفاظ على الوقت والانضباط فى العمل، والصدق فى القول، والحفاظ على المال العام. فالأخلاق الفاضلة دعاية صامتة أما إذا اتصف سلوك القيادة بالغش والخداع وعدم المطابقة بين القول والعمل، فإن هذا سيؤدى إلى إشاعة مناخ من الإحباط لدى الشباب بما يعيق نمو شعورهم بالولاء والانتماء للمجتمع.

هيون 2008
20-09-2007, 01:50 PM
مختارات من كتاب "بحث في الحرية"


الفصل الأول

المدخل: في حدود سلطة المجتمع على الفرد

ليس موضوع هذا البحث الحرية التي تسمى "حرية الإرادة" والتي تقابل لسوء الحظ ما يسمى خطأ بالضرورة الفلسفية، وإنما موضوعه: الحرية والمدنية، أو الاجتماعية، وطبيعة السلطة التي يمارسها المجتمع شرعيا على الأفراد، وحدودها. إنها مسألة قلّ أن عرضت، وندر أن بحثت بشكل عام، ولكنها مع ذلك ذات أثر عميق في مشاكل هذا العصر العملية لوجودها الكامن الخفي. واكثر الظن أنها سوف تبرز نفسها قريبا لتعتبر مسألة المستقبل الحيوية. إنها أبعد ما تكون عن الجيدة. ويمكن القول انها منذ أقدم العصور تقريبا قد شطرت العالم. أما في مرحلة التقدم الحالية التي دخلها اكثر أقوام النوع الإنساني حضارة، فإنها تعرض نفسها ضمن شروط جديدة وتتطلب معالجة جديدة وأكثر عمقا.

إن الصراع بين الحرية وبين السلطة أبرز ظاهرة في أقسام التواريخ التي نعرفها، وخاصة تاريخ اليونان وروما وإنكلترا. أما في العصور القديمة فقد كان هذا الصراع بين الرعية أو بعض طبقات الرعية وبين الحكومة، وكان المعنى المفهوم من الحرية الاحتماء من استبداد الحكام السياسيين. فقد كان هؤلاء الحكام (باستثناء بعض حكومات الإغريق الشعبية) يُنظر إليهم وكأنهم بالضرورة في وضع معاد للشعب الذي يحكمون. كان الحكم بيد حاكم فرد، أو بيد قبيلة حاكمة أو سلالة، وكانت سلطتهم آتية عن طريق الإرث أو الفتح، ولم تكن تمارس برضى المحكومين، ولم يكن أحد يجرؤ على منازعة تلك السيادة أو يرغب في ذلك رغم كل الاحتياطات التي كانت تتخذ لاتقاء ضغطها التعسفي. كانت النظرة إلى سلطانهم أنه ضروري وأنه عظيم الخطر في الوقت نفسه، فهو سلاح قد يحاولون استعماله ضد رعيتهم كما يحاولون استعماله ضد العدو الخارجي. كذلك كان من الضروري، حتى لا يقع الضعاف من أعضاء المجتمع فريسة ينهكها عدد لا يحصى من العقبان، أن يوجد هناك حيوان جارح يكون أقوى من الآخرين يُناط به أمر إخضاعها. ولكن، لما كان ملك العقبان ليس أقل ميلا إلى افتراس الرعية من أي نهاب سلاب آخر، فقد كانت الضرورة تقضي دائما باتخاذ خطة الدفاع ضد مخلبيه ومنقاره. لذلك كان هدف الوطنيين وضع حد للسلطة التي يجب أن يتحمل الحاكم مسؤولية ممارستها على المجتمع، وهذا التحديد هو ما عنوه بالحرية. حاولوا إرساء أسس هذا التحديد بطريقتين: الأولى هي الحصول على اعتراف ببعض الحصانات، تسمى الحريات أو الحقوق السياسية، كان انتهاكها من قبل الحاكم يعتبر إخلالا بواجبه، فإذا اقدم على انتهاكها كان في عمله ما يبرر المقاومة الخاصة أو الثورة الشاملة؛ أما الطريقة الثانية التي ظهرت بعد الأولى فكانت إقامة ضوابط دستورية بموجبها أصبحت موافقة المجتمع، أو أي هيئة يفترض انها تمثل مصالحه، شرطا لازما في بعض الإجراءات الهامة التي تريدها السلطة الحاكمة. لقد اضطرت السلطة الحاكمة في معظم البلاد الأوروبية إلى الرضوخ، نوعا ما، للطريقة الأولى. ولكن الحال لم يكن كذلك بالنسبة للطريقة الثانية: إذ أصبح الوصول إلى هذا النوع من التحديد أو إلى إكماله حين يكون جزء منه مؤمنا، اصبح ذلك في كل مكان الغرض الأساسي لمحبي الحرية. ولما اطمأن البشر إلى محاربة عدو بعدو آخر، وقنعوا بأن يُحكَموا من قبل سيد ضمن شروط تؤمن لهم نوعا من الحماية ضد استبداده، فانهم لم يعودوا يعملون ليدفعوا بأمانيهم إلى أبعد من هذه النقطة.

ثم جاء زمن رأى الناس فيه أن ليس من ضرورة طبيعية أن يكّون حكامهم سلطة مستقلة، تتعارض مصالحها مع مصالحهم. وبدا لهم أن الأفضل أن يكون أولئك الذين يستلمون شؤون الدولة وكلاء أو مندوبين عنهم يعزلونهم متى شاءوا. وظهر أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يعطيهم الضمانة التامة في أن لا يساء استعمال سلطة الحكم في غير صالحهم. هذا الطلب الجديد لحكام ينتخبون انتخابا لمدة مؤقتة أصبح تدريجيا الغرض الرئيسي لأي حزب شعبي أينما وجد حزب من هذا النوع. وأخذ هذا الطلب، إلى حد بعيد، مكان طلب الحد من سلطة الحكام الذي كانت تسعى إليه الجهود السابقة. وفيما كان النضال لجعل السلطة الحاكمة تنبثق عن انتخاب دوري من قبل المحكومين يسير في وجهته، أخذ بعض الناس يفكرون بأن الأهمية التي علقوها على مسألة تحديد السلطة نفسها كانت أكثر من اللازم، وان المسألة نفسها يمكن أن تكون مأخذا يؤخذ ضد الحكام الذين كانت مصالحهم عادة متضاربة مع مصالح الشعب. فما هو مطلوب الآن هو أن يكون الحكام متجاوبين مع الأمة وأن تكون مصالحهم وإرادتهم مصلحة الأمة وإرادتها. لن تحتاج الأمة إلى حماية من إرادتها الذاتية، وليس هناك خوف من أن تستبد بنفسها. ليكن الحكام مسؤولين عنها بطريقة مثمرة، وليكونوا عرضة للعزل من قِبَلِها، وعندها يمكن أن تمنحهم سلطات تستطيع هي أن تفرض أين يجب أن تُستعمل. وسلطتهم عندئذ ليست شيئا آخر سوى سلطة الأمة، وقد تمركزت بطريقة صالحة للتنفيذ.

أن هذا الأسلوب في التفكير، أو بالأحرى في الشعور، كان شائعا بين الأجيال الأخيرة من أحرار أوروبا، ولا يزال شائعا فيها حتى الآن كما يظهر. ويبقى أولئك الذين يقبلون فرض أي حد على ما يمكن أن تفعله الحكومة (إلا في حالة الحكومات التي يعتقدون أنها يجب أن لا توجد) يبقون قلة لامعين بين مفكري أوروبا السياسيين. إن أسلوبا في الشعور مماثلا لما ذكرت كان من الممكن أن يكون سائدا في بلادنا نفسها في هذا الوقت لو أن الظروف التي شجعته فترة من الزمن بقيت ولم تتبدل.

بيد أن النجاح في النظريات الفلسفية والسياسية، وفي الأشخاص أيضا يكشف عن عيوب وخطيئات قد يخفيها الفشل عن عين الملاحظ. فالرأي القائل بأن الشعب لا يحتاج إلى تحديد سلطته على نفسه قد يبدو حقيقة بديهية حين تكون الحكومة الشعبية مجرد حلم، أو مجرد شيء تقرأ عنه على أنه حدث في الماضي البعيد. ولم يتضايق هذا الرأي بما حدث من انحرافات مؤقتة كانحرافات الثورة الفرنسية التي جاء أسوأ ما فيها عن عمل قلة مغتصبة، والتي لم تكن في أي حال ناجمة عن عمل ثابت لمؤسسات شعبية بل عن ثورة فجائية اضطرابية قامت ضد استبداد الملك والطبقة الأرستقراطية. ولكن قامت مع الزمن جمهورية ديمقراطية احتلت حيزا واسعا من سطح الكرة الأرضية وأثبتت وجودها كواحدة من أقوى أعضاء مجموعة الأمم، وبذلك وضعت حكومة منتخبة ومسؤولة موضع الانتقادات والملاحظات التي تنتظر حقيقة واقعية كبرى. وقد تبين عندئذ ان عبارات مثل "الحكم الذاتي" و"سلطة الشعب على نفسه" لا تعبر عن حقيقة الوضع الراهن. فـ "الشعب" الذي يمارس السلطة ليس دائما نفس الشعب الذي يخضع لها، و"الحكم الذاتي" الذي يتحدث عنه ليس حكم كل فرد من قبل نفسه بل حكم كل فرد من قبل كل الآخرين. وإرادة الشعب، إضافة إلى ذلك، إنما تعني عمليا إرادة العدد الأكبر أو إرادة الجزء الأكثر نشاطا من الشعب (إرادة الأكثرية)، أو أولئك الذين ينجحون في جعل أنفسهم مقبولين على أنهم الأكثرية. فقد يجوز بنتيجة ذلك أن يرغب الشعب في اضطهاد قسم من أفراده. وهنا يصبح من الضروري أن يُتخذ ضد هذا الأمر من الاحتياطات ما يُتخذ ضد أي نوع آخر من سوء استعمال السلطة وعليه تحديد سلطة الحكومة على الأفراد لا يفقد شيئا من أهميته عندما يكون القابضون على زمام السلطة مسؤولين بانتظام أمام المجتمع، أي أمام أقوى حزب فيه. وإن وجهة النظر هذه التي استساغتها على السواء عقلية المفكرين وميول الطبقات الهامة في المجتمع الأوروبي التي تتعارض مصالحها الحقيقية أو المفروضة مع الديمقراطية، لم تلاق صعوبة في تثبيت نفسها. وأصبح التفكير السياسي عامة يشمل مسألة "استبداد الأكثرية" في عداد الشرور التي يجب على المجتمع أن يظل على حذر منها.

كان أكثر الناس ولا يزالون يخشون طغيان الأكثرية كما يخشون سائر أنواع الطغيان الأخرى، وذلك لأنه ينفّذ في الغالب عن طريق إجراءات السلطات العامة. ولكن رجال الفكر يرون أن المجتمع حين يكون هو نفسه الطاغية (أي حين يكون المجتمع بجملته ضد الأفراد) فان ذلك يعني أن أساليب طغيانه لا تنحصر بالإجراءات التي يمكن أن ينفذها عن طريق موظفيه السياسيين. إن المجتمع قادر على إصدار الأوامر وعلى تنفيذها بنفسه. فإذا أصدر أوامر خاطئة بدلا من الصحيحة، أو إن أصدر أوامر في شؤون يجب أن لا يتدخل فيها، فإنه يمارس بذلك طغيانا اجتماعيا هو أشد عتوا من كثير من ألوان الاضطهاد السياسي لأنه، وإن لم تدعمه عادة عقوبات شديدة، فان وسائل النجاة التي يتركها قليلة، وهو ينفذ إلى الصميم في كثير من نواحي الحياة، ويستعبد الروح ذاتها. لهذا كان الاحتماء من طغيان الحكام غير كاف، وكان لا بد من حماية ضد طغيان الآراء والمشاعر الشائعة، وضد ميل المجتمع لان يفرض (دون اللجوء إلى العقوبات المدنية) آراءه الخاصة وطقوسه كقواعد للسلوك، يفرضها حتى على أولئك الذين لا يوافقون عليها، ليكبل النمو والتطور، ويمنع إن أمكن تكوين أي شخصية فردية لا تكون منسجمة مع طرقه، ويجبر كل الطبائع على تكييف نفسها طبق أنموذج من صنعه هو. إن هنالك حدا للتدخل المشروع في استقلال الفرد من قبل الرأي الجماعي. وإن إيجاد ذلك الحد وصيانته من التجاوز أو الاعتداء عليه لازم لحسن سلامة شؤون الناس لزوم الاحتماء من الاستبداد السياسي.

ولكن لئن كان من غير المتوقع أن تناقش هذه القضية بصورة عامة. فإن السؤال العملي: أين يجب وضع الحد، وكيف يمكن تحقيق التوفيق المناسب بين الاستقلال الفردي وبين السيطرة الاجتماعية؟ هذا السؤال يبقى الموضوع الذي عليه يتوقف كل شيء تقريبا.

إن كل ما يجعل للوجود قيمة في نظر أي شخص مرتكز على تنفيذ الضوابط التي تضبط أفعال الآخرين. فيجب إذن فرض بعض قواعد للسلوك عن طريق القانون أولا، ثم عن طريق الرأي العام في الأشياء الكثيرة التي لا تكون قابلة للإجراءات القانونية. أما ما هي هذه القيود اللازمة، فهذا هو السؤال الرئيسي في شؤون البشر.

إننا إذا استثنينا بعض المسائل الواضحة جدا، فان السؤال السابق يبقى بين المسائل التي لم يصل السعي وراء حل لها إلا إلى قدر ضئيل من التقدم. فلم يُعطِ عصران أو بلدان حلا واحدا له. لا بل إن الحل الذي قال به عصر أو بلد كان موضع استغراب الآخر وتعجبه. ومع كل ذلك فان الناس في أي عصر أو بلد لم يعودوا يرتابون بوجود أي صعوبة فيه، وكأنه موضوع كان الناس متفقين دائما حوله. والقواعد يجري بها العرف بينهم تبدو لهم جلية في حد ذاتها، ولا تحتاج إلى تبرير. إن هذا الوهم العام ليس إلا واحدا من الأمثلة على التأثير السحري للعرف، هذا العرف الذي يؤخذ لا على انه، كما يقول المثل، طبيعة ثانية فقط، بل يؤخذ دائما وخطأ على أنه طبيعة أولى. إن أثر هذا العرف في إزالة أي شك يمكن أن يعلق في نفوس الناس بشأن قواعد الأخلاق التي يفرضها الناس بعضهم على بعض هو في ازدياد مستمر لأن الموضوع أمر لا يوجد بشأنه اتفاق عام بأنه يحتاج إلى تبرير، لا من قِبَل شخص نحو الآخرين، ولا من قِبَل شخص نحو نفسه. فقد اعتاد الناس أن يعتقدوا أن مشاعرهم حول موضوعات من هذا النوع هي أفضل من الأسباب، وانها تجعل التعليل غير ضروري، وقد شجعهم على هذا الاعتقاد جماعة يطمحون في أن يكونوا بين الفلاسفة. والمبدأ العملي الذي يرشد هؤلاء الناس إلى آرائهم في تنظيم السلوك البشري هو الشعور الموجود في رأس كل منهم بأن على الجميع أن يفعلوا كما يريدهم هو ومن على شاكلته أن يفعلوا.

