View Full Version : بليييييييييييييييييييييييز ساعدوني :(
delo hadeelo
17-04-2006, 01:31 PM
هااي
ممكن بليييييييييييييز تساعدوني بغيت معلومات عن المقامات البغدادية لباجر الله يخليكم ساعدوني
مشكورين
نسايم ليل
17-04-2006, 08:20 PM
تفضل اخوي
رَوى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: ندَوْتُ بضَواحي الزّوْراء. معَ مشيخَةٍ منَ الشّعراء. لا يعْلَقُ لهُمْ مُبارٍ بغُبارٍ. ولا يجْري معهُمْ مُمارٍ في مِضْمارٍ. فأفَضْنا في حديثٍ يفضَحُ الأزهارَ. إلى أنْ نصَفْنا النّهارَ. فلمّا غاضَ دَرُّ الأفْكارِ. وصبَتِ النّفوسُ الى الأوْكارِ. لمحْنا عجوزاً تُقبِلُ منَ البُعْدِ. وتُحضِرُ إحْضارَ الجُرْدِ. وقدِ استَتْلَتْ صِبيَةً أنحَفَ منَ المَغازِلِ. وأضعَفَ منَ الجَوازِلِ. فما كذّبَتْ إذ رأتْنا. أن عرَتْنا. حتى إذا ما حضرَتْنا. قالت: حيّا اللهُ المَعارِفَ. وإنْ لم يكُنّ معارِفَ. إعلَموا يا مآلَ الآمِلِ. وثِمالَ الأرامِل. أنّي منْ سرَواتِ القَبائِلِ. وسَريّاتِ العقائِلِ. لمْ يزَلْ أهلي وبعْلي يحُلّونَ الصّدْرَ. ويَسيرونَ القلْبَ. ويُمْطونَ الظّهْرَ. ويولونَ اليَدَ. فلمّا أرْدَى الدّهرُ الأعْضادَ. وفجعَ بالجَوارِحِ الأكْبادَ. وانقلَبَ ظهْراً لبَطْنٍ. نَبا النّاظِرُ. وجَفا الحاجِبُ. وذهبَتِ العينُ. وفُقِدَتِ الرّاحةُ. وصلَدَ الزَّنْدُ. ووَهَنتِ اليَمينُ. وضاعَ اليَسارُ. وبانَتِ المَرافِقُ. ولم يبْقَ لنا ثَنيّةٌ ولا نابٌ. فمُذُ اغْبرّ العيشُ الأخضَرُ. وازْوَرّ المحْبوبُ الأصفَرُ. اسوَدّ يوْمي الأبيضُ. وابيَضّ فَوْدي الأسوَدُ. حتى رثَى ليَ العدوّ الأزرَقُ. فحبّذا الموتُ الأحمَرُ! وتِلْوِي مَنْ ترَوْنَ عينُهُ فُرارُهُ. وترْجُمانُهُ اصْفِرارُهُ. قُصْوى بِغيَةِ أحدِهِمْ ثُرْدَةٌ. وقُصارَى أمْنِيّتِه بُردَةٌ. وكنتُ آلَيتُ أنْ لا أبذُلَ الحُرّ. إلا للحُرّ. ولوْ أني مُتُّ منَ الضُرّ. وقد ناجَتْني القَرونَةُ. بأنْ توجَدَ عندَكُمُ المَعونَةُ. وآذنَتْني فِراسَةُ الحوْباء. بأنّكُمْ ينابيعُ الحِباء. فنضّرَ اللهُ امرأً أبَرّ قسَمي. وصدّقَ توسُّمي. ونظَرَ إليّ بعَينٍ يُقذيها الجُمودُ. ويُقذّيها الجودُ. قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فهِمْنا لبَراعَةِ عِبارَتِها. ومُلَحِ استِعارَتِها. وقُلْنا لها: قد فتَنَ كلامُكِ. فكيفَ إلحامُكِ؟ فقالتْ: أفجّرُ الصّخْرَ. ولا فخْرَ! فقُلْنا: إن جعلْتِنا منْ رُواتِكِ. لم نبْخَلْ بمؤاساتِكِ. فقالت: لأُريَنّكُمْ أوّلاً شِعاري. ثمّ لأرَوّيَنّكُمْ أشْعاري. فأبرَزَتْ رُدْنَ دِرْعٍ دَريسٍ. وبرَزَتْ بِرْزةَ عجوزٍ درْدَبيسٍ. وأنْشأتْ تقول:
أشكو إلى اللهِ اشتِكاءَ الـمـريضْ *** ريْبَ الزّمانِ المتعدّي البَـغـيضْ
يا قومُ إني مـنْ أُنـاسٍ غَـنُـوا *** دهراً وجفنُ الدهرِ عنهُمْ غَضيضْ
فخـارُهُـمْ لـيسَ لـهُ دافِــعٌ *** وصيتُهُمْ بينَ الوَرى مُستَـفـيضْ
كانوا إذا مـا نُـجـعَةٌ أعـوزَتْ *** في السّنةِ الشّهباء روْضاً أرِيضْ
تُشَبّ لـلـسّـارينَ نـيرانُـهُـمْ *** ويُطعِمون الضّيفَ لحْماً غَريضْ
ما باتَ جـارٌ لـهُـمُ سـاغِـبـاً *** ولا لرَوْعٍ قال حالَ الـجَـريضْ
فغيّضَتْ منهُمْ صُـروفُ الـرّدى *** بِحارَ جودٍ لمْ نخَلْـهـا تَـغـيضْ
وأُودِعَتْ منهُمْ بُطـونُ الـثّـرى *** أُسْدَ التّحامي وأُساةَ الـمَـريضْ
فمحْمَلي بعْدَ المطـايا الـمـطـا *** وموطِني بعْدَ اليفاعِ الحضـيضْ
وأفرُخي ما تأتَلـي تـشـتَـكـي *** بؤساً لهُ فـي كـلّ يومٍ ومـيضْ
إذا دَعا الـقـانِـتُ فـي لـيلِـهِ *** موْلاهُ نـادَوْهُ بـدمْـعٍ يَفــيضْ
يا رازِقَ النّعّـابِ فـي عُـشّـهِ *** وجابِرَ العظْمِ الكَسيرِ المَـهـيضْ
