ماكسيما الالفية
18-03-2006, 03:40 PM
الشاعر: محمود سامي البارودي
**إنسان:
عندما بدأتُ القراءةَ "للبارودي" أذكرُ أن أذهلتني تلك الروحُ الشفيفةُ التي تتقاطرُ عذوبةً و رقةً على ثُنيّات أبياته..أنا الذي ظننتُ أنّي سأقرأُ شعرا لكلاسيكيّ عتيدٍ سيصك ذائقتي باللفظ الصلبِ الفخم و الأسلوب المتين المتراص في صناعةٍ لغويةٍ متقنةٍ تناسب فارساً حربياً مثله بلك أن تناسبَ تلك الحقبة الزمنية التي عاش فيها واللغةُ و الشعرُ يتراوحان آنذاك بين (ما أشبه اليوم بالبارحةِ) و (أدب ديوان الخديوي)!
ذلك الإنسان الذي أحسست به من وراء أبياتٍ....لم يكن إلا إنسانا حقيقيا...وجها حقيقيا صادقا تبهرك تحولاته غير المفتعلةِ من مقاتلٍ فذٍ ترقّى إلى أعلى مناصب الجيش المصري في فترة عجّت بالقلاقل و الاحداث ...إلى شاعرٍ لا يقلُ جودةً ولا موهبةً عن معاصريه أو من خلفوه_إن لم يكن يفوقهم_ ممن كان للشعر من حياتهم القاسم الأعظم.
أحببت فقط في البداية أن أشير إلى تلك الروح الجميلةِ و ذلك الإنسان قبل أن أبدأ...حتى وإن تركت تعريف ذلك و وصفه ليتلمسه المارون بأنفسهم فلقد علمت أن لذلك لذةً أخرى!
**حيـاته:
"قليلون فعلا ...هؤلاء الذين يعيشون حياةً حقيقية"
محمود سامي البارودي...
ولد في مصر (القاهرة) عام 1838م (27 رجب 1255هـ)، (6 اكتوبر 1839م) لأبوين من الجراكسة في فترة صاخبة من تاريخ مصر..ويرجع لقبه (البارودي) إلي مدينة (إيتاي البارود) في محافطة البحيرة التي كان أحد أجداده ملتزماً لها ويجمع الضرائب من أهلها.
نشأ البارودي في أسرة على شيء من الثراء والسلطان، فأبوه كان ضابطًا في الجيش المصري برتبة لواء، وعُين مديرًا لمدينتي "بربر" و"دنقلة" في السودان، ومات هناك، وكان ابنه محمود سامي حينئذ في السابعة من عمره.
تلقى البارودي دروسه الأولى في بيته، فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، ثم التحق وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية سنة (1268هـ ، 1852م)، وفي هذه الفترة بدأ يظهر شغفًا بالشعر العربي وشعرائه الفحول، وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج برتبة "باشجاويش" ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما كما ينظم بالعربية، ولما سافر الخديوي إسماعيل (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/10/article16.shtml) إلى العاصمة العثمانية بعد توليه العرش ليقدم آيات الشكر للخلافة، ألحق البارودي بحاشيته، فعاد إلى مصر بعد غيبة طويلة امتددت ثماني سنوات، ولم يلبث أن حنّ البارودي إلى حياة الجندية، فترك معية الخديوي إلى الجيش برتبة بكباشي.
تخرّج من المدرسة الحربية عام 1854 وهو بعد في السادسة عشرة من عمره لكن الجيش كان قد سُرّح في عهد سعيد باشا والي مصر آنذاك فكانت هذه أول محنة يواجهها في حياته.
وكانت تسريته تتمثل في العودة إلى الماضي و أجداده العرب ...والعربيّ جدٌ لكل من تكلم العربية كما يقول الأديب محمد حسين هيكل في مقدمته لديوان البارودي...فعاش معهم و شاركهم معاركهم التي أغنته في صباه عن معارك الحاضر الغائبة خلال شعرهم الذي نهل منه على لهفٍ و ظمأ.