لا يعترف أحد في الواقع أمام نفسه أن مقياسه في الأحكام مبني على ما يحب ويرغب، ولكن الرأي الذي يُعطى في مسألة مسلكية ولا يكون مشفوعا بالأسباب لا يعدو كونه تفضيلا شخصيا. فإذا ذُكرت الأسباب ولم تكن شيئا آخر سوى تفضيلا مماثلا شعر به آخرون، بقي الأمر مجرد رغبة أناس كثيرين بدلا من واحد. إن هذا التفضيل الشخصي الذي يؤيده بهذه الطريقة تفضيل الآخرين ليس سببا كافيا وكاملا فحسب بالنسبة للشخص العادي، بل إنه السبب الوحيد عنده الذي به يبرر عادة أيا من آرائه في الأخلاق، أو الذوق، أو اللياقة حين لا تكون هذه الآراء مكتوبة صراحة في عقيدته الدينية، لا بل إنه أيضا مرشده الرئيسي في تفسيره حتى لتلك العقيدة. وهكذا تكون آراء الناس حول ما هو ممدوح أو مذموم متأثرة بكل الأسباب المتنوعة التي تتأثر بها رغباتهم بشأن سلوك الغير، وهي أسباب متعددة بقدر تعدد الأسباب التي تقرر رغباتهم بشأن أي موضوع آخر. فالأسباب تارة عقلهم، وأخرى تحّيزهم أو خرافتهم، وكثيرا ما تكون عواطفهم المحبة للمجتمع أو الكارهة له، أو حسدهم أو غيرتهم، أو غطرستهم أو ازدراؤهم. وأكثر الأسباب شيوعا هي محبتهم لأنفسهم أو خوفهم عليها: أو مصلحتهم الشخصية المشروعة أو غير المشروعة. وحيثما وجدت طبقة عالية فان القسم الأكبر من أخلاق البلاد ينبثق عن مصالح تلك الطبقة وعن شعورها بالتفوق الطبقي. فالأخلاق بين الإسبارطيين وبين الأرقاء، بين المزارعين وبين الزنوج، بين الأمراء وبين الرعية، بين النبلاء وبين مستأجري أراضيهم، بين الرجال وبين النساء؛ هذه الأخلاق كانت في معظمها وليدة تلك المصالح والمشاعر الطبقية. والعواطف التي تتولد بهذه الطريقة يرتد مفعولها على المشاعر الأخلاقية لأعضاء الطبقة العليا في علاقاتهم فيما بينهم، أما حين توجد طبقة كانت سابقا عالية وفقدت تفوقها، أو كان تفوقها غير محبوب، فان العواطف الأخلاقية السائدة عندئذ غالبا ما تحمل معها طابع الكراهية الملحة للتفوق. وهناك مبدأ خطير آخر من المبادئ التي يفرضها القانون أو الرأي العام والتي تحدد قواعد السلوك في الفعل أو في رحابة الصدر، هذا المبدأ هو خنوع البشر تجاه ما يحبه أو ما يكرهه أسيادهم المؤقتون أو أصنامهم. إن هذا الخنوع، الذي هو في الأصل أناني، ليس رياء كله: إنه يثير عواطف أصيلة من المقت والكراهية، وقد دفع البشر إلى إحراق السحرة والمارقين. لقد كان لمصالح المجتمع حتما، العامة منها والواضحة، نصيب، ونصيب كبير، بين تلك العوامل الكثيرة التي عملت في توجيه العواطف الأخلاقية، ولكن ذلك لم يكن بدافع الفكر والعقل، أو بسبب قيمة العواطف نفسها، بقدر ما كان نتيجة التعاطف أو الكراهية الذَين انبثقا عن تلك العواطف نفسها. إن ذلك التعاطف وتلك الكراهية لم تكن لهما أي صلة بمصالح المجتمع، ولكنهما أثبتتا وجودهما كقوتين كبيرتين في إيجاد الفضائل.

هكذا فإن ما يحبه المجتمع وما يكرهه، أو ما يحبه وما يكرهه قسم كبير منه، هو العامل الرئيسي الذي حدد عمليا القواعد التي يجب مراعاتها من قبل الجميع تحت طائلة عقوبة القانون أو الرأي العام. وحين جاء أناس سبقوا المجتمع في التفكير والشعور فانهم بشكل عام تركوا الوضع الراهن دون ان يحملوا عليه من حيث المبدأ، رغما عن أنهم قد يكونوا قد تصادموا معه في بعض التفاصيل. فقد شغلوا أنفسهم ببحث ما يجب على المجتمع أن يحب أو يكره بدلا من البحث فيما إذا كان ما يحبه المجتمع أو يكرهه يجب أن يفرض كقانون على الأفراد. لقد آثروا أن يحاولوا تغيير شعور الناس تجاه النقاط التي كانوا هم أنفسهم يجحدونها بدلا من أن يتضافروا في الدفاع عن الحرية مع عموم الجاحدين. والقضية الوحيدة التي ثابروا فيها على جعل النقاش على مستوى عال وبناء على مبادئ هي قضية العقيدة الدينية: هذه القضية التي ناقشها أشخاص هنا وهناك ليست وسيلة تهذيب وتثقيف فحسب، بل هي أيضا مثال واضح على أن ما يَمّس بالحس الأخلاقي ليس معصوما عن الخطأ، لان عنف المشادات الدينية عند الجلّ المتعصب من أوضح الأمثلة على الحس الأخلاقي. إن أولئك الذين كانوا أول من حطم نِيْرَ ما كان يسمى بالكنيسة العالمية لم يكونوا يريدون السماح بوجود خلاف بين الآراء الدينية، شأنهم في ذلك شأن الكنيسة نفسها. ولكن لما برد وطيس المعركة دون أن يفوز أي فريق بانتصار حاسم، واضطرت كل كنيسة أو فرقة دينية إلى تحديد أمانيها إلى حد الاحتفاظ بما نالته من نفوذ، وجدت الأقليات، التي لم يكن لها أمل في أن تصبح أكثرية، نفسها مضطرة إلى أن تطلب ممن لم تكسبهم إلى جانبها أن يسمحوا لها بان تختلف عنهم. وفي هذا الميدان وحده تقريبا أمكن لحقوق الفرد ضد المجتمع أن تثبتت على أسس عامة من المبادئ وظهرت معارضة مكشوفة لادعاء المجتمع بحقه في ممارسة سلطة ضد المنشقين. إن الكّتاب الكبار الذين يدين لهم العالم بالفضل في ما أحرزه من حرية دينية قد أكدوا أن حرية الضمير حق لا يُقهر واستنكروا بشكل قاطع أن يكون الشخص مسؤولا أمام الآخرين عن عقيدته الدينية. إلا ان عدَم التسامح من طبيعة البشر في كل ما يهمهم حقيقةٌ، ولم تتحقق الحرية الدينية بصورة عملية في أي مكان إلا حيث دعمتها اللامبالاة الدينية التي تكره أن تُعكّر صفوها المنازعات اللاهوتية. ان عقل جميع المتدينين، حتى في اكثر البلاد تسامحا، يقر واجب التسامح ولكن مع تحفظات ضمنية. فقد يقبل شخص الاختلاف في شؤون حكم الكنيسة، ولكن لا في تعاليمها المقررة، وقد يتقبل آخر كل شخص عدا البابوي أو الموحِّد، وقد يتقبل ثالث كل من يؤمن بدين مُنزَل، وقد يوسع بعضهم حدود التسامح ولكنهم يقفون عند تحد الإيمان بالله والحياة الأخرى. اما حيث لا تزال عاطفة الأكثرية أصيلة وشديدة فإننا نجد أنها لم تخفف شيئا يذكر من غلوها في وجوب إطاعتها.

إن وطأة الرأي العام في إنكلترا أشد مما هي في اكثر بلاد أوروبا، على الرغم من أن وطأة القانون قد تكون أخف، وما ذلك إلا بسبب الظروف الخاصة لتاريخ إنكلترا السياسي. فهناك قلق بالغ من جراء التدخل المباشر في سلوك الفرد من قبل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، ولا يأتي ذلك عن مجرد الغيرة على استقلال الفرد بقدر ما يأتي عن العادة المستحكمة في النظر إلى الحكومة على انها تمثل مصلحة أخرى معارضة لمصلحة الشعب. فالأكثرية لم تتعلم بعد أن تشعر بأن سلطة الحكومة سلطتها، وآراءها آراؤها. ومتى تعلمت الأكثرية ذلك، فالأرجح أن تتعرض الحرية لغزو الحكومة بقدر ما هي معرضة الآن لغزو الرأي العام. ولكن لا يزال هناك قدر محترم من الشعور على استعداد للقيام ضد أية محاولة من قبل القانون للسيطرة على الأفراد في شؤون لم يسبق لهم أن تعودوا على سيطرة القانون فيها. وذلك بغض النظر عما إذا كان الأمر يدخل في نطاق سيطرة القانون المشروعة أو لا يدخل. إن هذا الشعور السليم بمجمله قد يكون أحيانا في غير محله. وليس هناك في الواقع أي مبدأ معترف به لقياس ملائمة أو عدم ملائمة التدخل الحكومي، وإنما يقرر الناس ذلك وفقا لأهوائهم الشخصية. فمنهم من يهيب بالحكومة إلى التدخل والعمل كلما رأى خيرا يجب فعله أو شرا يجب معالجته وتلافيه، بينما يفضل غيرهم أن يتحملوا أي مقدار كان من الشر الاجتماعي على أن يضيفوا إلى مصالح الناس التي تُخضع للسيطرة الحكومية مصالح أخرى. والناس يأخذون هذا الجانب أو ذاك في أي قضية وفق التوجيه العام لعواطفهم، أو وفقا لمقدار اهتمامهم بالأمر الذي يقترح أن تقوم به الحكومة، أو وفقا لاعتقادهم بأن الحكومة، سوف تؤديه أو لن تؤديه بالطريقة التي يفضلونها، ولكن قَلّ أن يكون أخذهم هذا الجانب أو ذاك بناء على رأي يتمسكون به حول الأمور التي يكون من المناسب أن تقوم بها الحكومة. وبناء على عدم وجود أي مبدأ أو قاعدة، يلوح لي ان كلا من الجانبين يخطئ الآخر، وأن تدخل الحكومة يتعادل فيه عدد المرات التي يساء فيها ابتغاؤه وعدد المرات التي يساء فيها استنكاره.

إن غرض هذا البحث هو تأكيد مبدأ بسيط جدا جدير بأن ينظم معاملات المجتمع مع الفرد من حيث الإكراه والسيطرة، أكانت الأساليب المستعملة قوة مادية على شكل عقوبات قانونية أم كانت الضغط المعنوي للرأي العام. إن ذلك المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تجيز للبشر، أفرادا كانوا أم جماعة، أن يتدخلوا في حرية أفعال أي واحد منهم إنما هي حماية الذات. أي إن الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة بحق في أي مجتمع متمدن على عضو منه رغم إرادته إنما هو دفع الأذى عن الغير. فلا يكفي أن يكون الهدف الخير الخاص للعضو، ماديا كان هذا الخير أم معنويا. ولا يجوز عدلا إرغامه على القيام بأمر أو على الامتناع عنه لأن ذلك خير له، أو لأن ذلك يجعله أسعد حالا، أو لأن الآخرين يرون أن من الحكمة والصواب فعل ذلك، إن هذه الأسباب كلها وجيهة، تنفع في التباحث معه، أو المناقشة معه، أو في إقناعه، أو في رجائه، ولكنها لا تبرر إرغامه أو إلحاق الأذى به إن فعل عكس ما يطلب منه. ولا يبرر ذلك إلا الحساب بأن السلوك الذي يقصد إبعاده عنه سوف ينجم عنه ضرر يصيب الغير: فالجزء الوحيد من سلوك أي فرد، الذي يكون مسؤولا عنه تجاه المجتمع، هو ذلك الذي يمس الغير. أما الجزء الذي يمس الشخص وحده فان استقلاله فيه مطلق وحق. فالفرد سيد على نفسه في عقله وفي جسمه.

قد يكون من الضروري أن نقول هنا إن هذا المذهب ينطبق فقط على أفراد النوع الإنساني الذين وصلوا إلى مرحلة النضوج في ملكاتهم. فنحن لا نتكلم في الواقع عن الأطفال أو الأحداث الذين هم دون السن التي يحددها القانون للرجولة أو لنضج النساء. أما الذين لا يزالون بحاجة إلى عناية الغير بهم، فتجب حمايتهم من أفعالهم كما تجب حمايتهم من الأذى الخارجي. كذلك يمكن للسبب نفسه أن نخرج من دائرة اعتباراتنا المجتمعات المتخلفة التي يمكن اعتبار الأقوام التي تؤلفها أقواما قاصرة. فالصعوبات المبكرة التي تعترض سبيل التقدم الذاتي من الخطورة بحيث لا يبقى هناك أي مجال للمفاضلة بين وسائل التغلب عليها. والحاكم المشبَّع بروح الإصلاح يجوز له أن يستعمل أي وسيلة توصله إلى الهدف الذي لا يبلغه بأي من الوسائل الأخرى. إن الاستبداد أسلوب شرعي في حكم البرابرة شريطة أن تكون الغاية تحسين حالهم، وتحقيق تلك الغاية فعلا يبرر تلك الواسطة. والحرية كمبدأ لا مجال لتطبيقها في أي من الحالات التي توجد قبل ذلك الوقت الذي يصبح فيه البشر قادرين على التحسن عن طريق المباحثات الحرة بين أطراف تحققت المساواة بينهم. حتى ذلك الحين لا يكون أمامهم إلا الطاعة لعاهل أو لملك جبار عادل إن أسعفهم حظهم بوجوده. ولكن ما ان يكتسب البشر القدرة على الانصياع إلى الاقتناع أو الإقناع في تحسين أحوالهم (وهذه مرحلة وصلت إليها منذ زمن بعيد كل الأمم التي يهمنا أمرها هنا) حتى يصبح الإكراه في شكله المباشر أو في شكل إيذاء المخالف وعقابه أمرا غير مقبول إذا قُصد استعماله كوسيلة لخيرهم، حتى وإن بقي مسموحا به في حالة ضمان أمن الغير.

من المناسب أن أذكر هنا أني أتنازل عن أي فائدة تدعم حجتي يمكن ان تأتيني من فكرة الحق المجرد كشيء مستقل عن المنفعة. فانا اعتبر المنفعة الملاذ النهائي في كل المسائل الأخلاقية: ولكنها يجب أن تكون المنفعة في أوسع معانيها، القائمة على مصالح الإنسان الدائمة من حيث هو مخلوق تقدمي. إن هذه المصالح كما أراها تسمح بإخضاع الفعل العفوي الفردي للقيد الخارجي في حالة واحدة فقط هي حين تكون أفعال الفرد ماسة بمصالح الآخرين.