أتِحْ لنا اللـهُـمّ مَـنْ عِـرضُـهُ *** منْ دنَسِ الذّمّ نـقـيٌ رحـيضْ
يُطفِئ نارَ الجـوعِ عـنّـا ولـوْ *** بمَذْقَةٍ منْ حـاِرزٍ أو مَـخـيضْ
فهلْ فتًى يكشِـفُ مـا نـابَـهُـمْ *** ويغنَمُ الشّكْرَ الطّويلَ الـعـريضْ
فوالّذي تعْنـو الـنّـواصـي لـهُ *** يومَ وجوهُ الجمعِ سـودٌ وبـيضْ
لولاهُمُ لمْ تـبْـدُ لـي صـفـحَةٌ *** ولا تصدّيْتُ لنَظْـمِ الـقَـريضْ
قال الرّاوي: فوَاللهِ لقدْ صدّعتْ بأبياتِها أعْشارَ القُلوبِ. واستخْرَجَتْ خَبايا الجُيوبِ. حتى ماحَها مَنْ دينُهُ الامْتِناحُ. وارْتاحَ لرِفدِها مَنْ لمْ نخَلْهُ يرْتاحُ. فلمّا افْعَوْعَمَ جَيبُها تِبْراً. وأوْلاها كلٌ مِنّا بِرّاً. تولّتْ يتْلوها الأصاغِرُ. وفُوها بالشّكْرِ فاغرٌ. فاشْرَأبّتِ الجَماعةُ بعْدَ مَمَرّها. الى سبْرِها لتَبْلوَ مواقِعَ بِرّها. فكفَلْتُ لهُمْ باستِنْباطِ السرّ المرْموزِ. ونهضْتُ أقْفو أثرَ العَجوزِ. حتى انتهَتْ إلى سوقٍ مُغتَصّةٍ بالأنام. مُختصّةٍ بالزّحامِ. فانغَمَسَتْ في الغُمارِ. وامّلَسَتْ منَ الصّبْيَةِ الأغْمارِ. ثمّ عاجَتْ بخُلُوّ بالٍ. إلى مسجِدٍ خالٍ. فأماطَتِ الجِلْبابَ. ونضَتِ النّقابَ. وأنا ألمَحُها منْ خَصاصِ البابِ. وأرقُبُ ما ستُبْدي منَ العُجابِ. فلمّا انسرَتْ أُهبَةُ الخفَرِ. رأيتُ مُحَيّا أبي زيدٍ قد سفَرَ. فهمَمْتُ أن أهْجُمَ عليْهِ. لأعنّفَهُ على ما أجْرى إليْهِ. فاسْلَنْقَى اسلِنْقاءَ المتمرّدينَ. ثمّ رفَعَ عَقيرةَ المغرّدينَ. واندفَعَ يُنشِدُ:
يا لَيتَ شِعري أدَهْـري *** أحاطَ عِلْمـاً بـقَـدْري
وهلْ دَرَي كُنْهَ غـوْري *** في الخَدْع أم ليس يدْري
كمْ قدْ قمَـرْتُ بَـنـيهِ *** بحيلَتـي وبـمَـكْـري
وكمْ بـرزَتْ بـعُـرْفٍ *** علـيهِـمِ وبِـنُـكْـرِ
أصْطادُ قوْماً بـوَعْـظٍ *** وآخـرينَ بـشِـعْـرِ
وأسـتـفِـزُّ بـخَــلٍّ *** عقْلاً وعَقْلاً بخَـمْـرِ
وتـارَةً أنـا صـخْـرٌ *** وتارَةً أُختُ صـخْـرِ
ولوْ سلَـكْـتُ سَـبـيلاً *** مألوفَةً طولَ عُمـري
لَخابَ قِدْحي وقَـدْحـي *** ودامَ عُسْري وخُسْـري
فقُـلْ لـمَـنْ لامَ هـذا *** عُذري فدونَكَ عُـذري
قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا ظهرْتُ على جليّةِ أمرِهِ. وبَديعَةِ أمْرِهِ. وما زخْرَفَ في شِعرِه منْ عُذرِهِ. علِمْتُ أنّ شيطانَهُ المَريدَ. لا يسمَعُ التّفْنيدَ. ولا يفعَلُ إلا ما يُريدُ. فثنَيْتُ إلى أصحابي عِناني. وأبثَثْتُهُمْ ما أثبتَهُ عِياني. فوجَموا لضَيْعَةِ الجوائِزِ. وتعاهَدوا على محرَمَةِ العَجائِزِ.
نسايم ليل
17-04-2006, 08:21 PM
وذي موضوع ثاني
فن المقامة النديمى
د. مصطفى الصاوى الجوينى
صور عبد الله النديم مضامينه الفكرية فى تشكيلات أدبية تنوعت بين الخطبة والرسالة والمقالة والمقاومة والتمثيلية والشعر والزجل. وتناول أدبه الفصحى والعامية وأحسب أن النديم كان يشكل فكره فى النوع الأدبى الذى يراه ملائماً له وأصحاب الفكر المبدعين لا يلتزمون دوما تفصيلات النوع الأدبى الذى يصبون فكرهم فيه، ويقنعون بالمعالم الفنية الرئيسية للأنواع الأدبية لأن همهم الأكبر هو المضمون وعبد الله النديم أحد هؤلاء وقد اخترت فن المقامة عنده من بين إبداعاته الأدبية للعوامل الآتية:
- أن المقامة لم تأخذ حظها من الدرس فى أدبنا العربى
- وأن مجرد تحديدها يحتاج إلى مراجعة قالوا إنها (فن الكدية) والأصح أنها فن التصوير الاجتماعى، هذا فى بواكير نشأتها بينما تعددت بعد ذلك وظائفها.
- ولقد قام بناؤها الفنى على عناصر الرواية والبطل والسرد والحوار ولغتها موسيقية زخرفية، مرصعة بالقرآن وموشاة بالشعر. وخضعت المقامة للتحول المستمر الذى يدور مع الزمان والمكان ومع المبدع نفسه.