**حياته الجندية:
وفي أثناء عمله بالجيش اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة (1282 هـ = 1865م) لمساندة جيش الخلافة العثمانية في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة "كريت"، وهناك أبلى البارودي بلاء حسنًا، وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحرب التي خاض غمارها، في رائعة من روائعه الخالدة التي مطلعها:
أخذ الكرى بمعاقد الأجــــــفان
وهفا السرى بأعنة الفرسان
والليل منشور الذوائب ضارب
فوق المتــالع والربا بجران
لا تستبين العين في ظلــــــماته
إلا اشتعــــــال أسِنَّة المران
(الكرى: النوم، هفا: أسرع، السرى: السير ليلاً، المتالع: التلال، ضارب بجران: يقصد أن الليل يعم الكون ظلامه).
ولم يكترث ممن انتقده بسبب اتجاهه للشعر بل لامهم على تجاهلهم لذلك التراث المبهر...يقول:
تكلمت كالماضين قبلي بما جرت.......به عادة الإنسان أن يتكلما
فلا يعتمدني بالإساءة غافلٌ ............فلابد لابن الأيكِ أن يترنما
والتحق بوزارة الخارجية وتعلم اللغتين الفارسية و التركية و قضى فترة في الآستانة (إسطنبول) ثم عاد إلى مصر في عهد إسماعيل باشا وكان في الرابعة و العشرين من عمره وقد عقد العزم على أن يشارك في النهضةِ التي حمل لواءها الخديوي إسماعيل..فزاول عمله في الجيش وترقى في مناصبه وبدأ يشارك في حملات الجيش المصري العسكرية كتلك التي قام بها الجيش المصري لإخماد التمرد في جزيرة كريت وتلك الحملة التي انضمت لصفوف القوات العثمانية في حربها مع روسيا
ولكن الشعر كان همه الأول فذاع صيته وأحبه القراء لما لأسلوبه من ملامح خاصة و لُقب بـ (رب السيف و القلم).
أبدع البارودي في لون يمكن أن نطلق عليه (شعر الشباب) وذلك قبل أن تبدأ الأحداث السياسية في مصر في غليانٍ متصاعدٍ فتستولي على "شيطان" شعره.
إذ ما لبثت الحركة الوطنية أن تفجرت وهب الشعب مطالبا بمعارضة التدخل الأجنبي و التشبث بالحكم النيابي الدستوري و الشورى وسيلتان أكيدتان للإصلاح
وأشترك العسكريون الشرفاء _ومنهم البارودي_ إلى جوار المواطنين في صفوف الحملة الوطنية فوجد البارودي نفسه يخوض غمار الحياة السياسية موزع النفس بين ولائه للخديوي كجندي تحت شرف القَسَم..وبين ولائه لمصر و المصريين.
وهذا الموقف هو الذي جعله ربما يرتبط بالجانبين معا في موقفٍ غير صارخِ الانحياز ومن ثم لم يبرز في الصفوف الأولى للثورة العرابية بل ظل في عداد الصف الثاني فلما أخفقت الثورة لم يتنصل منهم ولم ينفِ أنه شجعهم و أتصل بهم فحوكم و حكم عليه بالنفي مع زعماء الثورة إلى سيلان (سرنديب) فأقام بها أكثر من 17 عاما كانت تصله أثناءها أنباء وفاة أحبائه وأصدقائه فيرثيهم و يحن إلى مصر فتتفجر منه أنهار الشعر باذخة القوة و الجودة .
وحين بدأت صحته تعتل و بصره يذوي أشفق المسئولون عليه وقرر الخديوي عباس حلمي العفو عنه وإعادته لمصر فعاد لها في مطلع القرن العشرين ولقي من ترحاب الناس ما عوضه عن سنوات الغربة.