منقول

هيون 2008
20-09-2007, 01:51 PM
مختارات من كتاب "بحث في الحرية"


الفصل الأول

المدخل: في حدود سلطة المجتمع على الفرد

ليس موضوع هذا البحث الحرية التي تسمى "حرية الإرادة" والتي تقابل لسوء الحظ ما يسمى خطأ بالضرورة الفلسفية، وإنما موضوعه: الحرية والمدنية، أو الاجتماعية، وطبيعة السلطة التي يمارسها المجتمع شرعيا على الأفراد، وحدودها. إنها مسألة قلّ أن عرضت، وندر أن بحثت بشكل عام، ولكنها مع ذلك ذات أثر عميق في مشاكل هذا العصر العملية لوجودها الكامن الخفي. واكثر الظن أنها سوف تبرز نفسها قريبا لتعتبر مسألة المستقبل الحيوية. إنها أبعد ما تكون عن الجيدة. ويمكن القول انها منذ أقدم العصور تقريبا قد شطرت العالم. أما في مرحلة التقدم الحالية التي دخلها اكثر أقوام النوع الإنساني حضارة، فإنها تعرض نفسها ضمن شروط جديدة وتتطلب معالجة جديدة وأكثر عمقا.

إن الصراع بين الحرية وبين السلطة أبرز ظاهرة في أقسام التواريخ التي نعرفها، وخاصة تاريخ اليونان وروما وإنكلترا. أما في العصور القديمة فقد كان هذا الصراع بين الرعية أو بعض طبقات الرعية وبين الحكومة، وكان المعنى المفهوم من الحرية الاحتماء من استبداد الحكام السياسيين. فقد كان هؤلاء الحكام (باستثناء بعض حكومات الإغريق الشعبية) يُنظر إليهم وكأنهم بالضرورة في وضع معاد للشعب الذي يحكمون. كان الحكم بيد حاكم فرد، أو بيد قبيلة حاكمة أو سلالة، وكانت سلطتهم آتية عن طريق الإرث أو الفتح، ولم تكن تمارس برضى المحكومين، ولم يكن أحد يجرؤ على منازعة تلك السيادة أو يرغب في ذلك رغم كل الاحتياطات التي كانت تتخذ لاتقاء ضغطها التعسفي. كانت النظرة إلى سلطانهم أنه ضروري وأنه عظيم الخطر في الوقت نفسه، فهو سلاح قد يحاولون استعماله ضد رعيتهم كما يحاولون استعماله ضد العدو الخارجي. كذلك كان من الضروري، حتى لا يقع الضعاف من أعضاء المجتمع فريسة ينهكها عدد لا يحصى من العقبان، أن يوجد هناك حيوان جارح يكون أقوى من الآخرين يُناط به أمر إخضاعها. ولكن، لما كان ملك العقبان ليس أقل ميلا إلى افتراس الرعية من أي نهاب سلاب آخر، فقد كانت الضرورة تقضي دائما باتخاذ خطة الدفاع ضد مخلبيه ومنقاره. لذلك كان هدف الوطنيين وضع حد للسلطة التي يجب أن يتحمل الحاكم مسؤولية ممارستها على المجتمع، وهذا التحديد هو ما عنوه بالحرية. حاولوا إرساء أسس هذا التحديد بطريقتين: الأولى هي الحصول على اعتراف ببعض الحصانات، تسمى الحريات أو الحقوق السياسية، كان انتهاكها من قبل الحاكم يعتبر إخلالا بواجبه، فإذا اقدم على انتهاكها كان في عمله ما يبرر المقاومة الخاصة أو الثورة الشاملة؛ أما الطريقة الثانية التي ظهرت بعد الأولى فكانت إقامة ضوابط دستورية بموجبها أصبحت موافقة المجتمع، أو أي هيئة يفترض انها تمثل مصالحه، شرطا لازما في بعض الإجراءات الهامة التي تريدها السلطة الحاكمة. لقد اضطرت السلطة الحاكمة في معظم البلاد الأوروبية إلى الرضوخ، نوعا ما، للطريقة الأولى. ولكن الحال لم يكن كذلك بالنسبة للطريقة الثانية: إذ أصبح الوصول إلى هذا النوع من التحديد أو إلى إكماله حين يكون جزء منه مؤمنا، اصبح ذلك في كل مكان الغرض الأساسي لمحبي الحرية. ولما اطمأن البشر إلى محاربة عدو بعدو آخر، وقنعوا بأن يُحكَموا من قبل سيد ضمن شروط تؤمن لهم نوعا من الحماية ضد استبداده، فانهم لم يعودوا يعملون ليدفعوا بأمانيهم إلى أبعد من هذه النقطة.

ثم جاء زمن رأى الناس فيه أن ليس من ضرورة طبيعية أن يكّون حكامهم سلطة مستقلة، تتعارض مصالحها مع مصالحهم. وبدا لهم أن الأفضل أن يكون أولئك الذين يستلمون شؤون الدولة وكلاء أو مندوبين عنهم يعزلونهم متى شاءوا. وظهر أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يعطيهم الضمانة التامة في أن لا يساء استعمال سلطة الحكم في غير صالحهم. هذا الطلب الجديد لحكام ينتخبون انتخابا لمدة مؤقتة أصبح تدريجيا الغرض الرئيسي لأي حزب شعبي أينما وجد حزب من هذا النوع. وأخذ هذا الطلب، إلى حد بعيد، مكان طلب الحد من سلطة الحكام الذي كانت تسعى إليه الجهود السابقة. وفيما كان النضال لجعل السلطة الحاكمة تنبثق عن انتخاب دوري من قبل المحكومين يسير في وجهته، أخذ بعض الناس يفكرون بأن الأهمية التي علقوها على مسألة تحديد السلطة نفسها كانت أكثر من اللازم، وان المسألة نفسها يمكن أن تكون مأخذا يؤخذ ضد الحكام الذين كانت مصالحهم عادة متضاربة مع مصالح الشعب. فما هو مطلوب الآن هو أن يكون الحكام متجاوبين مع الأمة وأن تكون مصالحهم وإرادتهم مصلحة الأمة وإرادتها. لن تحتاج الأمة إلى حماية من إرادتها الذاتية، وليس هناك خوف من أن تستبد بنفسها. ليكن الحكام مسؤولين عنها بطريقة مثمرة، وليكونوا عرضة للعزل من قِبَلِها، وعندها يمكن أن تمنحهم سلطات تستطيع هي أن تفرض أين يجب أن تُستعمل. وسلطتهم عندئذ ليست شيئا آخر سوى سلطة الأمة، وقد تمركزت بطريقة صالحة للتنفيذ.

أن هذا الأسلوب في التفكير، أو بالأحرى في الشعور، كان شائعا بين الأجيال الأخيرة من أحرار أوروبا، ولا يزال شائعا فيها حتى الآن كما يظهر. ويبقى أولئك الذين يقبلون فرض أي حد على ما يمكن أن تفعله الحكومة (إلا في حالة الحكومات التي يعتقدون أنها يجب أن لا توجد) يبقون قلة لامعين بين مفكري أوروبا السياسيين. إن أسلوبا في الشعور مماثلا لما ذكرت كان من الممكن أن يكون سائدا في بلادنا نفسها في هذا الوقت لو أن الظروف التي شجعته فترة من الزمن بقيت ولم تتبدل.

بيد أن النجاح في النظريات الفلسفية والسياسية، وفي الأشخاص أيضا يكشف عن عيوب وخطيئات قد يخفيها الفشل عن عين الملاحظ. فالرأي القائل بأن الشعب لا يحتاج إلى تحديد سلطته على نفسه قد يبدو حقيقة بديهية حين تكون الحكومة الشعبية مجرد حلم، أو مجرد شيء تقرأ عنه على أنه حدث في الماضي البعيد. ولم يتضايق هذا الرأي بما حدث من انحرافات مؤقتة كانحرافات الثورة الفرنسية التي جاء أسوأ ما فيها عن عمل قلة مغتصبة، والتي لم تكن في أي حال ناجمة عن عمل ثابت لمؤسسات شعبية بل عن ثورة فجائية اضطرابية قامت ضد استبداد الملك والطبقة الأرستقراطية. ولكن قامت مع الزمن جمهورية ديمقراطية احتلت حيزا واسعا من سطح الكرة الأرضية وأثبتت وجودها كواحدة من أقوى أعضاء مجموعة الأمم، وبذلك وضعت حكومة منتخبة ومسؤولة موضع الانتقادات والملاحظات التي تنتظر حقيقة واقعية كبرى. وقد تبين عندئذ ان عبارات مثل "الحكم الذاتي" و"سلطة الشعب على نفسه" لا تعبر عن حقيقة الوضع الراهن. فـ "الشعب" الذي يمارس السلطة ليس دائما نفس الشعب الذي يخضع لها، و"الحكم الذاتي" الذي يتحدث عنه ليس حكم كل فرد من قبل نفسه بل حكم كل فرد من قبل كل الآخرين. وإرادة الشعب، إضافة إلى ذلك، إنما تعني عمليا إرادة العدد الأكبر أو إرادة الجزء الأكثر نشاطا من الشعب (إرادة الأكثرية)، أو أولئك الذين ينجحون في جعل أنفسهم مقبولين على أنهم الأكثرية. فقد يجوز بنتيجة ذلك أن يرغب الشعب في اضطهاد قسم من أفراده. وهنا يصبح من الضروري أن يُتخذ ضد هذا الأمر من الاحتياطات ما يُتخذ ضد أي نوع آخر من سوء استعمال السلطة وعليه تحديد سلطة الحكومة على الأفراد لا يفقد شيئا من أهميته عندما يكون القابضون على زمام السلطة مسؤولين بانتظام أمام المجتمع، أي أمام أقوى حزب فيه. وإن وجهة النظر هذه التي استساغتها على السواء عقلية المفكرين وميول الطبقات الهامة في المجتمع الأوروبي التي تتعارض مصالحها الحقيقية أو المفروضة مع الديمقراطية، لم تلاق صعوبة في تثبيت نفسها. وأصبح التفكير السياسي عامة يشمل مسألة "استبداد الأكثرية" في عداد الشرور التي يجب على المجتمع أن يظل على حذر منها.

كان أكثر الناس ولا يزالون يخشون طغيان الأكثرية كما يخشون سائر أنواع الطغيان الأخرى، وذلك لأنه ينفّذ في الغالب عن طريق إجراءات السلطات العامة. ولكن رجال الفكر يرون أن المجتمع حين يكون هو نفسه الطاغية (أي حين يكون المجتمع بجملته ضد الأفراد) فان ذلك يعني أن أساليب طغيانه لا تنحصر بالإجراءات التي يمكن أن ينفذها عن طريق موظفيه السياسيين. إن المجتمع قادر على إصدار الأوامر وعلى تنفيذها بنفسه. فإذا أصدر أوامر خاطئة بدلا من الصحيحة، أو إن أصدر أوامر في شؤون يجب أن لا يتدخل فيها، فإنه يمارس بذلك طغيانا اجتماعيا هو أشد عتوا من كثير من ألوان الاضطهاد السياسي لأنه، وإن لم تدعمه عادة عقوبات شديدة، فان وسائل النجاة التي يتركها قليلة، وهو ينفذ إلى الصميم في كثير من نواحي الحياة، ويستعبد الروح ذاتها. لهذا كان الاحتماء من طغيان الحكام غير كاف، وكان لا بد من حماية ضد طغيان الآراء والمشاعر الشائعة، وضد ميل المجتمع لان يفرض (دون اللجوء إلى العقوبات المدنية) آراءه الخاصة وطقوسه كقواعد للسلوك، يفرضها حتى على أولئك الذين لا يوافقون عليها، ليكبل النمو والتطور، ويمنع إن أمكن تكوين أي شخصية فردية لا تكون منسجمة مع طرقه، ويجبر كل الطبائع على تكييف نفسها طبق أنموذج من صنعه هو. إن هنالك حدا للتدخل المشروع في استقلال الفرد من قبل الرأي الجماعي. وإن إيجاد ذلك الحد وصيانته من التجاوز أو الاعتداء عليه لازم لحسن سلامة شؤون الناس لزوم الاحتماء من الاستبداد السياسي.

ولكن لئن كان من غير المتوقع أن تناقش هذه القضية بصورة عامة. فإن السؤال العملي: أين يجب وضع الحد، وكيف يمكن تحقيق التوفيق المناسب بين الاستقلال الفردي وبين السيطرة الاجتماعية؟ هذا السؤال يبقى الموضوع الذي عليه يتوقف كل شيء تقريبا.

إن كل ما يجعل للوجود قيمة في نظر أي شخص مرتكز على تنفيذ الضوابط التي تضبط أفعال الآخرين. فيجب إذن فرض بعض قواعد للسلوك عن طريق القانون أولا، ثم عن طريق الرأي العام في الأشياء الكثيرة التي لا تكون قابلة للإجراءات القانونية. أما ما هي هذه القيود اللازمة، فهذا هو السؤال الرئيسي في شؤون البشر.

إننا إذا استثنينا بعض المسائل الواضحة جدا، فان السؤال السابق يبقى بين المسائل التي لم يصل السعي وراء حل لها إلا إلى قدر ضئيل من التقدم. فلم يُعطِ عصران أو بلدان حلا واحدا له. لا بل إن الحل الذي قال به عصر أو بلد كان موضع استغراب الآخر وتعجبه. ومع كل ذلك فان الناس في أي عصر أو بلد لم يعودوا يرتابون بوجود أي صعوبة فيه، وكأنه موضوع كان الناس متفقين دائما حوله. والقواعد يجري بها العرف بينهم تبدو لهم جلية في حد ذاتها، ولا تحتاج إلى تبرير. إن هذا الوهم العام ليس إلا واحدا من الأمثلة على التأثير السحري للعرف، هذا العرف الذي يؤخذ لا على انه، كما يقول المثل، طبيعة ثانية فقط، بل يؤخذ دائما وخطأ على أنه طبيعة أولى. إن أثر هذا العرف في إزالة أي شك يمكن أن يعلق في نفوس الناس بشأن قواعد الأخلاق التي يفرضها الناس بعضهم على بعض هو في ازدياد مستمر لأن الموضوع أمر لا يوجد بشأنه اتفاق عام بأنه يحتاج إلى تبرير، لا من قِبَل شخص نحو الآخرين، ولا من قِبَل شخص نحو نفسه. فقد اعتاد الناس أن يعتقدوا أن مشاعرهم حول موضوعات من هذا النوع هي أفضل من الأسباب، وانها تجعل التعليل غير ضروري، وقد شجعهم على هذا الاعتقاد جماعة يطمحون في أن يكونوا بين الفلاسفة. والمبدأ العملي الذي يرشد هؤلاء الناس إلى آرائهم في تنظيم السلوك البشري هو الشعور الموجود في رأس كل منهم بأن على الجميع أن يفعلوا كما يريدهم هو ومن على شاكلته أن يفعلوا.