وهناك عناصر أساسية فيما رأيناه من مقامات عند النديم وذلك فى كتابه "المسامير" ونختار منها المسمار الثانى وأحد عناصره المقامية المعنون (فى سرد قصة إبليس إلى العارف الرئيسى) الراوية (الشريف أبو هاشم) والعنصر الثانى هو المملى (العارف بالله أبو القاسم) وهذان العنصران يتكرران فى المقامة الثامنة وعنوانها: (فى إيراد إبليس البرهان على وحدانية الرحمن) وفى المسمار التاسع الذى جعل عنوانه: (فى تفريق إبليس مجتمع الإسلام بدس الشبه والأوهام) يخلو من الراوية والمملى ويكتفى فيه النديم بالحوار بين إبليس والعارف بالله وفى مقامة (التتور المسجور فى المفاخرة بين السفينة والوابور) نجد الحوار يدور فى السفينة والوابور. وهكذا نجد أن عنصر السرد والحوار القصصى ثابت الدوران فى مقامات النديم بينما الراوية والمملى يبرزان فى المقامات حينا ويختفيان أحياناً.
ولعل عنصر المملى عنصر فنى مضاف فى فن المقامة من ابتداع عبد الله النديم
السرد: أما عنصر السرد فهو العنصر الغالب الذى يسود مقامات النديم ويلونها بلون القص والحكاية ولنمضى مع النديم فى مسماره الثانى يسرد
أ?- لما أصبح الصباح بكى إبليس وناح -ثم كفكف دموعه عندما هدأت روعه
ب?- نموذج ثان هو سرد إبليس حواره مع الله (بينما كنت ألاطف بين الملائكة وأنادم قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم وعمم الأمر فى أهل الرحاب وأدخلنى ضمن الخطاب فعصيته فى حضرته وأنا أعلم بأمر قدرته وجادلته جدال العنيد وأنا أعلم أنى من جملة العبيد ومن غير يجادل مولاه.
يقول (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى وأنا كاره لاستعلاء آدم على، فقلت قول الشياطين: أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين) وطال الجدال إلى أن قال: اخرج منها مذموما مدحوراً، ثم يأخذ النديم ما تناثر من حوار بين الله وإبليس فى سور متفرقات.
ج- ثم يسرد إبليس قصة تلميذه الذى تأبلس عليه (وبينما أنا فى فرح وسرور بما أجلبه من المصائب والشرور، بليت بداهية دهياء ومصيبة عمياء، إذا طرق الوجود ضليل تعيس من نسل كنعان لا من نسل ولد إبليس، فالتزمته وأدبته وعلمته التشطين وهذبته فعاد إلىّ وأضلنى عن الرشاد وأوقعنى مع جندى فى الفساد، ولى معه قصة، أنا منها فى غصة، وهو سبب حزنى وعنائى وهو جالب غمى وهمى وبلائى)، وقد برز الحوار فى هذا الجزء من المقامة الثانية مرة واحدة والذى جرى على النحو التالى قال العارف بالله: اشف منى الغليل بسرد قصتك مع هذا الضليل
فقال قصتى طويلة عريضة وبنيتى لم تزل مريضة فانظرنى ثلاثة أيام حتى تخف بمؤانستك الآلام وبعدها أخبرك خبر هذا التعيس لتعلم أنه أحق باللعن من إبليس، وينهى النديم مقاماته بدعاء إلى الله أن يجعل تلميذه المتأبلس فدى له فى النار يقول شعرا والشعر عنصر من عناصر المقامة وهو تقليد أدبى من تقاليدها:
أصبحت أرجو رحمة الغفار
قد عطل الملعون كل وظائفى
لو كنت أعلم أن ذلك كائن
إذ لا لزوم لنا وذلك حاضر
يارب أنت العدل فاحكم بيننا
بوجود هذا الفاجر الكفار
من وقفة الديوث للخمار
لسجدت طوع التمر للقهار
فهو الخبيث خلاصة الأشرار
أأنا أم الملعون أهل النار
وإذا كان ما مر بنا فى المقامة السابقة السرد عنصر غالب فيها فإن الحوار فى هذه المقامة الثامنة (فى إيراد إبليس البرهان على وحدانية الرحمن) هو العنصر السائد ويبينه إبليس على أساس عبارة أقول ويعنى بها تلبيساته وشبهه وحوار القرآن ويسبقه فيقول:
ومثاله:
- أقول لكل انسان أن يسمى أى شئ إلها بلا نكير ولا لوم
- فيقول: الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم
- أقول: هو الله وله شركاء من كل حى
- فيقول: الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يعقل ذلكم من شئ
- أقول: هو الخالق ولكنه ترك للطبيعة التطويل والإنشاء
- فيقول: الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء.
- أقول: ترك للأرحام التطويل عند اعتدال المزاج للحفظ والإنماء
- فيقول: هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء.
والملاحظ هنا على عبد الله النديم أنه قد يسوق الآيات خارجاً بذلك عن بنائه الفنى لأوزان العبارات.
وإذا كان عنصر الحوار فيه أخذ وعطاء بأسلوب البرهان والمنطق أو المغالطة فقد جرى أسلوب النديم على نحو تقريرى سرعان ما تدب فى العبارة بعد ذلك حيوية الفن حين يعرض النديم تقديم أساليب الحيلة والتشكيك عند إبليس الذى أزعجه أن يرى العباد يقرون بالوحدانية وللإله بالعبودية.
يقول إبليس شارداً:
"فأى صبر أراه لى مطاعاً، وأنا أرى الناس يدخلون فى الإسلام سراعاً، حتى صار ربع العالم من ذوى الألباب. متعبداً بما جاء به هذا الكتاب وإذا اقتربت من عابد استغفر. وأن وسوست لغوى استنفر. وتاب عن ذنبه وأقلع وتكرنى أنزع تزعى وأقلع وتركنى أنزع نزعى وأقلع، وطالما حاولت صرف أولى الألباب أو تغيير حرف من هذا الكتاب فتقطعت أسباب حيلتى وفكرى وحادت عن الغرض سهام فكرى"
ثم يبث حزنه الدفين فى شعر ينطقه على لسانه نختار منه أبياتا وأن كان يغلب على هذا الشعر سمة النظم يقول إبليس:
وحى كنور الصبح فى صحو السما
ما كان للأمى أن يأتى به
قهر الجميع محمد بكتابه
ما قادنى فى شل آدم غيره
ثم انطوت أيامه وكتابه
حفظوه فى لوح القلوب تعبدا
ما أنكرته سوى قلوب ذوى العمى
من عنده فأخو القراءة أفحما
لما أحال على العقول وحكما
لولاه ما كان الوجود تقدما
يتلى ويخصم جاحدا متجرما
فعجزت عن تغييره لمن انتمى
وفى المقامة نجد المحاور طول الوقت هو إبليس ماضيا فى سرد شبهه يقول العارف الله: ماذا أحدثت من التدليس بعد مجئ القرآن بهذا البرهان.