أفل نجم (رب السيف و القلم) في أواخر ديسمبر 1904(شوال 1322) راحلا عن دنيانا بعد حياة حافلة بالأحداث و التحولات تليق بشاعرٍ مثله.*
*عن ترجمةٍ موجزةٍ له في مقدمة (مختارات من شعر البارودي) من سلسلة إصدارات مكتبة الأسرة الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
**العمل السياسي
بعد عودة البارودي من حرب البلقان تم تعيينه مديرًا لمحافظة الشرقية في (ربيع الآخر 1295هـ = إبريل 1878م)، وسرعان ما نقل محافظًا للقاهرة، وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة حرجة من تاريخها، بعد أن غرقت البلاد في الديون، وتدخلت إنجلترا وفرنسا في توجيه السياسة المصرية، بعد أن صار لهما وزيران في الحكومة المصرية، ونتيجة لذلك نشطت الحركة الوطنية وتحركت الصحافة، وظهر تيار الوعي الذي يقوده "جمال الدين الأفغاني (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/12/article20.shtml)" لإنقاذ العالم الإسلامي من الاستعمار، وفي هذه الأجواء المشتعلة تنطلق قيثارة البارودي بقصيدة ثائرة تصرخ في أمته، توقظ النائم وتنبه الغافل، وهي قصيدة طويلة، منها:
جلبت أشطر هــــذا الدهر تجربة
وذقت ما فيه من صاب ومن عســــل
فما وجدت عـــلـى الأيــــام باقية
أشهى إلى النفس من حرية العمـــــل
لكننا غرض للــــشر في زمــــن
أهل العقول به في طاعة الـــــــــخمل
قامت به من رجال السوء طائفة
أدهى على النفس من بؤس على ثكل
وبينما كان محمد شريف باشا رئيس مجلس النظار يحاول أن يضع للبلاد دستورًا قويمًا يصلح أحوالها ويرد كرامتها، فارضًا على الوزارة مسؤوليتها على كل ما تقوم به أمام مجلس شورى النواب، إذا بالحكومة الإنجليزية والفرنسية تكيدان للخديوي إسماعيل عند الدولة العثمانية لإقصائه الوزيرين الأجنبيين عن الوزارة، وإسناد نظارتها إلى شريف باشا الوطني الغيور، وأثمرت سعايتهما، فصدر قرار من الدولة العثمانية بخلع إسماعيل وتولية ابنه توفيق.
ولما تولّى الخديوي توفيق الحكم سنة (1296هـ = 1879م) أسند نظارة الوزارة إلى شريف باشا، فأدخل معه في الوزارة البارودي ناظرًا للمعارف والأوقاف، ونرى البارودي يُحيّي توفيقًا بولايته على مصر، ويستحثه إلى إصدار الدستور وتأييد الشورى، فيقول:
سن المــــشورة وهي أكرم خطة
يجري عليها كل راع مرشد
هي عصمة الدين التي أوحى بها
رب العبــاد إلى النبي محمد
فمن استعـــــــــــان بها تأيد ملكه
ومن استــهان بها لم يرشد
غير أن "توفيق" نكص على عقبيه بعد أن تعلقت به الآمال في الإصلاح، فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد، وشرد أنصاره ومريديه، وأجبر شريف باشا على تقديم استقالته، وقبض هو على زمام الوزارة، وشكلها تحت رئاسته، وأبقى البارودي في منصبه وزيرًا للمعارف والأوقاف، بعدها صار وزيرًا للأوقاف في وزارة رياض.
وقد نهض البارودي بوزارة الأوقاف، ونقح قوانينها، وكون لجنة من العلماء والمهندسين والمؤرخين للبحث عن الأوقاف المجهولة، وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد، ووضعها في مكان واحد، وكانت هذه المجموعة نواة دار الكتب (http://198.65.147.194/Arabic/history/1422/07/article22.shtml) التي أنشأها "علي مبارك (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/07/article26.shtml)"، كما عُني بالآثار العربية وكون لها لجنة لجمعها، فوضعت ما جمعت في مسجد الحاكم حتى تُبنى لها دار خاصة، ونجح في أن يولي صديقه "محمد عبده (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/07/article29.shtml)" تحرير الوقائع المصرية، فبدأت الصحافة في مصر عهدًا جديدًا.
ثم تولى البارودي وزارة الحربية خلفًا لرفقي باشا إلى جانب وزارته للأوقاف، بعد مطالبة حركة الجيش الوطنية بقيادة عرابي بعزل رفقي، وبدأ البارودي في إصلاح القوانين العسكرية مع زيادة رواتب الضباط والجند، لكنه لم يستمر في المنصب طويلاً، فخرج من الوزارة بعد تقديم استقالته (25 من رمضان 1298 = 22 من أغسطس 1881م)؛ نظرًا لسوء العلاقة بينه وبين رياض باشا رئيس الوزراء، الذي دس له عند الخديوي.