لا يعترف أحد في الواقع أمام نفسه أن مقياسه في الأحكام مبني على ما يحب ويرغب، ولكن الرأي الذي يُعطى في مسألة مسلكية ولا يكون مشفوعا بالأسباب لا يعدو كونه تفضيلا شخصيا. فإذا ذُكرت الأسباب ولم تكن شيئا آخر سوى تفضيلا مماثلا شعر به آخرون، بقي الأمر مجرد رغبة أناس كثيرين بدلا من واحد. إن هذا التفضيل الشخصي الذي يؤيده بهذه الطريقة تفضيل الآخرين ليس سببا كافيا وكاملا فحسب بالنسبة للشخص العادي، بل إنه السبب الوحيد عنده الذي به يبرر عادة أيا من آرائه في الأخلاق، أو الذوق، أو اللياقة حين لا تكون هذه الآراء مكتوبة صراحة في عقيدته الدينية، لا بل إنه أيضا مرشده الرئيسي في تفسيره حتى لتلك العقيدة. وهكذا تكون آراء الناس حول ما هو ممدوح أو مذموم متأثرة بكل الأسباب المتنوعة التي تتأثر بها رغباتهم بشأن سلوك الغير، وهي أسباب متعددة بقدر تعدد الأسباب التي تقرر رغباتهم بشأن أي موضوع آخر. فالأسباب تارة عقلهم، وأخرى تحّيزهم أو خرافتهم، وكثيرا ما تكون عواطفهم المحبة للمجتمع أو الكارهة له، أو حسدهم أو غيرتهم، أو غطرستهم أو ازدراؤهم. وأكثر الأسباب شيوعا هي محبتهم لأنفسهم أو خوفهم عليها: أو مصلحتهم الشخصية المشروعة أو غير المشروعة. وحيثما وجدت طبقة عالية فان القسم الأكبر من أخلاق البلاد ينبثق عن مصالح تلك الطبقة وعن شعورها بالتفوق الطبقي. فالأخلاق بين الإسبارطيين وبين الأرقاء، بين المزارعين وبين الزنوج، بين الأمراء وبين الرعية، بين النبلاء وبين مستأجري أراضيهم، بين الرجال وبين النساء؛ هذه الأخلاق كانت في معظمها وليدة تلك المصالح والمشاعر الطبقية. والعواطف التي تتولد بهذه الطريقة يرتد مفعولها على المشاعر الأخلاقية لأعضاء الطبقة العليا في علاقاتهم فيما بينهم، أما حين توجد طبقة كانت سابقا عالية وفقدت تفوقها، أو كان تفوقها غير محبوب، فان العواطف الأخلاقية السائدة عندئذ غالبا ما تحمل معها طابع الكراهية الملحة للتفوق. وهناك مبدأ خطير آخر من المبادئ التي يفرضها القانون أو الرأي العام والتي تحدد قواعد السلوك في الفعل أو في رحابة الصدر، هذا المبدأ هو خنوع البشر تجاه ما يحبه أو ما يكرهه أسيادهم المؤقتون أو أصنامهم. إن هذا الخنوع، الذي هو في الأصل أناني، ليس رياء كله: إنه يثير عواطف أصيلة من المقت والكراهية، وقد دفع البشر إلى إحراق السحرة والمارقين. لقد كان لمصالح المجتمع حتما، العامة منها والواضحة، نصيب، ونصيب كبير، بين تلك العوامل الكثيرة التي عملت في توجيه العواطف الأخلاقية، ولكن ذلك لم يكن بدافع الفكر والعقل، أو بسبب قيمة العواطف نفسها، بقدر ما كان نتيجة التعاطف أو الكراهية الذَين انبثقا عن تلك العواطف نفسها. إن ذلك التعاطف وتلك الكراهية لم تكن لهما أي صلة بمصالح المجتمع، ولكنهما أثبتتا وجودهما كقوتين كبيرتين في إيجاد الفضائل.

هكذا فإن ما يحبه المجتمع وما يكرهه، أو ما يحبه وما يكرهه قسم كبير منه، هو العامل الرئيسي الذي حدد عمليا القواعد التي يجب مراعاتها من قبل الجميع تحت طائلة عقوبة القانون أو الرأي العام. وحين جاء أناس سبقوا المجتمع في التفكير والشعور فانهم بشكل عام تركوا الوضع الراهن دون ان يحملوا عليه من حيث المبدأ، رغما عن أنهم قد يكونوا قد تصادموا معه في بعض التفاصيل. فقد شغلوا أنفسهم ببحث ما يجب على المجتمع أن يحب أو يكره بدلا من البحث فيما إذا كان ما يحبه المجتمع أو يكرهه يجب أن يفرض كقانون على الأفراد. لقد آثروا أن يحاولوا تغيير شعور الناس تجاه النقاط التي كانوا هم أنفسهم يجحدونها بدلا من أن يتضافروا في الدفاع عن الحرية مع عموم الجاحدين. والقضية الوحيدة التي ثابروا فيها على جعل النقاش على مستوى عال وبناء على مبادئ هي قضية العقيدة الدينية: هذه القضية التي ناقشها أشخاص هنا وهناك ليست وسيلة تهذيب وتثقيف فحسب، بل هي أيضا مثال واضح على أن ما يَمّس بالحس الأخلاقي ليس معصوما عن الخطأ، لان عنف المشادات الدينية عند الجلّ المتعصب من أوضح الأمثلة على الحس الأخلاقي. إن أولئك الذين كانوا أول من حطم نِيْرَ ما كان يسمى بالكنيسة العالمية لم يكونوا يريدون السماح بوجود خلاف بين الآراء الدينية، شأنهم في ذلك شأن الكنيسة نفسها. ولكن لما برد وطيس المعركة دون أن يفوز أي فريق بانتصار حاسم، واضطرت كل كنيسة أو فرقة دينية إلى تحديد أمانيها إلى حد الاحتفاظ بما نالته من نفوذ، وجدت الأقليات، التي لم يكن لها أمل في أن تصبح أكثرية، نفسها مضطرة إلى أن تطلب ممن لم تكسبهم إلى جانبها أن يسمحوا لها بان تختلف عنهم. وفي هذا الميدان وحده تقريبا أمكن لحقوق الفرد ضد المجتمع أن تثبتت على أسس عامة من المبادئ وظهرت معارضة مكشوفة لادعاء المجتمع بحقه في ممارسة سلطة ضد المنشقين. إن الكّتاب الكبار الذين يدين لهم العالم بالفضل في ما أحرزه من حرية دينية قد أكدوا أن حرية الضمير حق لا يُقهر واستنكروا بشكل قاطع أن يكون الشخص مسؤولا أمام الآخرين عن عقيدته الدينية. إلا ان عدَم التسامح من طبيعة البشر في كل ما يهمهم حقيقةٌ، ولم تتحقق الحرية الدينية بصورة عملية في أي مكان إلا حيث دعمتها اللامبالاة الدينية التي تكره أن تُعكّر صفوها المنازعات اللاهوتية. ان عقل جميع المتدينين، حتى في اكثر البلاد تسامحا، يقر واجب التسامح ولكن مع تحفظات ضمنية. فقد يقبل شخص الاختلاف في شؤون حكم الكنيسة، ولكن لا في تعاليمها المقررة، وقد يتقبل آخر كل شخص عدا البابوي أو الموحِّد، وقد يتقبل ثالث كل من يؤمن بدين مُنزَل، وقد يوسع بعضهم حدود التسامح ولكنهم يقفون عند تحد الإيمان بالله والحياة الأخرى. اما حيث لا تزال عاطفة الأكثرية أصيلة وشديدة فإننا نجد أنها لم تخفف شيئا يذكر من غلوها في وجوب إطاعتها.

إن وطأة الرأي العام في إنكلترا أشد مما هي في اكثر بلاد أوروبا، على الرغم من أن وطأة القانون قد تكون أخف، وما ذلك إلا بسبب الظروف الخاصة لتاريخ إنكلترا السياسي. فهناك قلق بالغ من جراء التدخل المباشر في سلوك الفرد من قبل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، ولا يأتي ذلك عن مجرد الغيرة على استقلال الفرد بقدر ما يأتي عن العادة المستحكمة في النظر إلى الحكومة على انها تمثل مصلحة أخرى معارضة لمصلحة الشعب. فالأكثرية لم تتعلم بعد أن تشعر بأن سلطة الحكومة سلطتها، وآراءها آراؤها. ومتى تعلمت الأكثرية ذلك، فالأرجح أن تتعرض الحرية لغزو الحكومة بقدر ما هي معرضة الآن لغزو الرأي العام. ولكن لا يزال هناك قدر محترم من الشعور على استعداد للقيام ضد أية محاولة من قبل القانون للسيطرة على الأفراد في شؤون لم يسبق لهم أن تعودوا على سيطرة القانون فيها. وذلك بغض النظر عما إذا كان الأمر يدخل في نطاق سيطرة القانون المشروعة أو لا يدخل. إن هذا الشعور السليم بمجمله قد يكون أحيانا في غير محله. وليس هناك في الواقع أي مبدأ معترف به لقياس ملائمة أو عدم ملائمة التدخل الحكومي، وإنما يقرر الناس ذلك وفقا لأهوائهم الشخصية. فمنهم من يهيب بالحكومة إلى التدخل والعمل كلما رأى خيرا يجب فعله أو شرا يجب معالجته وتلافيه، بينما يفضل غيرهم أن يتحملوا أي مقدار كان من الشر الاجتماعي على أن يضيفوا إلى مصالح الناس التي تُخضع للسيطرة الحكومية مصالح أخرى. والناس يأخذون هذا الجانب أو ذاك في أي قضية وفق التوجيه العام لعواطفهم، أو وفقا لمقدار اهتمامهم بالأمر الذي يقترح أن تقوم به الحكومة، أو وفقا لاعتقادهم بأن الحكومة، سوف تؤديه أو لن تؤديه بالطريقة التي يفضلونها، ولكن قَلّ أن يكون أخذهم هذا الجانب أو ذاك بناء على رأي يتمسكون به حول الأمور التي يكون من المناسب أن تقوم بها الحكومة. وبناء على عدم وجود أي مبدأ أو قاعدة، يلوح لي ان كلا من الجانبين يخطئ الآخر، وأن تدخل الحكومة يتعادل فيه عدد المرات التي يساء فيها ابتغاؤه وعدد المرات التي يساء فيها استنكاره.

إن غرض هذا البحث هو تأكيد مبدأ بسيط جدا جدير بأن ينظم معاملات المجتمع مع الفرد من حيث الإكراه والسيطرة، أكانت الأساليب المستعملة قوة مادية على شكل عقوبات قانونية أم كانت الضغط المعنوي للرأي العام. إن ذلك المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تجيز للبشر، أفرادا كانوا أم جماعة، أن يتدخلوا في حرية أفعال أي واحد منهم إنما هي حماية الذات. أي إن الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة بحق في أي مجتمع متمدن على عضو منه رغم إرادته إنما هو دفع الأذى عن الغير. فلا يكفي أن يكون الهدف الخير الخاص للعضو، ماديا كان هذا الخير أم معنويا. ولا يجوز عدلا إرغامه على القيام بأمر أو على الامتناع عنه لأن ذلك خير له، أو لأن ذلك يجعله أسعد حالا، أو لأن الآخرين يرون أن من الحكمة والصواب فعل ذلك، إن هذه الأسباب كلها وجيهة، تنفع في التباحث معه، أو المناقشة معه، أو في إقناعه، أو في رجائه، ولكنها لا تبرر إرغامه أو إلحاق الأذى به إن فعل عكس ما يطلب منه. ولا يبرر ذلك إلا الحساب بأن السلوك الذي يقصد إبعاده عنه سوف ينجم عنه ضرر يصيب الغير: فالجزء الوحيد من سلوك أي فرد، الذي يكون مسؤولا عنه تجاه المجتمع، هو ذلك الذي يمس الغير. أما الجزء الذي يمس الشخص وحده فان استقلاله فيه مطلق وحق. فالفرد سيد على نفسه في عقله وفي جسمه.

قد يكون من الضروري أن نقول هنا إن هذا المذهب ينطبق فقط على أفراد النوع الإنساني الذين وصلوا إلى مرحلة النضوج في ملكاتهم. فنحن لا نتكلم في الواقع عن الأطفال أو الأحداث الذين هم دون السن التي يحددها القانون للرجولة أو لنضج النساء. أما الذين لا يزالون بحاجة إلى عناية الغير بهم، فتجب حمايتهم من أفعالهم كما تجب حمايتهم من الأذى الخارجي. كذلك يمكن للسبب نفسه أن نخرج من دائرة اعتباراتنا المجتمعات المتخلفة التي يمكن اعتبار الأقوام التي تؤلفها أقواما قاصرة. فالصعوبات المبكرة التي تعترض سبيل التقدم الذاتي من الخطورة بحيث لا يبقى هناك أي مجال للمفاضلة بين وسائل التغلب عليها. والحاكم المشبَّع بروح الإصلاح يجوز له أن يستعمل أي وسيلة توصله إلى الهدف الذي لا يبلغه بأي من الوسائل الأخرى. إن الاستبداد أسلوب شرعي في حكم البرابرة شريطة أن تكون الغاية تحسين حالهم، وتحقيق تلك الغاية فعلا يبرر تلك الواسطة. والحرية كمبدأ لا مجال لتطبيقها في أي من الحالات التي توجد قبل ذلك الوقت الذي يصبح فيه البشر قادرين على التحسن عن طريق المباحثات الحرة بين أطراف تحققت المساواة بينهم. حتى ذلك الحين لا يكون أمامهم إلا الطاعة لعاهل أو لملك جبار عادل إن أسعفهم حظهم بوجوده. ولكن ما ان يكتسب البشر القدرة على الانصياع إلى الاقتناع أو الإقناع في تحسين أحوالهم (وهذه مرحلة وصلت إليها منذ زمن بعيد كل الأمم التي يهمنا أمرها هنا) حتى يصبح الإكراه في شكله المباشر أو في شكل إيذاء المخالف وعقابه أمرا غير مقبول إذا قُصد استعماله كوسيلة لخيرهم، حتى وإن بقي مسموحا به في حالة ضمان أمن الغير.

من المناسب أن أذكر هنا أني أتنازل عن أي فائدة تدعم حجتي يمكن ان تأتيني من فكرة الحق المجرد كشيء مستقل عن المنفعة. فانا اعتبر المنفعة الملاذ النهائي في كل المسائل الأخلاقية: ولكنها يجب أن تكون المنفعة في أوسع معانيها، القائمة على مصالح الإنسان الدائمة من حيث هو مخلوق تقدمي. إن هذه المصالح كما أراها تسمح بإخضاع الفعل العفوي الفردي للقيد الخارجي في حالة واحدة فقط هي حين تكون أفعال الفرد ماسة بمصالح الآخرين.







1) تعليم اللغة.
2) تشكيل السلوك الانسانى للفرد.
3) تشكيل السلوك الاجتماعى للفرد.
4) اكساب الفرد ثقافة المجتمع.
5) الحفاظ على نسق القيم السائد فى المجتمع
6) تعليم المهارات.
(7 تشكيل شخصية الفرد.