فيقول إبليس:
"فإنى لما عجزت عن رد هذه الآيات فتحت للناس معرضة الوحى بالعقليات لأضعف اتقادهم فى الوحى المبين بالحدس والتخمين"
ويأخذ إبليس فى سرد تساؤلات تعد تدخلاً فى حكمة الله وولوجا لحرم لا يبغى الاقتراب منه فالإيمان والمقدور على العباد ليس محل سؤال يقول إبليس فى أسئلته: "ثم إنه لعننى وأخرجنى من الجنة، وجعلنى مطروداً مع الجنة وأنا ما أتيت بقبيح من الأفعال أو الأقوال وإنما قلب لا أسجد لغير ذى الجلال وحيث أنه أشقانى وما أسعدنى وطردنى من رحمته وأبعدنى فلما سهل لى الوصول إلى الجنة، حتى وسوست لآدم وحرمته من تلك المنة، وما الحكمة فى تسهيل هذا الدخول، ولو منعنى لبقى آدم خالداً فيها تعذر الوصول. سلطتى على أولاده من بعده وجعل وسوستى ملهية لهم عن وعيده ووعده وما الحكمة فى ذلك ولو تركهم على الفطرة لحفظوا من المهالك وإن سلمت أن هذا كله لحكمة ولم أبد فى المعارضة كلمة، فلم انظرنى إلى يوم يبعثون، ويسرد إبليس قصة إضلاله للعباد فى الدين، والمعتقد بدأ مع البشرية بعبادة المحسوس وانتهى بعد الإسلام يشبه العقول يقول ساردا دوره فى صناعته لأديان أهل الضلال ومعتقداتهم:
"حيث علمت الناس مقابلة الأمر الربانى، ينظر العقل الانسانى، وطلب العلة فى الكون والفساد، والبحث فى حكمة الإعدام والإيجاد والوقوف بالمعقولات عند ظواهر المحسوسات وإرجاع معجزات الأنبياء إلى الشعوذة والسيمياء ترجع إلى قولى أكثر الناس وأوقعوا غيرهم فى الشك والالتباس، حتى امتلأت الأرض بالأديان المتعددة والمذاهب المتجددة، وخفى الحق إلا على القليل فمن عرفوا الله بالبرهان والدليل فما جاء دين الإسلام دخلت بالعقليات فتشعبت الأفكار وظهر الطعن والإنكار وانقسم الفريق الواحد إلى فرقاء وتخاذل الإخوان والأصدقاء"
ثم يصور إبليس كيف تشققت هذه الأصول العقلية إلى فروع عارضاً لتاريخ أمهات الفرق الإسلامية يقول سارداً ومؤرخاً:
"وكل فرقة صارت أصلاً لفروع، خالف فيها التابع المتبوع فقد انقسمت المعتزلة والقدرية إلى جهنمية وغيلانية، وواصلية وعبيدية وهذيلية ونظامية وأسوارية وإسكافية وحائطية وحدثية وبشرية ومعمزية وثمامية ومزوارية.
ويعلن حقيقة انقسام الفرق الإسلامية إلى نحو مائة وثلاثين فريقاً كل يفكر الآخر يقول السارد المؤرخ أبليس:
"ومن هذا ترى أن الأمة انقسمت فى أصولها إلى مائة وثلاثين، وقد تفرع من كل أصل فروع للمبتدعين وكل فرقة تدعى الحقية وتكفر البقية وبعضها يضلل ويفسق ويبعد القبر ويفرق. وما التزمه أهل المذاهب من التفريق وهو عين الذى التزمه أهل الطريق".
فامتلأت القلوب بالعداوة والبغضاء، ووقف كل لصاحبه على الرمضاء هذا يفسق ويكفر وذا يفرق وينفر وآخر يسب ويلعن، وغيره يعارض ويطعن وأنا واقف أتفرج على من خالفوا القرآن, واستغلوا بالوهم والهذيان، وتركوا سن نبيهم ظهريا. وعدوا اجتماع شملهم شيئا مزيا والكل يلعننى بلسانه وينفضنى بحنانه وهو لا يعلم أنى عاجز عن فعله برئ من مبتدع قوله.
وبعد أن شرح إبليس المقام سارداً ومؤرخاً للدين والعقيدة منذ فجر البشرية إلى اليوم هنا يقوم العارف بالله ليطلب من إبليس أن يعرفه بالفرق والأفكار المبتدعة وهو صانعها ومخترعها ليواجهه بحقيقة أنه سنى يهتدى بنورين هما القرآن والسنة قال العارف بالله لا تحرمنى من هذه الفوائد وأخبرنى بما لهم من العقائد فإنى سنى لا أدين بغير القرآن، وما جاء به سيد ولد عدنان وكل عقيدة خالفت هذين الأصلين فهى عندى لا أثر ولا عين وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"
أما المقامة الرابعة فتعثر عليها بين حشد من إبداعات النديم فى "سلافة النديم" وهى وإن كانت معنونة لمفاخرة بين السفينة والوابور.
وتحتوى على العناصر الأساسية التى ينهض عليها بناء المقامة من حيث الحوار الذى يأخذ نهج المحاورة ومن حيث السرد، من حيث التطعيم بالأسلوب القرآنى.