**وزارة الثورة
عاد البارودي مرة أخرى إلى نظارة الحربية والبحرية في الوزارة التي شكلها شريف باشا عقب مظاهرة عابدين التي قام بها الجيش في (14 من شوال 1298 هـ = 9 من سبتمبر 1881م)، لكن الوزارة لم تستمر طويلاً، وشكل البارودي الوزارة الجديدة في (5 من ربيع الآخر 1299هـ = 24 من فبراير 1882م) وعين "أحمد عرابي" وزيرًا للحربية، و"محمود فهمي" للأشغال؛ ولذا أُطلق على وزارة البارودي وزارة الثورة؛ لأنها ضمت ثلاثة من زعمائها.
وافتتحت الوزارة أعمالها بإعداد الدستور، ووضعته بحيث يكون موائمًا لآمال الأمة، ومحققًا أهدافها، وحافظا كرامتها واستقلالها، وحمل البارودي نص الدستور إلى الخديوي، فلم يسعه إلا أن يضع خاتمه عليه بالتصديق، ثم عرضه على مجلس النواب.
**الثورة العرابية
تم كشف مؤامرة قام بها بعض الضباط الجراكسة لاغتيال البارودي وعرابي، وتم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين، فقضت بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى أقاصي السودان، ولمّا رفع "البارودي" الحكم إلى الخديوي توفيق للتصديق عليه، رفض بتحريض من قنصلي إنجلترا وفرنسا، فغضب البارودي، وعرض الأمر على مجلس النظار، فقرر أنه ليس من حق الخديوي أن يرفض قرار المحكمة العسكرية العليا وفقًا للدستور، ثم عرضت الوزارة الأمر على مجلس النواب، فاجتمع أعضاؤه في منزل البارودي، وأعلنوا تضامنهم مع الوزارة، وضرورة خلع الخديوي ومحاكمته إذا استمر على دسائسه.
انتهزت إنجلترا وفرنسا هذا الخلاف، وحشدتا أسطوليهما في الإسكندرية، منذرتين بحماية الأجانب، وقدم قنصلاهما مذكرة في (7 من رجب 1299هـ = 25 من مايو 1882م) بضرورة استقالة الوزارة، ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض زملائه، وقد قابلت وزارة البارودي هذه المطالب بالرفض في الوقت الذي قبلها الخديوي توفيق، ولم يكن أمام البارودي سوى الاستقالة، ثم تطورت الأحداث، وانتهت بدخول الإنجليز مصر، والقبض على زعماء الثورة العرابية وكبار القادة المشتركين بها، وحُكِم على البارودي وستة من زملائه بالإعدام، ثم خُفف إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب.
**البارودي في المنفى
أقام البارودي في الجزيرة سبعة عشر عامًا وبعض عام، وأقام مع زملائه في "كولومبو" سبعة أعوام، ثم فارقهم إلى "كندي" بعد أن دبت الخلافات بينهم، وألقى كل واحد منهم فشل الثورة على أخيه، وفي المنفى شغل البارودي نفسه بتعلم الإنجليزية حتى أتقنها، وانصرف إلى تعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف، وإلى اعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليُفقّه أهلها شعائر الإسلام.
وطوال هذه الفترة قال قصائده الخالدة، التي يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في (6 من جمادى الأولى 1317هـ = 12من سبتمبر 1899م).
**شــعـره :
يعد البارودي رائد الشعر العربي في العصر الحديث؛ حيث وثب به وثبة عالية لم يكن يحلم بها معاصروه، ففكّه من قيوده البديعية وأغراضه الضيقة، ووصله بروائعه القديمة وصياغتها المحكمة، وربطه بحياته وحياة أمته.
وهو إن قلّد القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضوعات وفي أسلوبهم وفي معانيهم، فإن له مع ذلك تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.