2 ـ مراحل التنشئة السياسية :
تمر عملية التنشئة بعدد من المراحل التى ترتبط بنمو الفرد وتطوره، وهى مرحلة الطفولة ثم المراهقة وأخيراً النضج والاعتدال. ويتحدد السلوك السياسى للفرد فى مرحلة النضج بدرجة ما بخبرات التنشئة التى يكتسبها فى مرحلتى الطفولة والمراهقة.
ويتلقى الفرد فى كل مرحلة من هذه المراحل جزءاً من عملية التنشئة. كما يتعرض ايضاً فى كل مرحلة إلى أداة أو أكثر من أدوات التنشئة التى قد تكمل بعضها البعض أو قد يتعارض بعضها مع البعض الآخر.
فالإنسان فى مختلف مراحل حياته يعايش مؤسسات عديدة، بعضها مفروض عليه ـ كالأسرة أو المدرسة مثلاً ـ وبعضها الآخر إرادى ينضم إليه طوعاً دون ضغط، ويتلقى من كل هذه المؤسسات خبرات وقيم واتجاهات ومبادىء يختزنها فى ذاكرته ووجدانه لتساهم بطريق مباشر أو غير مباشر فى تحديد مواقفه وسلوكه بعد ذلك.

3 ـ أدوات التنشئة السياسية :
تتنوع وتتعدد الأدوات التى تلعب أدواراً رئيسية فى عملية التنشئة. فتحت تأثير الأسرة والمدرسة وجماعات الرفاق وأدوات الاعلام يكتسب الفرد قيماً ومعايير واتجاهات منها ما هو اجتماعى له آثاره السياسية، ومنها ما هو سياسى. وسوف نتناول هذه الأدوات على النحو التالى :
أ ـ الأســـرة :
تعتبر الأسرة من أهم أدوات التنشئة السياسية وأعظمها تأثيراً فى حياة الأفراد فهى أول جماعة يعيش فيها الفرد، وهى التى تقوم بإشباع حاجاته البيولوجية وما يرتبط بها من حاجات سيكولوجية واجتماعية خلال مراحل حياته الأولى، وهى التى تنقل إليه كافة المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التى تمكنه من أن يعيش حياة اجتماعية ناجحة بين أفراد المجتمع.
وقد أكدت معظم الكتابات التى تناولت التنشئة على أن الأسرة هى أهم أدوات التنشئة نظراً لما لها من تأثير حلزونى يمتد ليطوق كل الأدوات الأخرى مثل جماعات الرفاق والمدرسة والسلطة ووسائل الإعلام وغيرها.
وتعتبر الأسرة المدرسة الأساسية لكل طفل لأن ما يتعلمه فيها يبقى معه طوال حياته. فعن طريقها يكتسب قيمه الاجتماعية، ومعايير سلوكه، ويكتسب ضميره الآمر الناهى الذى يثيبه على خير ما يقوم به ويعاقبه على شر ما يقترفه، وعن طريقها ايضاً يكتسب الطفل المعايير العامة التى تفرضها أنماط الثقافة السائدة فى المجتمع.
ب ـ المدرسة :
وتقوم المدرسة بعملية التنشئة السياسية عن طريقين :
1) التثقيف السياسى : ويتم هذا التثقيف من خلال مواد معينة كالتربية الوطنية والتاريخ. وتهدف التربية الوطنية إلى تعريف التلميذ بحكومة بلده، وتحديد السلوك المتوقع منه، وزرع مشاعر الحب والولاء القومى فى نفسه، ويرمى تدريس التاريخ بما يتضمنه من انتصارات وهزائم إلى تعميق إحساس الطالب بالفخر والانتماء القوميين.
2) طبيعة النظام المدرسى : فالمدرسة وحدة اجتماعية لها طابعها الخاص الذى يساعد بدرجة كبيرة فى تشكيل إحساس التلميذ بالفاعلية الشخصية وفى تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعى القائم.
3) جماعة الرفاق :
تعرف جماعة الرفاق على أنها الجماعة التى تتكون من أصدقاء الطفل الذين يتقاربون فى أعمارهم وميولهم وهواياتهم، كما أنها الجماعة التى ينسب إليها الفرد سلوكه الاجتماعى ويقيمه فى إطار معاييرها وقيمها واتجاهاتها وأنماط سلوكها المختلفة.
وجماعات الرفاق لها دور فى التنشئة السياسية من خلال حث أعضائها أو الضغط عليهم ليعملوا وفق الاتجاهات وأنماط السلوك السياسية الى تقبلها الجماعة، فالفرد قد يصبح مهتماً بالسياسة أو متابعاً للأحداث السياسية لأن أحد أو بعض رفاقه المقربين يفعلون ذلك.
4) دور المؤسسات الدينية :
تقوم المؤسسات الدينية بدور كبير فى عملية التنشئة وذلك لما تتميز به من خصائص فريدة أهمها : إحاطتها بهالة من التقديس، وثبات وإيجابية المعايير السلوكية التى تعلمها للأفراد، والاجماع على تدعيمها.
والدين له مؤسساته التى تعمل على تحقيق أهدافه وغاياته السامية، ولا يقف الدين عند حدود العبادات وإقامة الشعائر الدينية، بل ان الدور الذى يقوم به فى تنشئة الأفراد يكاد يعكس آثاره على بقية المؤسسات الأخرى العاملة فى مجال الضبط الاجتماعى، ولذلك يعد الدين والمؤسسة التى تعمل على تحقيق أهدافه عنصراً أساسياً من عناصر التنشئة.
وتقوم المؤسسات الدينية بدورها فى عملية التنشئة من خلال:
• تعليم الفرد والجماعة التعاليم الدينية والمعايير السماوية التى تحكم سلوك الفرد بما يضمن سعادة الفرد والمجتمع.
• إمداد الفرد بسلوكيات أخلاقية.
• تنمية الضمير عند الفرد والجماعة.
• الدعوة إلى ترجمة التعاليم السماوية السامية إلى سلوك عملى.
• توحيد السلوك الاجتماعى والتقريب بين مختلف الطبقات الاجتماعية.
5) دور مؤسسات العمل :
وتؤثر مؤسسات العمل فى التنشئة من خلال ما يدور داخلها من علاقات واتصالات ومعاملات بين الرؤساء والمرؤوسين ، وبين العاملين فى هذه المؤسسات بعضهم البعض بحيث أنه كلما اتسمت هذه العلاقة بالود والتعاون والمشاركة فى اتخاذ القرارات ، وفى تسيير أمور المؤسسة، كلما كان الفرد أكثر ميلاً للمشاركة خارج نطاق العمل، أما إذا اتسمت هذه العلاقة بالحقد والكراهية والتسلط، كلما كان الفرد أكثر ميلاً إلى السلبية واللامبالاة فى داخل وخارج بيئة العمل.
6) دور الأحزاب السياسية :
تقوم الأحزاب السياسية بدور كبير فى عملية التنشئة من خلال غرس قيم ومفاهيم ومعتقدات سياسية معينة لدى الفرد، وذلك بهدف توجيه الأفراد وجهة سياسية معينة تتفق مع توجهات هذه الأحزاب، كما تم توضيحه فى العدد الثانى من هذه السلسلة عن الأحزاب.
وتقوم الأحزاب بهذا الدور من خلال ما تقدم من معلومات، وما تمارسه من تأثيرات على الآراء والقيم والاتجاهات السلوكية السياسية للجماهير، مستخدمة فى ذلك كل ما تملك من وسائل اتصال بالجماهير سواء كانت هذه الوسائل جماهيرية كالراديو والتليفزيون والصحف والمجلات والكتيبات والنشرات وغيرها، أو وسائل اتصال مباشر كالندوات والمؤتمرات والمحاضرات والاجتماعات والمناقشات والمقابلات التى ينظمها الحزب من أجل الوصول إلى أكبر قطاع ممكن من الجماهير.
وتقوم الأحزاب السياسية بدور مزدوج فى عملية التنشئة السياسية يتمثل فى دعم الثقافة السياسية السائدة، وخلق ثقافة سياسية جديدة.
7) دور وسائل الاتصال :
تؤدى هذه الوسائل من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون دوراً هاماً فى عملية التنشئة السياسية. إذ تزود الفرد بالمعلومات السياسية وتشارك فى تكوين وترسيخ قيمه السياسية . وفى المجتمعات المتقدمة تنتشر الوسائل الاعلامية على نطاق واسع وتقوم هذه الوسائل بنقل المعلومات عن قرارات وسياسات النخبة الحاكمة إلى الجماهير، ونقل المعلومات عن مطالب وردود فعل الجماهير إلى النخبة وهذا التدفق المستمر للمعلومات من أعلى إلى أسفل وبالعكس من شأنه العمل على تأكيد قيم الثقافة السياسية السائدة.
وقد عمدت القيادات السياسية فى الدول النامية إلى تطوير وسائل الاتصال الجماهيرى لتسهم فى تشكيل الثقافة السياسية الجديدة غير أنه توجد مجموعة من العوامل كالأمية وتدهور مستويات المعيشة والفقر والمرض وغياب التيار الكهربائى وعزلة القرية التى تحول دون تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الوسائل.
ويقتضى تعظيم الاستفادة من الوسائل الجماهيرية حدوث نوع من التعاون والتضافر فى الجهود التى تبذلها مؤسسات أخرى








منقول

هيون 2008
20-09-2007, 02:00 PM
مختارات من كتاب "بحث في الحرية"


الفصل الأول

المدخل: في حدود سلطة المجتمع على الفرد

ليس موضوع هذا البحث الحرية التي تسمى "حرية الإرادة" والتي تقابل لسوء الحظ ما يسمى خطأ بالضرورة الفلسفية، وإنما موضوعه: الحرية والمدنية، أو الاجتماعية، وطبيعة السلطة التي يمارسها المجتمع شرعيا على الأفراد، وحدودها. إنها مسألة قلّ أن عرضت، وندر أن بحثت بشكل عام، ولكنها مع ذلك ذات أثر عميق في مشاكل هذا العصر العملية لوجودها الكامن الخفي. واكثر الظن أنها سوف تبرز نفسها قريبا لتعتبر مسألة المستقبل الحيوية. إنها أبعد ما تكون عن الجيدة. ويمكن القول انها منذ أقدم العصور تقريبا قد شطرت العالم. أما في مرحلة التقدم الحالية التي دخلها اكثر أقوام النوع الإنساني حضارة، فإنها تعرض نفسها ضمن شروط جديدة وتتطلب معالجة جديدة وأكثر عمقا.

إن الصراع بين الحرية وبين السلطة أبرز ظاهرة في أقسام التواريخ التي نعرفها، وخاصة تاريخ اليونان وروما وإنكلترا. أما في العصور القديمة فقد كان هذا الصراع بين الرعية أو بعض طبقات الرعية وبين الحكومة، وكان المعنى المفهوم من الحرية الاحتماء من استبداد الحكام السياسيين. فقد كان هؤلاء الحكام (باستثناء بعض حكومات الإغريق الشعبية) يُنظر إليهم وكأنهم بالضرورة في وضع معاد للشعب الذي يحكمون. كان الحكم بيد حاكم فرد، أو بيد قبيلة حاكمة أو سلالة، وكانت سلطتهم آتية عن طريق الإرث أو الفتح، ولم تكن تمارس برضى المحكومين، ولم يكن أحد يجرؤ على منازعة تلك السيادة أو يرغب في ذلك رغم كل الاحتياطات التي كانت تتخذ لاتقاء ضغطها التعسفي. كانت النظرة إلى سلطانهم أنه ضروري وأنه عظيم الخطر في الوقت نفسه، فهو سلاح قد يحاولون استعماله ضد رعيتهم كما يحاولون استعماله ضد العدو الخارجي. كذلك كان من الضروري، حتى لا يقع الضعاف من أعضاء المجتمع فريسة ينهكها عدد لا يحصى من العقبان، أن يوجد هناك حيوان جارح يكون أقوى من الآخرين يُناط به أمر إخضاعها. ولكن، لما كان ملك العقبان ليس أقل ميلا إلى افتراس الرعية من أي نهاب سلاب آخر، فقد كانت الضرورة تقضي دائما باتخاذ خطة الدفاع ضد مخلبيه ومنقاره. لذلك كان هدف الوطنيين وضع حد للسلطة التي يجب أن يتحمل الحاكم مسؤولية ممارستها على المجتمع، وهذا التحديد هو ما عنوه بالحرية. حاولوا إرساء أسس هذا التحديد بطريقتين: الأولى هي الحصول على اعتراف ببعض الحصانات، تسمى الحريات أو الحقوق السياسية، كان انتهاكها من قبل الحاكم يعتبر إخلالا بواجبه، فإذا اقدم على انتهاكها كان في عمله ما يبرر المقاومة الخاصة أو الثورة الشاملة؛ أما الطريقة الثانية التي ظهرت بعد الأولى فكانت إقامة ضوابط دستورية بموجبها أصبحت موافقة المجتمع، أو أي هيئة يفترض انها تمثل مصالحه، شرطا لازما في بعض الإجراءات الهامة التي تريدها السلطة الحاكمة. لقد اضطرت السلطة الحاكمة في معظم البلاد الأوروبية إلى الرضوخ، نوعا ما، للطريقة الأولى. ولكن الحال لم يكن كذلك بالنسبة للطريقة الثانية: إذ أصبح الوصول إلى هذا النوع من التحديد أو إلى إكماله حين يكون جزء منه مؤمنا، اصبح ذلك في كل مكان الغرض الأساسي لمحبي الحرية. ولما اطمأن البشر إلى محاربة عدو بعدو آخر، وقنعوا بأن يُحكَموا من قبل سيد ضمن شروط تؤمن لهم نوعا من الحماية ضد استبداده، فانهم لم يعودوا يعملون ليدفعوا بأمانيهم إلى أبعد من هذه النقطة.

ثم جاء زمن رأى الناس فيه أن ليس من ضرورة طبيعية أن يكّون حكامهم سلطة مستقلة، تتعارض مصالحها مع مصالحهم. وبدا لهم أن الأفضل أن يكون أولئك الذين يستلمون شؤون الدولة وكلاء أو مندوبين عنهم يعزلونهم متى شاءوا. وظهر أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يعطيهم الضمانة التامة في أن لا يساء استعمال سلطة الحكم في غير صالحهم. هذا الطلب الجديد لحكام ينتخبون انتخابا لمدة مؤقتة أصبح تدريجيا الغرض الرئيسي لأي حزب شعبي أينما وجد حزب من هذا النوع. وأخذ هذا الطلب، إلى حد بعيد، مكان طلب الحد من سلطة الحكام الذي كانت تسعى إليه الجهود السابقة. وفيما كان النضال لجعل السلطة الحاكمة تنبثق عن انتخاب دوري من قبل المحكومين يسير في وجهته، أخذ بعض الناس يفكرون بأن الأهمية التي علقوها على مسألة تحديد السلطة نفسها كانت أكثر من اللازم، وان المسألة نفسها يمكن أن تكون مأخذا يؤخذ ضد الحكام الذين كانت مصالحهم عادة متضاربة مع مصالح الشعب. فما هو مطلوب الآن هو أن يكون الحكام متجاوبين مع الأمة وأن تكون مصالحهم وإرادتهم مصلحة الأمة وإرادتها. لن تحتاج الأمة إلى حماية من إرادتها الذاتية، وليس هناك خوف من أن تستبد بنفسها. ليكن الحكام مسؤولين عنها بطريقة مثمرة، وليكونوا عرضة للعزل من قِبَلِها، وعندها يمكن أن تمنحهم سلطات تستطيع هي أن تفرض أين يجب أن تُستعمل. وسلطتهم عندئذ ليست شيئا آخر سوى سلطة الأمة، وقد تمركزت بطريقة صالحة للتنفيذ.