-ويبدأ النديم مقامته مفتخراً بأدبه بعبارات رشيقة تخطر فيها من يملك البيان ويقتدر على التصوير بالكلمة حديقة معانى، ونادى مفانى، وبستان أفكار به قصور أبكار وجياد تجرى بفوارس الألباب وعروس تجلى وكان دونها أبواب:
تسحر اللب أن تأمل فيها
رافعات على البديع بنودا
مثل جيش أجابه النصر يوماً
بمعان تمر خلف معانى
ساحبات على البيان يمانى
فتوالى كأنه الملوان
والنديم شأنه شأن كل أديب أصيل يبحث عن الجديد والطريف ففى باب المحاورة أو المفاخر لم يجد فى تراثنا الأدبى القديم وهو التمكن فى فهمه وذوقه أى إبداع ويعرض للمفاخرة بين السفينة والوابور. والوابور من مخترعات العصر الحديث (أرسلت فكرى فى ميدان المفاخرات. ودخلت به حومة المحاورات. فرأيت كل ضد زاحم ضدا -وكل لبيب نظم منهما فوائد وعقدا، إلا السفينة والوابور فإنهما لم يتفاخرا فى منقول ولا مأثور وليس لهما ذكر مسطول)
تبدأ البداية الفعلية للمقامة بأن شخص النديم السفينة فيقول: "فشمرت السفينة عن الذراع وسحبت طرفها ونشرت الشراع واعتدلت ومالت. وابتدأت وقالت حمدا لمن اسبغ على عباده جزيل الإنعام. وسخر لهم من فضله السفن والأنعام. وجعلها مطيتين لحمل الأرزاق والأثقال، وحافظين الذخائر عند السفر والانتقال وامتن بهما على عباده وهو عليم بما يصنعون فقال تعالى وعليها وعلى الفلك تحملون"
ثم تفتخر بذكرها فى القرآن صريحاً، وصناعة النبى لها بأمر من الله (وكان البحر قبلى ظلمة ما طلع لها فجر ولا انشرح لها صدر بل غرضا ما أصابه سهم ومعنى ما ترقى له وهم حتى أمر الله نبيه نوحاً بصنعى، وعلمه تركيب ضلوعى عند جمعى.
فبذل فى جهده وباشره عملى وحده وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا إننا نسخر منكم كما تسخرون فقال تعالى واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون فاستمر حتى أتم عمله وحقق رجاءه وأمله..)
ويمضى النديم فيخص السفينة ويجعلها تتمدح بأصلها ونسبها كما يتمدح بنو الإنسان على مدى الأزمان (فمن له أب كأبى، ومن قبلى صنعه نبى فمجدى شامخ ومجد غيرى متهدم، والفضل كل الفضل للمتقدم)
وانتقلت المحاورة إلى "الوابور" وشخصه النديم منفعلاً ثائراً حين سمع السفينة تزهو بنسبها (..فالتهبت أحشاء الوابور بفحم الحجر وصعدت أنفاسه مشبوبة بشرر وزمجر وكفر وصاح وصفر حتى خرج عن الشريط.. وقال السكوت على هذه التفريط ثم كر بعجله وجال)
الوابور يفخر بذكره فى القرآن وهو لم يزل فى عالم الغيب ثم يتحث أن مادته من الحديد، ثم يذكر وظيفة الحديد فى الدفاع عن الدين وهنا نجد أن السفينة والوابور ينطلق فخرهما من القرآن (.. الحمد لله خالق كل موجود الأذى شرفنى بالذكر قبل الوجود. حيث امتن على عباده يخلق عليها يحملون ثم قال ويخلق مالا تعلمون ويستأنس لى بقوله وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ولا يغفل عن ذكرى إلا الجاهلون. والصلاة والسلام على من تكلم بالمغيبات من غير شك ولا التباس المنزل عليه وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وأصحابه الذين اتخذوا من معدنى دروعاً وتيجاناً وقاتلوا بها حتى اظهروا ديناً وأرضوا دياناً)
ثم ينتقل إسلوب الحوار من المفاخرة إلى الذم فيذم الوابور السفينة ويذكر شرورها (إياك أعنى فاسمعنى باجاره فإنك إن كنت أول عمل للخلق وصناعة نبى يوحى الحق إلا أنك حمالة الحطب, وقريبة العطب إن هبت عليك نسمات هلك من فيك ومات، وإن كتبت لك السلامة، فلا حباً ولا كرامة وإن كسر ضلعك فار، علا فيك الماء وفار, بم تفخرين وأنت مكثفة بالحبال)
ويمزج الوابور الفخر بالذم متبعاً أسلوب المقابلة فيقول:
(فإن كنت ذكرت الكتاب صراحة فقد ذكرت ضمنا وإن ظهرت قبلى لفظاً فقد كنت معنى ما تأخر لتاجر عندى سبب ولا حرم من صاحبى بلوغ أرب طريقك معوج وطريقى مستقيم لا يملنى صحيح ولا يسأمنى سقيم)
وتأخذ السفينة دورها فى مزج فخرها بذم "الوابور" سالمة سبيل المقابلة (.. ولكن مهلاً يا أبا لهب فقد خرجت من الأدب، ولابد ما "آرسى" على برك وأحرقك بلهيب جمرك حصرت بين "عجل وقضيب" ووقعت فى "حميم ولهيب")
وتنهى السفينة حوارها حيث المضمون ذماً وفخراً، ومن حيث الإسلوب فهو بالعربية الفصيحة التى تتمثل فى ذكر الأمثال واللغة المصرية المستخدمة فى الحياة اليومية تقول:
"ادخل نفسك فى (مخزن الوفر)، (وفضك من النفخ والصفر) وتفتخر على أغصان الطعوم وأنت (حديد يامشوم) ولئن سرت على (عجل) فقلوب أهلك فى وجل أما علمت أن العجلة من الشيطان، وأن الباغى جزاؤه النيران شغلت بالأكل والتمنى ففاتك الرفق والتأنى وبالجملة فإنى سابقة هذا الميدان ولا ينتطح فيها عنزان"
وهنا ينفعل "الوابور" ولقد يبدو من عبارات "الوابور" وهو يمزج ذمه بالسفينة بفخره بنفسه أن النديم قد جعل السفينة رمزاً للمرأة وأن "الوابور" رمز للرجل وتبدو فى عبارات النديم هنا العامية المصرية.
(فتحرك الوابور تحرك ناقد، وتنهد تنهد حاقد وقطع (قطره) وأبى (شحنا) وقال أسمع جعجعة ولا أرى طحنا - أبعوض تطن فى أذن فيل وصورة تعد فى التماثيل، ولكنى قد أبيت مخاطبتك وعفت وكرهت وجهك المدهون بالزفت فإن حالك حال الجيران وصباحك صباح (القطران) وكيف أفاخر امرأة عقلها فى (مؤخرها) وهلاكها فى تمزيق منزرها. تقاد بحبل طويل وتنقاد لأدنى (عويل) يديرها (شاغول) وفكوها مشغول تتبع هواها فى السير ولها جناح كالطير، أمية وفيها (قاربة) ويد عاجزة لها (بارية) ثالثة العبرين فى ذل (الوتد) حمالة الحطب فى جيدها حبل من مسد.
وهكذا ينهى النديم مقامته بفخر "الوابور" على السفينة أى انتصار الرجل على المرأة وهو فى هذا يبدو شرقياً ولكنه ينطق العامية المصرية.