وترك ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت، طبع في أربعة مجلدات، وقصيدة طويلة عارض بها البوصيري، أطلق عليها "كشف الغمة"، وله أيضًا "قيد الأوابد" وهو كتاب نثري سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، و"مختارات البارودي" وهي مجموعة انتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرًا من فحول الشعر العباسي، يبلغ نحو 40 ألف بيت.
من المعروف أن البارودي ينتمي لمدرسة (الإحياء و البعث) الشعرية التي عنيت ببعث الشعر العربي من الحالة المزرية التي كان عليها في تلك الفترة منحدرا إليها عبر فترات أطول من الركود و الضعف
فكان شعراء ذلك الاتجاه _وأبرزهم البارودي_ يتخذون من استلهام درر و يواقيت الشعر العربي الجَزِل الأصيلِ العريق و التجديد في الأغراض و المعاني سبيلين لبعث الشعر العربي الكلاسيكي من مرقده حتى يردده الناس و يتذوقوه
فأصبح شعره نموذجا لشباب الشعراء الذين نسجوا على منواله كأمير الشعراء (أحمد شوقي) و شاعر النيل _ذلك الفذ_ (إبراهيم حافظ).
تلك التي نجح فيها عن جدارةٍ في استلهام تراث أجداده الفخم مع التجديد الواضح في الصياغة و الأسلوب و الروح.
شعرٌ حيٌ...!
تقرأه فلا تمل منه ولا تجد فيه ما ينفّر ذائقتك من وحشي اللفظ و غريبة فتتركه إلى غيره مما تراه أنسب لروح عصرنا هذا و أمتع بل يدفعك إن وجدت من شعره مفردةً غامضةً أن تبحث وتكشف عنها لتكتمل في مخيلتك صورهُ البديعة و تراكيبه الحلوة.
فشعره ينتمي للنوع الحي من الفن...ذلك الذي تزداد قيمته بمرور الزمن.
فالشعرُ أبلغ وأصدق مني بيانا !
من قصيدته(مصر):
أبابلَ* رأي العين أم هذه مصـر ُ............فإني أرى فيها عيوناً هي السحرُ
نواعسَ أيقظن الهوى بلواحـظٍ .............تدين لها بالفتْكةِ البيضُ و السمرُ
فليس لعقلٍ دون سلطانها حـمىً ............ولا لفؤادٍ من غشْيَانِها سترُ
فإن يكُ موسى أبطل السحرَ مرةً ............فذلك عصر المعجزات و ذا عصرُ
فأي فؤاد لا يذوب صــــــــــبابةً .............ومُزْنَةِ عينٍ لا يَصُوبُ لها قَطْرُ؟
*بابل: مدينة قديمة عظيمة على جانب الفرات الأيسر اشتهرت بالسحر.البيض و السمر:السيوف و الرماح. غشيانها: هجومها.المزنه:السحابة. يصوب: ينزل و ينصب
وفي ذات القصيدةِ يقول عن محبوبته:
تريك جمان القطر* في أقحوانه*....مفلجة الأطراف قيل لها ثغرُ
تدين لعينيها سواحر بابلٍ....وتسكر من صهباء ريقتها الخمرُ
رضيت من الدنيا بحبكِ عالماً...بأن جنوني في هواك هو الفخرُ
هوىً كضمير الزند* لو أن مدمعي..تأخر عن سقياه لأحترق الصدرُ
*جمان القطر: الجمان هو اللؤلؤ والقطر قطرات المطر والمراد أسنان الحلوة!.
أقحوانه: نبت طيب الريح شديد البياض
ضمير الزند:قلب العود الذي توقد به النار.
وفي معرض الحديث عن رجال حيها التي تسكنه!:
يظنون بي شرا ولست بأهله............................وظن الفتى دون بينةٍ وزرُ
وماذا عليهم إن ترنم شـــــــــــــاعرٌ................... بقافيةٍ لا عيب فيها ولا نُكْرُ
أفي الحق أن تبكي الحـمائم شجوها.................... ويبلى فلا يبكي على نفسه الحرُ
وأي نكيرٍ في هوىً شــــــــــبَّ وقدُهُ*................. بقلب أخي شوقٍ فباح به الشعرُ
وكيف أسوم القلب صبرا على الهوى................. ولم يبق لي في الحب قلبٌ ولا صبرُ
ليهنَ الهوى* أني خضعت لحكمــــه.................. وإن كان لي في غيره النهي و الأمرُ
فإني امرؤٌ تأبى* لي الضيم صولـــة.................. مواقعها في كل معتركٍ حمرُ
أبيٌ على الحِدْثَان* لا يستفزنـــــــــي................. عظيمٌ ولايأوى إلى ساحتي ذعرُ
إذا صلتُ صال الموت من وكراتـــــه................. وإن قلت أرخى من أعنته الشعرُ!!!