أن هذا الأسلوب في التفكير، أو بالأحرى في الشعور، كان شائعا بين الأجيال الأخيرة من أحرار أوروبا، ولا يزال شائعا فيها حتى الآن كما يظهر. ويبقى أولئك الذين يقبلون فرض أي حد على ما يمكن أن تفعله الحكومة (إلا في حالة الحكومات التي يعتقدون أنها يجب أن لا توجد) يبقون قلة لامعين بين مفكري أوروبا السياسيين. إن أسلوبا في الشعور مماثلا لما ذكرت كان من الممكن أن يكون سائدا في بلادنا نفسها في هذا الوقت لو أن الظروف التي شجعته فترة من الزمن بقيت ولم تتبدل.

بيد أن النجاح في النظريات الفلسفية والسياسية، وفي الأشخاص أيضا يكشف عن عيوب وخطيئات قد يخفيها الفشل عن عين الملاحظ. فالرأي القائل بأن الشعب لا يحتاج إلى تحديد سلطته على نفسه قد يبدو حقيقة بديهية حين تكون الحكومة الشعبية مجرد حلم، أو مجرد شيء تقرأ عنه على أنه حدث في الماضي البعيد. ولم يتضايق هذا الرأي بما حدث من انحرافات مؤقتة كانحرافات الثورة الفرنسية التي جاء أسوأ ما فيها عن عمل قلة مغتصبة، والتي لم تكن في أي حال ناجمة عن عمل ثابت لمؤسسات شعبية بل عن ثورة فجائية اضطرابية قامت ضد استبداد الملك والطبقة الأرستقراطية. ولكن قامت مع الزمن جمهورية ديمقراطية احتلت حيزا واسعا من سطح الكرة الأرضية وأثبتت وجودها كواحدة من أقوى أعضاء مجموعة الأمم، وبذلك وضعت حكومة منتخبة ومسؤولة موضع الانتقادات والملاحظات التي تنتظر حقيقة واقعية كبرى. وقد تبين عندئذ ان عبارات مثل "الحكم الذاتي" و"سلطة الشعب على نفسه" لا تعبر عن حقيقة الوضع الراهن. فـ "الشعب" الذي يمارس السلطة ليس دائما نفس الشعب الذي يخضع لها، و"الحكم الذاتي" الذي يتحدث عنه ليس حكم كل فرد من قبل نفسه بل حكم كل فرد من قبل كل الآخرين. وإرادة الشعب، إضافة إلى ذلك، إنما تعني عمليا إرادة العدد الأكبر أو إرادة الجزء الأكثر نشاطا من الشعب (إرادة الأكثرية)، أو أولئك الذين ينجحون في جعل أنفسهم مقبولين على أنهم الأكثرية. فقد يجوز بنتيجة ذلك أن يرغب الشعب في اضطهاد قسم من أفراده. وهنا يصبح من الضروري أن يُتخذ ضد هذا الأمر من الاحتياطات ما يُتخذ ضد أي نوع آخر من سوء استعمال السلطة وعليه تحديد سلطة الحكومة على الأفراد لا يفقد شيئا من أهميته عندما يكون القابضون على زمام السلطة مسؤولين بانتظام أمام المجتمع، أي أمام أقوى حزب فيه. وإن وجهة النظر هذه التي استساغتها على السواء عقلية المفكرين وميول الطبقات الهامة في المجتمع الأوروبي التي تتعارض مصالحها الحقيقية أو المفروضة مع الديمقراطية، لم تلاق صعوبة في تثبيت نفسها. وأصبح التفكير السياسي عامة يشمل مسألة "استبداد الأكثرية" في عداد الشرور التي يجب على المجتمع أن يظل على حذر منها.

كان أكثر الناس ولا يزالون يخشون طغيان الأكثرية كما يخشون سائر أنواع الطغيان الأخرى، وذلك لأنه ينفّذ في الغالب عن طريق إجراءات السلطات العامة. ولكن رجال الفكر يرون أن المجتمع حين يكون هو نفسه الطاغية (أي حين يكون المجتمع بجملته ضد الأفراد) فان ذلك يعني أن أساليب طغيانه لا تنحصر بالإجراءات التي يمكن أن ينفذها عن طريق موظفيه السياسيين. إن المجتمع قادر على إصدار الأوامر وعلى تنفيذها بنفسه. فإذا أصدر أوامر خاطئة بدلا من الصحيحة، أو إن أصدر أوامر في شؤون يجب أن لا يتدخل فيها، فإنه يمارس بذلك طغيانا اجتماعيا هو أشد عتوا من كثير من ألوان الاضطهاد السياسي لأنه، وإن لم تدعمه عادة عقوبات شديدة، فان وسائل النجاة التي يتركها قليلة، وهو ينفذ إلى الصميم في كثير من نواحي الحياة، ويستعبد الروح ذاتها. لهذا كان الاحتماء من طغيان الحكام غير كاف، وكان لا بد من حماية ضد طغيان الآراء والمشاعر الشائعة، وضد ميل المجتمع لان يفرض (دون اللجوء إلى العقوبات المدنية) آراءه الخاصة وطقوسه كقواعد للسلوك، يفرضها حتى على أولئك الذين لا يوافقون عليها، ليكبل النمو والتطور، ويمنع إن أمكن تكوين أي شخصية فردية لا تكون منسجمة مع طرقه، ويجبر كل الطبائع على تكييف نفسها طبق أنموذج من صنعه هو. إن هنالك حدا للتدخل المشروع في استقلال الفرد من قبل الرأي الجماعي. وإن إيجاد ذلك الحد وصيانته من التجاوز أو الاعتداء عليه لازم لحسن سلامة شؤون الناس لزوم الاحتماء من الاستبداد السياسي.

ولكن لئن كان من غير المتوقع أن تناقش هذه القضية بصورة عامة. فإن السؤال العملي: أين يجب وضع الحد، وكيف يمكن تحقيق التوفيق المناسب بين الاستقلال الفردي وبين السيطرة الاجتماعية؟ هذا السؤال يبقى الموضوع الذي عليه يتوقف كل شيء تقريبا.

إن كل ما يجعل للوجود قيمة في نظر أي شخص مرتكز على تنفيذ الضوابط التي تضبط أفعال الآخرين. فيجب إذن فرض بعض قواعد للسلوك عن طريق القانون أولا، ثم عن طريق الرأي العام في الأشياء الكثيرة التي لا تكون قابلة للإجراءات القانونية. أما ما هي هذه القيود اللازمة، فهذا هو السؤال الرئيسي في شؤون البشر.

إننا إذا استثنينا بعض المسائل الواضحة جدا، فان السؤال السابق يبقى بين المسائل التي لم يصل السعي وراء حل لها إلا إلى قدر ضئيل من التقدم. فلم يُعطِ عصران أو بلدان حلا واحدا له. لا بل إن الحل الذي قال به عصر أو بلد كان موضع استغراب الآخر وتعجبه. ومع كل ذلك فان الناس في أي عصر أو بلد لم يعودوا يرتابون بوجود أي صعوبة فيه، وكأنه موضوع كان الناس متفقين دائما حوله. والقواعد يجري بها العرف بينهم تبدو لهم جلية في حد ذاتها، ولا تحتاج إلى تبرير. إن هذا الوهم العام ليس إلا واحدا من الأمثلة على التأثير السحري للعرف، هذا العرف الذي يؤخذ لا على انه، كما يقول المثل، طبيعة ثانية فقط، بل يؤخذ دائما وخطأ على أنه طبيعة أولى. إن أثر هذا العرف في إزالة أي شك يمكن أن يعلق في نفوس الناس بشأن قواعد الأخلاق التي يفرضها الناس بعضهم على بعض هو في ازدياد مستمر لأن الموضوع أمر لا يوجد بشأنه اتفاق عام بأنه يحتاج إلى تبرير، لا من قِبَل شخص نحو الآخرين، ولا من قِبَل شخص نحو نفسه. فقد اعتاد الناس أن يعتقدوا أن مشاعرهم حول موضوعات من هذا النوع هي أفضل من الأسباب، وانها تجعل التعليل غير ضروري، وقد شجعهم على هذا الاعتقاد جماعة يطمحون في أن يكونوا بين الفلاسفة. والمبدأ العملي الذي يرشد هؤلاء الناس إلى آرائهم في تنظيم السلوك البشري هو الشعور الموجود في رأس كل منهم بأن على الجميع أن يفعلوا كما يريدهم هو ومن على شاكلته أن يفعلوا.

لا يعترف أحد في الواقع أمام نفسه أن مقياسه في الأحكام مبني على ما يحب ويرغب، ولكن الرأي الذي يُعطى في مسألة مسلكية ولا يكون مشفوعا بالأسباب لا يعدو كونه تفضيلا شخصيا. فإذا ذُكرت الأسباب ولم تكن شيئا آخر سوى تفضيلا مماثلا شعر به آخرون، بقي الأمر مجرد رغبة أناس كثيرين بدلا من واحد. إن هذا التفضيل الشخصي الذي يؤيده بهذه الطريقة تفضيل الآخرين ليس سببا كافيا وكاملا فحسب بالنسبة للشخص العادي، بل إنه السبب الوحيد عنده الذي به يبرر عادة أيا من آرائه في الأخلاق، أو الذوق، أو اللياقة حين لا تكون هذه الآراء مكتوبة صراحة في عقيدته الدينية، لا بل إنه أيضا مرشده الرئيسي في تفسيره حتى لتلك العقيدة. وهكذا تكون آراء الناس حول ما هو ممدوح أو مذموم متأثرة بكل الأسباب المتنوعة التي تتأثر بها رغباتهم بشأن سلوك الغير، وهي أسباب متعددة بقدر تعدد الأسباب التي تقرر رغباتهم بشأن أي موضوع آخر. فالأسباب تارة عقلهم، وأخرى تحّيزهم أو خرافتهم، وكثيرا ما تكون عواطفهم المحبة للمجتمع أو الكارهة له، أو حسدهم أو غيرتهم، أو غطرستهم أو ازدراؤهم. وأكثر الأسباب شيوعا هي محبتهم لأنفسهم أو خوفهم عليها: أو مصلحتهم الشخصية المشروعة أو غير المشروعة. وحيثما وجدت طبقة عالية فان القسم الأكبر من أخلاق البلاد ينبثق عن مصالح تلك الطبقة وعن شعورها بالتفوق الطبقي. فالأخلاق بين الإسبارطيين وبين الأرقاء، بين المزارعين وبين الزنوج، بين الأمراء وبين الرعية، بين النبلاء وبين مستأجري أراضيهم، بين الرجال وبين النساء؛ هذه الأخلاق كانت في معظمها وليدة تلك المصالح والمشاعر الطبقية. والعواطف التي تتولد بهذه الطريقة يرتد مفعولها على المشاعر الأخلاقية لأعضاء الطبقة العليا في علاقاتهم فيما بينهم، أما حين توجد طبقة كانت سابقا عالية وفقدت تفوقها، أو كان تفوقها غير محبوب، فان العواطف الأخلاقية السائدة عندئذ غالبا ما تحمل معها طابع الكراهية الملحة للتفوق. وهناك مبدأ خطير آخر من المبادئ التي يفرضها القانون أو الرأي العام والتي تحدد قواعد السلوك في الفعل أو في رحابة الصدر، هذا المبدأ هو خنوع البشر تجاه ما يحبه أو ما يكرهه أسيادهم المؤقتون أو أصنامهم. إن هذا الخنوع، الذي هو في الأصل أناني، ليس رياء كله: إنه يثير عواطف أصيلة من المقت والكراهية، وقد دفع البشر إلى إحراق السحرة والمارقين. لقد كان لمصالح المجتمع حتما، العامة منها والواضحة، نصيب، ونصيب كبير، بين تلك العوامل الكثيرة التي عملت في توجيه العواطف الأخلاقية، ولكن ذلك لم يكن بدافع الفكر والعقل، أو بسبب قيمة العواطف نفسها، بقدر ما كان نتيجة التعاطف أو الكراهية الذَين انبثقا عن تلك العواطف نفسها. إن ذلك التعاطف وتلك الكراهية لم تكن لهما أي صلة بمصالح المجتمع، ولكنهما أثبتتا وجودهما كقوتين كبيرتين في إيجاد الفضائل.

هكذا فإن ما يحبه المجتمع وما يكرهه، أو ما يحبه وما يكرهه قسم كبير منه، هو العامل الرئيسي الذي حدد عمليا القواعد التي يجب مراعاتها من قبل الجميع تحت طائلة عقوبة القانون أو الرأي العام. وحين جاء أناس سبقوا المجتمع في التفكير والشعور فانهم بشكل عام تركوا الوضع الراهن دون ان يحملوا عليه من حيث المبدأ، رغما عن أنهم قد يكونوا قد تصادموا معه في بعض التفاصيل. فقد شغلوا أنفسهم ببحث ما يجب على المجتمع أن يحب أو يكره بدلا من البحث فيما إذا كان ما يحبه المجتمع أو يكرهه يجب أن يفرض كقانون على الأفراد. لقد آثروا أن يحاولوا تغيير شعور الناس تجاه النقاط التي كانوا هم أنفسهم يجحدونها بدلا من أن يتضافروا في الدفاع عن الحرية مع عموم الجاحدين. والقضية الوحيدة التي ثابروا فيها على جعل النقاش على مستوى عال وبناء على مبادئ هي قضية العقيدة الدينية: هذه القضية التي ناقشها أشخاص هنا وهناك ليست وسيلة تهذيب وتثقيف فحسب، بل هي أيضا مثال واضح على أن ما يَمّس بالحس الأخلاقي ليس معصوما عن الخطأ، لان عنف المشادات الدينية عند الجلّ المتعصب من أوضح الأمثلة على الحس الأخلاقي. إن أولئك الذين كانوا أول من حطم نِيْرَ ما كان يسمى بالكنيسة العالمية لم يكونوا يريدون السماح بوجود خلاف بين الآراء الدينية، شأنهم في ذلك شأن الكنيسة نفسها. ولكن لما برد وطيس المعركة دون أن يفوز أي فريق بانتصار حاسم، واضطرت كل كنيسة أو فرقة دينية إلى تحديد أمانيها إلى حد الاحتفاظ بما نالته من نفوذ، وجدت الأقليات، التي لم يكن لها أمل في أن تصبح أكثرية، نفسها مضطرة إلى أن تطلب ممن لم تكسبهم إلى جانبها أن يسمحوا لها بان تختلف عنهم. وفي هذا الميدان وحده تقريبا أمكن لحقوق الفرد ضد المجتمع أن تثبتت على أسس عامة من المبادئ وظهرت معارضة مكشوفة لادعاء المجتمع بحقه في ممارسة سلطة ضد المنشقين. إن الكّتاب الكبار الذين يدين لهم العالم بالفضل في ما أحرزه من حرية دينية قد أكدوا أن حرية الضمير حق لا يُقهر واستنكروا بشكل قاطع أن يكون الشخص مسؤولا أمام الآخرين عن عقيدته الدينية. إلا ان عدَم التسامح من طبيعة البشر في كل ما يهمهم حقيقةٌ، ولم تتحقق الحرية الدينية بصورة عملية في أي مكان إلا حيث دعمتها اللامبالاة الدينية التي تكره أن تُعكّر صفوها المنازعات اللاهوتية. ان عقل جميع المتدينين، حتى في اكثر البلاد تسامحا، يقر واجب التسامح ولكن مع تحفظات ضمنية. فقد يقبل شخص الاختلاف في شؤون حكم الكنيسة، ولكن لا في تعاليمها المقررة، وقد يتقبل آخر كل شخص عدا البابوي أو الموحِّد، وقد يتقبل ثالث كل من يؤمن بدين مُنزَل، وقد يوسع بعضهم حدود التسامح ولكنهم يقفون عند تحد الإيمان بالله والحياة الأخرى. اما حيث لا تزال عاطفة الأكثرية أصيلة وشديدة فإننا نجد أنها لم تخفف شيئا يذكر من غلوها في وجوب إطاعتها.