* من كتاب "عبد الله النديم.. قراءات وأبحاث" الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة (بتصرف)
نسايم ليل
17-04-2006, 08:26 PM
وذي اخر شي وان شاء الله تستفيد منه
الهمذاني.. رائد القصة والمقالة
(في ذكرى وفاته: 11 من جمادى الآخرة 398هـ)
سمير حلبي
غلاف ديوان الهمذاني
يعد "بديع الزمان الهمذاني" المبتكر الأول لفن المقامة الذي انتشر على نحو واسع كأحد فنون النثر في الأدب العربي، كما يعد الرائد الحقيقي للصحافة، ليس في الأدب العربي فحسب، وإنما كان الصحفي الأول على الإطلاق؛ فقد كانت رسائله ومقاماته النقدية الاجتماعية هي البدايات الحقيقية الأولى لذلك الفن الذي عُرف فيما بعد بالصحافة.
الميلاد والنشأة
ولد "بديع الزمان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني" في همذان سنة [358 هـ= 969م]، لأسرة عربية ذات علم وفضل ومكانة مرموقة، فقد كان أخوه "الحسين بن يحيى" مفتي همذان.
ونشأ "بديع الزمان" في بيئة علمية خصبة، حيث كانت همذان موطن عدد كبير من العلماء الأعلام الذين تتلمذ عليهم "بديع الزمان"، ومنهم " أحمد بن فارس" اللغوي المعروف، و"أبو بكر محمد بن الحسين الفراء" اللغوي الشهير.
وعندما بلغ "بديع الزمان" الثانية والعشرين من عمره غادر همذان متوجهًا إلى أصبهان حيث اتصل بالصاحب بن عباد وزير "بني بويه".
كانت " أصبهان" -عاصمة "بني بوية"- مدينة جميلة حافلة بالمناظر الساحرة والبساتين البديعة، والقصور الفخمة والطبيعة الفاتنة، ولذلك فقد كانت تجذب إليها الأدباء والشعراء، وكان للصاحب بن عباد دور كبير في تشجيع الأدباء والعلماء وإثراء الحركة الأدبية والعلمية في أصفهان، حتى غدت تلك المدينة، إحدى منارات العلم في ذلك العصر، ومحط أنظار العلماء والأدباء، وكعبة طلاب العلم من كل مكان.
في أصفهان
وأقبل بديع الزمان على مجالس الأدباء والشعراء في أصفهان، وسرعان ما جذب إليه الأنظار ببراعته وقوة حافظته، حتى إنه كان يحفظ و"ينشد الشعر لم يسمعه قط -وهو أكثر من خمسين بيتًا- إلا مرة واحدة، فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها ولا يخرم حرفًا، وينظر في الأربعة أو الخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهذّها عن ظهر قلب هذا ويسردها سردًا".
وكان الهمذاني يميل إلى الإسجاع والإغراب والأحاجي، وكان بارعًا متفردًا في هذا الباب، يروى أنه "كان يُقترح عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة، وكان ربما كتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخره، ثم هلم جرًّا إلى أوله، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه".
وعُرف بسرعة بديهته وحضور ذهنه وقدرته الفائقة على النظم والارتجال، لا يكاد يباديه أحد أو يجاريه إنسان، فكان "يُقترح عليه كل عويص وعسير من النظم والنثر فيرجله أسرع من الطرف على ريق لم يبلغه، ونفس لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة وفيض اليد ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم، وكان يترجم ما يُقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغربية بالأبيات العربية".
الرحيل إلى نيسابور
إلا أن بديع الزمان السُّنّي المتعصب للعرب لم يستطع الاندماج في مجتمع بني بويه وبلاط الصاحب بن عباد الشيعي الخالص، ولم يطل مقام بديع الزمان بأصبهان، فتركها إلى جرحان، حيث أقام في كنف "أبي سعيد محمد بن منصور"، واتصل بأميرها "شمس المعالي قابوس بن وشمكير" أمير الدولة الزبادية، وكان أديبًا بليغًا، وله معه مراسلات بديعية.
غير أن بديع الزمان لم يلبث أن غادر جرحان لخلاف بينه وبين أبي سعيد، فاتجه إلى نيسابور سنة [382هـ= 992م].
وكانت نيسابور أعظم مدن خراسان في ذلك الوقت، وكانت ملتقى العلماء وأعلام الفكر والأدب، وكان العلماء والأدباء كثيرًا ما يعرّجون عليها في رحلاتهم بين المشرق والعراق، فيقيمون فيها بعض الوقت.
وذاعت شهرة بديع الزمان في نيسابور بعد مناظرته الشهيرة مع العالم الأديب "أبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي" وانتصاره عليه بشكل لفت الأنظار إلى قدراته الأدبية الفذة، فطار بذلك صيته وعلت شهرته.
واستطاع بديع الزمان خلال فترة إقامته بنيسابور إملاء عدد كبير من المقامات بلغت أربعمائة مقامة، وقد اتصل خلالها بعدد كبير من أدباء نيسابور وأعلامها مثل: الأديب أبي نصر سهل بن المرزبان، وأبي جعفر الميكالي أحد وجهاء آل ميكال المقدّمين، وقد مدحه بديع الزمان ونال عطاءه، كما كانت له صلة طيبة بواحد من أكبر وجهاء نيسابور وهو أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، وكانت له حظوة ومكانة كبيرة عنده.
وطاب المقام لبديع الزمان بنيسابور بعدما نال من الشهرة والحظوة، ورغب في الاستقرار بها، ولكن حساده ومنافسيه سعوا بالوشاية ضده والدسائس عليه حتى أوغروا عليه أبا جعفر الميكالي، والصعلوكي، فحُرِم مما كان ينعم به من الشهرة والجاه والعطاء.
في ربوع خراسان
ولم يمضي عام على قدومه إلى نيسابور حتى كان قد خرج منها في أوائل سنة [383هـ = 993م] إلى سرخس حيث اتصل بالسلطان محمود الغزنوي الذي قربه وأحسن إليه، وأغدق عليه من عطاياه، وهناك تعرف إلى عدد كبير من أعيان سرخس وعلمائها.
ولكنه لم يلبث أن شد عصا الترحال إلى بجستان، فلقي ترحيبًا كبيرًا من أميرها "خلف بن أحمد"، ووجد في كنفه عيشًا رغدًا وحياة ناعمة هانئة، ومكانة كريمة، ولكن دسائس الحساد ومكائد المنافسين سرعان ما أفسدت ما بينه وبين الأمير، فتغير عليه، وعندئذ رحل إلى بوشينج، وهناك توثقت صلته بالوزير أبي نصر الميكالي، وبعد أن استقر بها زمنًا، رحل إلى هراة.
الاستقرار في هراة
كان سرور الهمذاني كبيرًا بهذه البلدة، وبالرغم مما شهدته تلك المدينة من الاضطرابات ـ نتيجة الحروب الكثيرة التي تعرضت لها، وتغير الولاة عليها، والمحن المختلفة التي أصابتها من غلاء وفقر ومصادرات وأمراض ـ فإن الهمذاني فضل الاستقرار بها، وعاش فيها حتى توفي.
وكان بديع الزمان يرصد كل ما يحدث بها من ظواهر اجتماعية، وأحداث سياسية، ونكبات اقتصادية، ومعارك حربية، ويسجل كل ما يراه من الجوانب السلبية التي سادت نواحي الحياة المختلفة في عصره، حتى غدت رسائله مصدرًا مهمًّا من مصادر التاريخ الاجتماعي لهراة في العقد الأخير من القرن الرابع الهجري.
وفي هراة استطاع الهمذاني أن يصيب قدرًا كبيرًا من الثراء، وأن يحقق نجاحًا ملحوظًا في نشاطه التجاري، فتوسعت علاقاته التجارية حتى بلغت مدينة بلخ، وقد ساعده على ذلك على زواجه من ابنة أبي علي الحسين الخشنامي ـ أحد أعيان هراة ـ بالإضافة إلى رعاية الوزير أبي نصر الميكالي له، وتوطد علاقته بحاكم هراة "أبي عامر عدنان بن محمد الضبي" و"أبي العباس الفضل بن أحمد الإسفراييني" وزير السلطان "محمود الغزنوني".
من أقوال العلماء فيه
قال عنه الثعالبي: "هو بديع الزمان ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر، وغرة العصور، ومن لم يُدرك قرينه في النثر وملحه، وغرر النظم ونكته، ولم يُر أن أحدًا بلغ مبلغة من الأدب وسرّه، وجاء بمثل إعجازه وسمره، فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب".
ويصف الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن دست ـ جامع رسائل الهمذاني ـ بقوله: "وكان أبو الفضل طلق البديهة، سمح القريحة، شديد العارضة، زلال الكلام عذبه، فصيح اللسان غضبه، إن دعا الكتابة أجابته عفوًا، وأعطته قيادتها صفوًا، أو القوافي أتته ملء الصدور على القوافي، ثم كانت له طرق في الفروع هو افترعها، وسننٌ في المعاني هو اخترعها".
رسائل بديع الزمان
على الرغم من الشهرة الواسعة التي حققها بديع الزمان كأديب ورائد من رواد فن المقامة في الأدب العربي، وشاعر متميز، فإنه لم يترك نتاجًا أدبيًا وشعريًا كبيرًا، حيث لم يقدم ـ طوال عمره ـ سوى ثلاثة مصنفات هي: الرسائل، والمقامات، والديوان، ولكنه بالرغم من قلة إنتاجه فقد ترك بصمات واضحة على الأدب العربي، وكان واحدًا من أبرز رواده، ومن المبدعين القلائل الذين ابتكروا ألوانًا من الأدب لم يسبقهم إليها غيرهم.
وقد برع الهمذاني في فن الرسائل، كغيره من كبار أدباء عصره في القرن الرابع الهجري، الذي كان من أزهى عصور النثر الفني والكتابة الأدبية في تاريخ الأدب العربي؛ فقد كان القرن الرابع هو العصر الذهبي لكتابة الرسائل، واتسمت الكتابة فيه بالإغراق في ألوان البديع، والولع بالزخارف اللفظية، حتى غدت الرسائل وكأنها نسيج رائع موشّى بالأسجاع، محلّى بالمحسنات البديعية ولآلئ البيان.
وقد انقسمت الرسائل تبعًا لأغراضها وأساليبها إلى نوعين:
الرسائل الديوانية: وهي التي تكتب في شئون الدولة، وتسجل الأحداث التاريخية أو الأوامر والتوجيهات الرسمية إلى الولاة والأمراء والقواد وكبار الموظفين في الدولة.
وكان من أشهر كتاب هذه الرسائل: أبو الفضل بن العميد، والصاحب بن عباد، والوزير المهلبي، والأمير قابوس بن وشمكير.
الرسائل الإخوانية: وهي التي يكتبها الأدباء عامة من غير العاملين في دواوين الدولة، وهي غير محددة بموضوعات معينة، وإنما يكتبها الأدباء في مناسبات خاصة أو مطارحات أدبية ومساجلات بلاغية فيما بينهم.
وكان من أشهر كتاب تلك الرسائل ـ بالإضافة إلى من سبق ـ: أبو حيان التوحيدي، وأبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني.
وقد ترك بديع الزمان تراثًا وافرًا من الرسائل التي عكست بوضوح انطباعاته النفسية العميقة، وحسه الفني المرهف، ومزاجه الأدبي الرفيع، وكشفت بجلاء عن خلجاته وأحاسيسه وكثير من جوانبه النفسية وحالاته الوجدانية من فرح وسرور، أو تشاؤم وحزن، أو شكوى ونقمة، وتظهر شجاعته واعتداده بنفسه، فهو لا يبالي في هجومه على من يتعرض لنقدهم، وإظهار الجوانب السلبية التي يراها في أعمالهم وسلوكهم .
وتناول الهمذاني في رسائله العديد من الأغراض: كالمدح والهجاء، والشكوى والعتاب، والتهنئة والاعتذار، والاستعطاف والاستجداء، والنصح والإرشاد، والصداقة والإخاء، والفخر والاعتزاز بالنفس.