إن وطأة الرأي العام في إنكلترا أشد مما هي في اكثر بلاد أوروبا، على الرغم من أن وطأة القانون قد تكون أخف، وما ذلك إلا بسبب الظروف الخاصة لتاريخ إنكلترا السياسي. فهناك قلق بالغ من جراء التدخل المباشر في سلوك الفرد من قبل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، ولا يأتي ذلك عن مجرد الغيرة على استقلال الفرد بقدر ما يأتي عن العادة المستحكمة في النظر إلى الحكومة على انها تمثل مصلحة أخرى معارضة لمصلحة الشعب. فالأكثرية لم تتعلم بعد أن تشعر بأن سلطة الحكومة سلطتها، وآراءها آراؤها. ومتى تعلمت الأكثرية ذلك، فالأرجح أن تتعرض الحرية لغزو الحكومة بقدر ما هي معرضة الآن لغزو الرأي العام. ولكن لا يزال هناك قدر محترم من الشعور على استعداد للقيام ضد أية محاولة من قبل القانون للسيطرة على الأفراد في شؤون لم يسبق لهم أن تعودوا على سيطرة القانون فيها. وذلك بغض النظر عما إذا كان الأمر يدخل في نطاق سيطرة القانون المشروعة أو لا يدخل. إن هذا الشعور السليم بمجمله قد يكون أحيانا في غير محله. وليس هناك في الواقع أي مبدأ معترف به لقياس ملائمة أو عدم ملائمة التدخل الحكومي، وإنما يقرر الناس ذلك وفقا لأهوائهم الشخصية. فمنهم من يهيب بالحكومة إلى التدخل والعمل كلما رأى خيرا يجب فعله أو شرا يجب معالجته وتلافيه، بينما يفضل غيرهم أن يتحملوا أي مقدار كان من الشر الاجتماعي على أن يضيفوا إلى مصالح الناس التي تُخضع للسيطرة الحكومية مصالح أخرى. والناس يأخذون هذا الجانب أو ذاك في أي قضية وفق التوجيه العام لعواطفهم، أو وفقا لمقدار اهتمامهم بالأمر الذي يقترح أن تقوم به الحكومة، أو وفقا لاعتقادهم بأن الحكومة، سوف تؤديه أو لن تؤديه بالطريقة التي يفضلونها، ولكن قَلّ أن يكون أخذهم هذا الجانب أو ذاك بناء على رأي يتمسكون به حول الأمور التي يكون من المناسب أن تقوم بها الحكومة. وبناء على عدم وجود أي مبدأ أو قاعدة، يلوح لي ان كلا من الجانبين يخطئ الآخر، وأن تدخل الحكومة يتعادل فيه عدد المرات التي يساء فيها ابتغاؤه وعدد المرات التي يساء فيها استنكاره.

إن غرض هذا البحث هو تأكيد مبدأ بسيط جدا جدير بأن ينظم معاملات المجتمع مع الفرد من حيث الإكراه والسيطرة، أكانت الأساليب المستعملة قوة مادية على شكل عقوبات قانونية أم كانت الضغط المعنوي للرأي العام. إن ذلك المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تجيز للبشر، أفرادا كانوا أم جماعة، أن يتدخلوا في حرية أفعال أي واحد منهم إنما هي حماية الذات. أي إن الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة بحق في أي مجتمع متمدن على عضو منه رغم إرادته إنما هو دفع الأذى عن الغير. فلا يكفي أن يكون الهدف الخير الخاص للعضو، ماديا كان هذا الخير أم معنويا. ولا يجوز عدلا إرغامه على القيام بأمر أو على الامتناع عنه لأن ذلك خير له، أو لأن ذلك يجعله أسعد حالا، أو لأن الآخرين يرون أن من الحكمة والصواب فعل ذلك، إن هذه الأسباب كلها وجيهة، تنفع في التباحث معه، أو المناقشة معه، أو في إقناعه، أو في رجائه، ولكنها لا تبرر إرغامه أو إلحاق الأذى به إن فعل عكس ما يطلب منه. ولا يبرر ذلك إلا الحساب بأن السلوك الذي يقصد إبعاده عنه سوف ينجم عنه ضرر يصيب الغير: فالجزء الوحيد من سلوك أي فرد، الذي يكون مسؤولا عنه تجاه المجتمع، هو ذلك الذي يمس الغير. أما الجزء الذي يمس الشخص وحده فان استقلاله فيه مطلق وحق. فالفرد سيد على نفسه في عقله وفي جسمه.

قد يكون من الضروري أن نقول هنا إن هذا المذهب ينطبق فقط على أفراد النوع الإنساني الذين وصلوا إلى مرحلة النضوج في ملكاتهم. فنحن لا نتكلم في الواقع عن الأطفال أو الأحداث الذين هم دون السن التي يحددها القانون للرجولة أو لنضج النساء. أما الذين لا يزالون بحاجة إلى عناية الغير بهم، فتجب حمايتهم من أفعالهم كما تجب حمايتهم من الأذى الخارجي. كذلك يمكن للسبب نفسه أن نخرج من دائرة اعتباراتنا المجتمعات المتخلفة التي يمكن اعتبار الأقوام التي تؤلفها أقواما قاصرة. فالصعوبات المبكرة التي تعترض سبيل التقدم الذاتي من الخطورة بحيث لا يبقى هناك أي مجال للمفاضلة بين وسائل التغلب عليها. والحاكم المشبَّع بروح الإصلاح يجوز له أن يستعمل أي وسيلة توصله إلى الهدف الذي لا يبلغه بأي من الوسائل الأخرى. إن الاستبداد أسلوب شرعي في حكم البرابرة شريطة أن تكون الغاية تحسين حالهم، وتحقيق تلك الغاية فعلا يبرر تلك الواسطة. والحرية كمبدأ لا مجال لتطبيقها في أي من الحالات التي توجد قبل ذلك الوقت الذي يصبح فيه البشر قادرين على التحسن عن طريق المباحثات الحرة بين أطراف تحققت المساواة بينهم. حتى ذلك الحين لا يكون أمامهم إلا الطاعة لعاهل أو لملك جبار عادل إن أسعفهم حظهم بوجوده. ولكن ما ان يكتسب البشر القدرة على الانصياع إلى الاقتناع أو الإقناع في تحسين أحوالهم (وهذه مرحلة وصلت إليها منذ زمن بعيد كل الأمم التي يهمنا أمرها هنا) حتى يصبح الإكراه في شكله المباشر أو في شكل إيذاء المخالف وعقابه أمرا غير مقبول إذا قُصد استعماله كوسيلة لخيرهم، حتى وإن بقي مسموحا به في حالة ضمان أمن الغير.

من المناسب أن أذكر هنا أني أتنازل عن أي فائدة تدعم حجتي يمكن ان تأتيني من فكرة الحق المجرد كشيء مستقل عن المنفعة. فانا اعتبر المنفعة الملاذ النهائي في كل المسائل الأخلاقية: ولكنها يجب أن تكون المنفعة في أوسع معانيها، القائمة على مصالح الإنسان الدائمة من حيث هو مخلوق تقدمي. إن هذه المصالح كما أراها تسمح بإخضاع الفعل العفوي الفردي للقيد الخارجي في حالة واحدة فقط هي حين تكون أفعال الفرد ماسة بمصالح الآخرين.