كما حظيت الحياة العامة والجوانب الاجتماعية - وخاصة العيوب والسلبيات التي كانت منتشرة في زمانه- بنصيب وافر من رسائله، ولعله في ذلك يكون أول رائد لفن المقالة الصحفية في الأدب العربي، بل ربما كان أول صحفي على الإطلاق عند العرب وغير العرب، فليست رسائله التي تناول فيها المشاكل العامة نقدًا وبناءً إلا مقالات صحفية مبّكرة، وإذا كانت ميزات الصحافة الحديثة سرعة انتشار الصحيفة، فإن رسائل بديع الزمان شأنها في ذلك شأن غيرها من رسائل معاصريه، فلقد كانت سرعان ما تصل إلى كل مكان من الأرض الإسلامية، يتلقفها الناس ويقرءونها.
ويعنى الهمذاني في رسائله بانتقاء الألفاظ الموسيقية العذبة، كما يحرص على توليد الصور المختلفة في غير تكلف ولا عنت، فهو يردد المعنى الواحد بصور شتى، وصيغ متعددة، كما يحرص على الاقتباس من القرآن الكريم، والشعر العربي، ويهتم بألوان البيان كالاستعارة والتشبيه، كما يولع بالمحسنات البديعية كالسجع والجناس والطباق المقابلة.
مقامات بديع الزمان
غلاف شرح مقامات الهمذاني
ترجع شهرة بديع الزمان الهمذاني إلى مقاماته الشهيرة التي كان له فضل السبق إليها، فهو أول من ابتكر فكرتها، وأطلق عليها هذا الاسم حتى اشتهر بها وقد أعجب كثير من الأدباء بهذا اللون الجديد من فنون الأدب، فاقتفوا أثره ونسجوا على منواله.
وأصل المقامة في اللغة: المجلس والجماعة من الناس، وقد أُطلقت على المحاضرة، كما أطلقت على المجالس التي كان يستقبل فيها الخلفاء الأدباء والعلماء.
ويذكر الثعالبي في ترجمته لبديع الزمان أنه أملى أربعمائة مقامة بنيسابور، ولكن الذي وصلنا منها لا يتجاوز اثنتين وخمسين مقامة فقط. وقد اخترع الهمذاني بطلين لمقاماته، سمى أحدهما عيسى بن هشام، والآخر أبا الفتح الإسكندري، وجعل الأول رواية، والثاني بطلا مغامرًا.
ولم يحرص بديع الزمان على أن يظهر أبا الفتح في جميع المقامات، بل كان يقلل من شأن مغامراته أحيانًا ويغفل ذكره أحيانًا، وشخصية أبي الفتح الإسكندري شخصية مثيرة متعددة الجوانب، تثير العجب وتدعو إلى الإعجاب، فهو يحترف الكُدية (التسول)، ويتميز بالفصاحة في اللسان، والبراعة في الشعر، كما أنه شخصية فكاهية مرحة، يتسم بالذكاء وخفة الظل، محب للمغامرة وارتياد المجهول.
وموضوعات المقامات -في معظمها- ذات صلة بالناس، وتتعلق بالحياة اليومية والمشكلات العامة، وتصور أخلاق المعاصرين وأحوال العصر أحسن تصوير.
وتتميز المقامات بكثرة الشواهد الشعرية، وحسن المواءمة بين الشعر والنثر، كما تظهر فيها قدرات الهمذاني البيانية العالية، وبراعته الفائقة في استخدام المحسنات البديعية.
بديع الزمان شاعرًا
لم يكن الهمذاني وحده من بين أدباء عصره الذي اقتحم ميدان الشعر، فإن كثيرًا من معاصريه مارسوا نظم الشعر حتى أصبح ذلك تقليدًا متبعًا عند قدامى الكتاب الذين حافظوا على تلك الظاهرة، وتوارثوها، حتى إننا لنجد أثرًا منها لدى كثير من الكتاب في العصر الحديث، مثل عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومصطفى صادق الرافعي، وطه حسين.
ويحتل المديح الجانب الأكبر من ديوان الهمذاني، وتتوزع بقية الأغراض في الجزء المتبقي من الديوان. ويتفاوت شعره من حيث الجودة، وأجود شعره في أغراض المدح، فإذا كتب في غيره من الأغراض قل نصيبه من الجودة، وصارت طبيعة الكاتب هي الغالبة عليه.
ومن شعره الجيد في الحكمة:
يا من يطيل بناءه متوقيًا *** ريب المنون وصرفه لا تُحْرَجِ
فالموت يفرغ كل قصر شامخٍ *** والموت يفتح كل باب مرْتَجِ
ومن شعره في الوصف، ويتجلى فيه كلفه بالمحسنات البديعية:
خلع الربيع على الربى *** وربوعها خزًا وبزّا
أَوَما ترى الأقطار قد *** أخذت من الأمطار عِزّا
ومن شعره في مدح السلطان محمود بن سبكتكين:
أطلت شمس محمود *** على أنجم ساحان
وأمسـى آل بهـرام *** عبيدًا لابن خاقان
إذا ما ركـب الفيـل *** لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانا *** على منكب شيطان
وتوفي بديع الزمان الهمذاني في [11 من جمادى الآخرة 398هـ= 23 من فبراير 1008م] عن عمر بلغ أربعين عامًا، وتذكر الروايات أنه مات بالسكتة، وعُجّل بدفنه فأفاق في قبره، وسمع صوته بالليل، فنُبش عنه، فوجدوه قابضًا على لحيته، ولكن ابن خلكان يذكر أنه مات مسمومًا دون أن يشير إلى من دس له السم، أو أن له أعداء.
طالع:
المقامة المَجَاعِيّة لبديع الزمان
أهم مصادر الدراسة:
الأدب في موكب الحضارة الإسلامية: د.مصطفى الشكعة- مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة: [1388هـ=1968م].
بديع الزمان الهمذاني: مارون عبود- دار المعارف بمصر- القاهرة: [1391هـ=1971م] (نوابغ الفكر العربي: 9).
بديع الزمان الهمذاني: رائد القصة العربية والمقالة الصحفية: د. مصطفى الشكعة- مكتبة القاهرة الحديثة- القاهرة: [ 1379هـ=1959م].
وفيات الأعيان وأبناء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان – تحقيق: إحسان عباس – دار الثقافة – بيروت: [د.ت].
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر: أبو منصور عبد الملك الثعالبي- تحقيق د. مفيد محمد قميحة- دار الكتب العلمية –بيروت: [1403هـ=1983م]
تحياتي ....
delo hadeelo
20-04-2006, 10:11 AM
شكرا اختي نسايم
وانا بنت مو ولد :)
نسايم ليل
20-04-2006, 12:57 PM
العفو خيتو
والسموحه