منقول

هيون 2008
20-09-2007, 02:07 PM
رابعاً : آفاق جديدة لمشاركة الشباب فى قضايا الوطن
يعد التعليم المدنى أحد القضايا بالغة الأهمية مع بداية القرن الجديد لاعتبارات اقتصادية واجتماعية وثقافية عديدة وهو يعنى التعليم السياسى أى التشكيل الثقافى بغرض تكوين
المواطن المشارك فى نظام حكم صالح بكل شروطه ومقوماته، وتنبع هذه الأهمية من عدة ظواهر لعل فى مقدمتها.. العولمة بكل الفرص والمخاطر التى تطرحها ومناخ الأزمات المتشابكة وضرورات إدارة التغيير ـ الأمر الذى يملى حتمية التركيز على بناء وقدرات وتنمية مهارات الإنسان الذى يستطيع أن يتعامل بذكاء واقتدار مع كل هذه التحديات.
ومثلما ننادى باستثمار الثورة العلمية التكنولوجية والاسراع بمعدلات التنمية الشاملة والمتواصلة وإيجاد طبقة جديدة من المستثمرين الجدد وشباب رجال الأعمال، لابد أيضا من تدريب أبنائنا وبناتنا على المشاركة الواعية والسلوك الرشيد كمواطنين لهم حق المشاركة فى الانتخابات والحياة العامة واختيار الحكام والمفاضلة بين السياسات المطروحة، بل وبذل مجهود عملى لإنجاز التنمية الذاتية والنهضة الوطنية، لأن التنمية والاستثمار وتحسين الانتاجية وثمار التقدم مهددة فى حالة غياب نظام سياسى ديمقراطى يضمن توسيع المشاركة فى صنع القرار وحرية الاختيار القومى.
فالتعليم السياسى فى مفهومه المعاصر بهدف تنمية المجتمع المدنى ليس تعليماً حزبياً وإنما يقوم على التعددية الثقافية والدينية والاجتماعية، وهو بمثابة دعوة مفتوحة للمشاركة فى الشئون العامة فكراً وقولاً وعملاً بهدف تأمين الوحدة الوطنية.
والواقع أنه فى المجتمعات المعاصرة يلعب نظام التعليم دوراً محورياً فى إعداد النخبة السياسية وتأهيل حكام الغد من القيادات والمرؤوسين .. وتتوقف أبعاد هذا الدور على غاية العملية التعليمية فى مختلف المراحل وعلى امتداد سنى الدراسة من الطفولة فالصبا حتى الشباب فى إطار فلسفة النظام السياسى.
فقد تكون الغاية هى تخريج الموظفين والفنيين وقد تتسع لتكوين وإعداد المواطن الراشد والانسان الايجابى. كل ذلك من منطلق أن التعليم الذى نعنيه أوسع بكثير من مفهوم التعليم المدرسى والجامعى ليشمل الثقافة والاعلام والتدريب والصحة والرعاية وكل صور التنمية البشرية بل والتنمية السياسية التى تشمل تقاليد الحكم والممارسات الدستورية ومستوى المشاركة الديمقراطية والمساهمة فى التنمية.
وجدير بالذكر أن التعليم المدنى أو التعليم السياسى للشباب ليس مسئولية مؤسسات التربية والتعليم كالمدارس والجامعات ومراكز الشباب فقط، بل انه يمتد إلى جميع المنظمات التى تشارك فى التنشئة السياسية للمواطنين مثل الأسرة والنادى ودور العبادة والخدمة العسكرية، وأجهزة الاعلام والمنظمات الأهلية التطوعية.
ومن جهة أخرى فإن آفاق التعليم السياسى الذى يستهدف تنمية فعاليات المجتمع المدنى الجديد الذى نحاول ارساءه بدلاً من المجتمع التقليدى العسكرى الموروث ـ يشمل العديد من الاهتمامات والمسئوليات التى يتوجب على الشباب فتيات وفتيان القيام بها ـ مع الأخذ فى الاعتبار توسيع مفهوم العمل السياسى والمشاركة الشعبية ـ لتشمل فى ظروف الاقطار النامية أهمية بث روح الخدمة العامة والعمل التطوعى لدى الشباب وهكذا تشمل قائمة مهام التعليم المدنى والعمل الاجتماعى أنشطة عديدة مثل :محو الأمية وترشيد المستهلك وحماية البيئة ، وقيد المواطنين فى جداول الانتخابات والتنمية المحلية وأصدقاء السائح وحملات النظافة وهناك ايضا العديد من القضايا الأخرى مثل قوافل العلاج التى تخدم العشوائيات والريف والتدريب على مهارات العصر وتنظيم الرحلات الترفيهية من خلال أعرف بلدك.
كما يزخر العمل التطوعى والعام بكثير من مناحى النشاط مثل القرية المنتجة والتعاون مع المحليات ومعسكرات الجوالة والكشافة وكذا مشروعات التخلص من القمامة وتجفيف البرك وتطهير الترع والمصارف ومكافحة الذباب وتشجير الشوارع ومشروعات التنمية المحلية مقابل أجور رمزية يوفرها رجال الأعمال.(وغير ذلك من الأنشطة التى سيرد ذكرها فى الملحق).
إن التعليم المدنى هو الباب المفتوح أمام شبابنا لتأهيلهم للقرن الجديد وإعداد مجتمعنا للنهضة الوطنية. وفى هذا الإطار نؤكد على أهمية الانتقال بالتعليم من مرحلة التلقين إلى مرحلة الممارسة فأذكر أننى خضت تجربة شخصية خلال تدريسى لمقرر العلوم السياسية لطلاب الجامعة فى كليات مختلفة حيث تبين لى عدم جدوى الاعتماد على التلقين واستظهار المقرر الذى يتحدث عن الانتخابات والمشاركة والحقوق والحريات السياسية دون ممارسة يومية أو تدريبية لها. فكان أن كلفت الطلاب كجزء من الواجبات الأكاديمية قيد أسمائهم فى جداول الانتخابات حين بلوغهم سن الثامنة عشر. كما قاموا أيضاً بالزيارات الميدانية للمجلس الشعبى المحلى والاتصال الشخصى بأعضاء البرلمان وإجراء الاستطلاعات المبسطة للتعرف على اتجاهات الرأى العام تجاه القضايا المختلفة.
وقد ثبت من إجابات الطلاب وتجاربهم الشخصية أن العقبات الإدارية والقيود البيروقراطية وموقف موظفى السجل المدنى تشكل صعوبات جمة أمام المشاركة الديموقراطية، وبالتالى تحتاج اصلاحاً عاجلاً والأهم همة عالية لدى الشباب تقوى من تصميمهم على اقتحام الجديد وأخذ زمام المبادرة فى العمل السياسى. وقد استعان الطلاب بالنماذج المرفقة لإجراء بحوثهم الميدانية التى أتاحت لهم خبرة عملية أعمق بالواقع المحلى والوطنى. (انظر الملحق المرفق كتدريب على التعليم بالممارسة).
وهنا يثار سؤال أساسى :
ما هى المجالات التى يستطيع الشباب أن يقتحمها للمشاركة بجهده وفكره وعقله وعرقه ؟
وإذا تهيأت مقومات المشاركة الناجحة أمام الشباب :
• فتوفرت قاعدة بيانات أولية تفيد فى توضيح كيفية التعامل معه.
• وتمت دراسة المنظمات والمؤسسات التى تعمل فى مجال الشباب ومبيناً إيجابياتها وسلبياتها.
• وأحطنا الشباب علماً بقضايا مجتمعه.
• وسعينا فى اتجاه تلبية احتياجاته وحل مشاكله.
• واعتمدنا على أسلوب الحوافز المادية والمعنوية لشحذ همته وحفز طاقته.
• وأوجدنا نموذج القدوة الذى يمكن أن يحاكيه الشباب.
• على ضوء ذلك كله : ماذا عساه أن يفعل ؟ وما هى المجالات التى يمكن أن يشارك فيها الشباب ؟
هذا ما سوف نوضحه من خلال النقاط التالية :
1 - المشروع القومى للشباب :
ينبغى استثمار طاقات أولئك الذين لا يذهبون إلى الخدمة العسكرية لسبب أو لآخر. وايجاد المشروع القومى للشباب الذى يقوم بتجميع هؤلاء الشباب تحت راية وزارة الشباب والرياضة وتوجيههم للعمل فى مشروعات خدمة الوطن.
وبناء على ذلك تتحول مراكز الشباب فى المدن والقوى الى خلية نحل، وعلى ضوء احتياجات المدينة أو القرية أو الحى يوزع الشباب إلى مجموعات أو تشكيلات تتولى كل مجموعة منها عملاً معيناً : فهذه تنظف منطقة ، وتلك تشجر طريقاً ، وأخرى تستصلح ارضاً ورابعة تمحو الأمية.
وينبغى فى النهاية أن نقوم بعملية تقويم للجهد المبذول، ونمنح المجيدين منهم الحوافز المادية والمعنوية. ومن الممكن تقديم الثقافة السياسية لهؤلاء الشباب وهو يعمل فى خدمة الوطن (ثقافة واقعية قائمة على الممارسة).
2 - كتائب العمل فى زوايا تخصصية :
تعد جامعاتنا الشباب لأداء أدوار معينة، ويا حبذا لو اعتبرنا جهودهم فى الخدمة الوطنية والتطوعية من مشروعات التخرج بحيث يقومون بأعمال تدخل ضمن صميم تخصصاتهم.
فهذه كتائب الصحة لطلبة الطب والتمريض تنطلق تحت إشراف أساتذتهم لتزاول الارتقاء لوطنها من خلال علاج غير القادرين فى المدن والقوى والمستشفيات. وهذه كتائب التربية والتعليم لطلاب كليات التربية تمحو الأمية وتقدم الشرح والتفسير فى نواحى معرفية لغير القادرين. وهذه كتائب التعمير لطلبة الهندسة والفنون ترصف طريقاً أو تساهم فى بناء مدرسة. ويمكن أن تجمع هذه المعسكرات أو الكتائب بين تقديم الخدمة التطوعية والترفيه إلى جانب تقديم الثقافة السياسية الواقعية من خلال نماذج المشاركة.
3 - مجالات مشاركة على صعيد العديد من المؤسسات :
ينبغى تشجيع الشباب ولفت أنظارهم إلى أن المشاركة متاحة ومتعددة بتعدد المؤسسات التى يتاح لهم المرور من خلالها وتتمثل فى المؤسسات الآتية :
فى المدرسة :
? يشارك فى نظافة مدرسته بجمع القمامة وتوجيه النصح للطلاب الذين لا يحرصون على نظافة مدرستهم.
? يعد لوحة أو يرسم صورة تزين واجهة مدرسته.
? يتعلم المشاركة مع الآخرين فى إخراج يوم دراسى ناجح.
? يقرا نشرة الصباح لزملائه.
? يشترك مع جماعة الصحافة أو جماعة الخطابة أو جماعة المسرح.
فى الجامعة :
? تنظيم ندوات تثقيفية وتوجيهية للطلاب بشكل مستمر.
? دخول الطالب فى حوار مع أساتذته وزملائه ويتعلم كيف يعرض رأيه فى إطار عدم التعصب له (تعليم الحوار البناء وبرلمان الشباب).
? يساهم فى اختيار من يمثله فى الاتحادات الطلابية.
? يرشح نفسه إذا وجد فى نفسه كفاءة.
? أن يعرض برنامجه الانتخابى أمام الآخرين.
? يستخدم وسائل الاتصال المتاحة فى حدود امكاناته وظروفه.
? يلتحق بعضوية الأسر الطلابية التى تقدم ألوانا من النشاط يعود عليه بالنفع وعلى الآخرين بالفائدة. ومن خلال ذلك يتعلم القيادة والمبادأة وتحمل المسئولية والتعاون مع الآخرين.
? لا يحرم نفسه من الاشتراك فى المعسكرات الشبابية الطلابية التى تعود الطلاب على العمل الجماعى والتعاون ويتعلم كيف يوجه نشاطه لخدمة المجتمع.
فى العمل :
سواء كان يعمل فى إدارة حكومية أو مؤسسة عامة أو خاصة فإنه يمكن أن يقتحم مجالات المشاركة التالية :
? يشارك بإبداء الرأى ليعرف مشاكله أو يقترح سبلاً لتطوير العمل أو تطوير الانتاج.
? يحافظ على نظافة مكتبه ومقر عمله.
? يشارك فى إنشاء صندوق للزمالة.
? يصبح عضواً فاعلاً فى نقابة أو اتحاد أو غرفة أو يرشح نفسه لقيادتها أو النهوض بأحد مهامها الرئيسية.
? يشارك زملاءه مناسباتهم الخاصة أو يشارك مؤسسته فى المناسبات الخاصة بها (ذكرى الانشاء أو مرور 25 عاماً أو افتتاح فرع جديد أو الاحتفال بتكريم شخصية معينة).

4 - الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث :
تعرف البيئة على أنها كل ما هو خارج ذات الانسان ويحيط به بشكل مباشر أو غير مباشر، وجميع النشاطات والمؤشرات التى يستجيب لها ويدركها من خلال وسائل الاتصال المختلفة المتوافرة لديه، ويشمل ذلك تراث الماضى من عادات وتقاليد وأعراف ومكتشفات الحاضر. والانسان هو المستفيد الأول من البيئة النظيفة وهو الخاسر الأول الذى يعانى إذا كانت بيئته ملوثة.
ومن هنا كان لزاماً على الشباب أن يشارك فى المشروعات الخاصة بالبيئة وفى الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم إماطة الأذى عن الطريق صدقة . وعليه أن يتعلم الحفاظ على بيئته نظيفة فلا يلوثها بالقاء القاذورات فى غير الأماكن المخصصة لها. ويتعامل مع مياه الأنهار بأسلوب حضارى فلا يلقى فيها مخلفاته وحيواناته النافقة ولا يرصع جوانبها ببقايا مأكله وملبسه وعوادمه ومخلفاته. عليه أن يساهم بجهوده لتنظيف الأماكن القذرة والخربة واخلاء ما بها من مخلفات وقاذورات وإعدادها لتكون حدائق عامة ومتنزهات.

5 - المساهمة فى مشروع محو الأمية :
إذا كانت الأمية فى مصر تقترب فى نسبتها من 60 % فإن هذه المشكلة تتطلب تضافر الجهود لحلها وما دام الشباب جزءاً له أهميته فلا ينبغى أن تواجه المشكلة فى غيبة جهوده واسهاماته.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرض على كل أسير من المشتركين فى غزوة بدر ممن يعرفون القراءة والكتابة أن يعلم عشرة من المسلمين إدراكاً منه لخطورة الأمية والجهل.
وتتأتى مساهمة الشباب فى حل هذه المشكلة من زاويتين :
أ. القيام بمحو أمية غيره إذا كان من المتعلمين.
ب . الانضمام إلى قوافل مشروعات محو الأمية كطالب دارس إن كان من الأميين. وعندما تمحى أميته فإنه يقدم لنفسه ومجتمعه أجمل هدية ويصبح أكثر وعياً بما يدور حوله وأكثر قدرة على الاستفادة من المصادر المتاحة للمعلومات فى عصرنا الراهن.

6 - التصدى لبعض القيم المعوقة للتنمية :
نستطيع أن نحشد جهود شباب الجامعات وخريجيها للتصدى لبعض السلوكيات التى تعوق جهود التنمية. ويمكن أن نشركهم فى دورات تدريبية لزيادة وعيهم ببعض هذه القضايا. وبعد ذلك تنطلق قوافلهم تجوب المدن والقوى ببث الوعى والمعرفة.
ونستطيع أن نضرب مثلاً على ذلك بقضية الإسراف والتبذير وإهدرا الموارد. ويتم توجيه الدعوة لترشيد الأنماط السلوكية السائدة فى الأفراح والمآتم والأعياد الدينية والتى تصاحبها صور الإسراف والتبذير.
ويكون ضمن عوامل نجاح هذه الحملات أن نلجأ إلى القيم الدينية ونحسن توظيفها. وفى القرآن الكريم ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين الأنعام / 141 وقوله تعالى : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً الاسراء / 27.
وقوله صلى الله عليه وسلم لا تسرف ولو كنت على نهر جار وقوله أيضاً الاقتصاد فى النفقة نصف المعيشة.
7 - ممارسة حق التصويت :
إن حرية الرأى ليست منحة قوانين وضعية ، وليست هبة من أحد وإنما هى أمر حث الله الإنسان عليه. فالدين يعطينى هذا الحق وفى نفس الوقت يحملنى واجباً : هو أن استغل هذا الحق ولا أعطله.
وبناء على ذلك فإن جموع الشباب مطالبون أن يقيدوا أنفسهم فى جداول الانتخابات وعندما تكون هناك فرصة للادلاء بالرأى فلا يترددون فى الذهاب إلى مكان أو لجان الانتخاب للادلاء بأصواتهم وانتخاب رئيس الجمهورية أو اختيار أعضاء البرلمان أو المجلس المحلى أو النقابة ... الخ. كما نتوقع من الشباب أن يحظى بعضوية الأحزاب ويرشح نفسه فى الانتخابات.

8 - الاشتراك فى أنشطة مواجهة الأزمات :
أصبحت الأزمات فى عالمنا المعاصر تحدث بشكل يومى حتى أصبحت الأزمات جزءاً من حياة أى مجتمع أو منظمة.
وتعرف الأزمات على أنها أحداث مفاجئة تتسبب عند وقوعها فى خسائر بشرية أو مادية بالنسبة لجماعة من الناس، مما يؤدى إلى درجة من التوتر فى النسيج الاجتماعى لهذه الجماعة. فالأزمة مثلث يتكون من التهديد المفاجىء وضيق الوقت ونقص المعلومات.
وإذا كانت الأزمة فى ملامحها تتطلب علاجاً يتم على نحو من السرعة والمرونة فى الإجراءات والتدخل الفورى وعمل الفريق وتضافر الجهود والتصدى لها يجب أن يتم بمعزل عن جهود الشباب ومشاركاتهم ويجب أن تستنفر هممهم للتعاون مع الغير والاشتراك مع الآخرين لحصار الآثار السلبية للكوارث والازمات التى تقع ـ لا قدر الله ـ فى المجتمع كالزلازل والحرائق والسيول والفيضانات والحوادث المفجعة.

9 - مجالات أخرى للمشاركة :
• طبقاً لفلسفة المسئولية الاجتماعية السائدة فى عديد من المجتمعات المتقدمة يصبح لزاماً على الفرد القادر والمنظمة القادرة أن تمد يد المساعدة والعون للمجتمع من خلال التبرع لبناء مدرسة، أو رصف طريق أو إقامة مستشفى، أو التبرع بشراء جهاز طبى. ولا يشترط أن يكون الدعم ماديا فيمكن أن يكون من خلال العمل وبذل الجهد.
• ينبغى أن يوجه الشباب للمشاركة والتعاون مع بعض القطاعات والأجهزة لتحقيق بعض الأهداف السامية أصدقاء المرور، اصدقاء الاعلام ، التبرع بالدم الهلال الأحمر.
• الاشتراك فى المسابقات الرياضية والثقافية التى تدور فى المدرسة والجامعة والنادى والشركة والمؤسسة.
ينبغى أن يقبل الشباب على التعاون والاستفادة من مشروع مبارك للخريجين ، أو مشروع منح الأراضى للشباب، أو الافادة من الصندوق الاجتماعى .


المصدر :
مركز الدراسات السياسية و الإستراتيجية

قد يظهر هذا المذهب غير جديد وقد يبدو لبعضهم كحقيقة أولية بديهية، ولكن بالرغم من ذلك ليس هناك مذهب آخر يتعارض مع الاتجاه العام للرأي العام والعرف الحاليين كما يتعارض هذا المذهب. فلقد بذل المجتمع جهودا جبارة في محاولة إرغام الناس على الامتثال لآرائه في الصلاح الشخصي والاجتماعي. وكانت الدول القديمة تظن، وأيّدها الفلاسفة القدماء في ذلك، ان من حقها ممارسة تنظيم كل ناحية من نواحي السلوك الخاص بواسطة السلطة العامة بدعوى ان الدولة شديدة الاهتمام بالتربية الجسدية والعقلية لكل واحد من مواطنيها، وهذه طريقة في التفكير يمكن قبولها بالنسبة لجمهوريات صغيرة محاطة بأعداء أقوياء، وهي في خطر دائم من هجوم خارجي أو اضطراب داخلي، وقد تكون فيها الفترة القصيرة من التراخي وإعطاء الأفراد أمر قيادة أنفسهم، السبب في ضربة قاضية تصيبها بحيث لا تستطيع عندئذ انتظار الخيرات الدائمة التي تنجم عن الحرية. أما في العالم الحديث فان اتساع المجتمعات السياسية، وفصل السلطات الروحية عن السلطات الزمنية (الذي وضع إدارة ضمائر الناس في أيد غير الأيدي التي تهيمن على شؤونهم الدنيوية) قد حالا دون تدخل القانون كثيرا في دقائق الحياة الخاصة. ولكن آلات الضغط المعنوي ضد الانحراف عن الرأي