*شب وقده:اتقدت ناره.
لِيَهنَ الهوى: ليهنأ الهوى.
تأبى: تمنّع فلا يقبل.
الحدثان:خطوب الدهر ونوائبه.
و من قصيدته (الأهرام):
يقول عن النقوش الهيروغليفية على جدران الأهرام:_
إذا ما فتحنا قُفل رمزٍ بدت لنا.....معاريض لم تُفتَح بِزِيجٍ* ولا جَبْرِ
فكم نُكتٍ* كالسحرِ في حركاتهِ........تُريك مدبَّ الرُّوحِ في مُهجةِ الذرّ*ِ
سكرنا بما أهدت لنا من لبابها.......فيالك من سكر أتيح بلا خمرِ!
*الزيج: جدول يستدل به على حركة النجوم و الكواكب .
النُكت:جمع النكتة وهي الأثر القليل يشبه النقطة والمراد هنا النقش الدقيق المحكم.
الذرّ: صغار النمل!
يقول عن لصوص الآثار في العصور القديمة:
وفلوا لجمع التِبرِ صُمَّ صُخورها...وأيسرُ ما فلوهُ أغلى من التبرِ!
ومن غزليةٍ يقول:
لوى جيده وانصرف.....فما ضرّهُ لو عطفْ
غزالٌ له نظرةٌ.............أعانت عليّ الكَلَفْ*
تبسم عن لؤلؤٍ...........له من عَقيقٍ صَدَفْ!
وتاه فلم يلتفت.........وشأن الجمالِ الصَلَفْ
رآني به مولعا.............فعاتبني وأنحرفْ
ولم يدرِ أنِّي به...........على جمراتِ التلفْ
فقلت له :سيدي............ترفّق بصبٍ دَنِفْ
وأنشدته قطعةً.........وشعري إحدى الطُرَفْ
فأصغى لها باسما..........وبان عليه الأسفْ
ونمّت* به خجلةٌ..........تدلُ على ما اقترفْ!
وقال: أهذا الضنى........جناه عليك الشغفْ!
فقلتُ :نعم سيدي..........وأبرح مما أصفْ
فصدّق لكنّهُ...............تجاهل لما عَرَفْ
وقال:أطعت المنى..وبعضُ الأماني سَرَفْ!!
وما كل ذي حاجةٍ.....يفوز بها إن عَكَفْ!!
فأشفقت من قولهِ.........ولكن ربي لَطَفْ
فلما رأى أدمعي.....توالت و قلبي رَجَفْ
تبسّم لي ضاحكا.....ومانعَ... ثم انعطفْ!*
فأغرمته* قبلةً........(عفا الله عما سلفْ)!
*الكلف: الحب الشديد.
*نمّت:ظهرت.
*انعطف:مال.
*أغرمته:ألزمته الغرامة جزاء ما فعل!
من قصيدته (الحنين إلى مصر) وكان في جزيرة كريت في حملة عسكرية لإخماد الفتنة:
سرى البرقُ مصرياً فأرّقني وحدي..وأذكَرَني ما لست أنساهُ من عَهدِ
فيا برقُ حدثني وأنت مُصَدَّقٌ...عن الآل والأصحاب ما فعلوا بعدي
فوا أسفا إذ ليس يجدي تأسفٌ....على طواه الدهر من عيشنا الرغدِ
إذ الدهرُ سمحٌ والليالي سميعةٌ.......و(لمياءُ) لم تخلف بليّانها* وعدي
فتاةٌ تريك الشمس تحت خمارها..إذا أسفرت و الغصن في معقد البندِ*
من الفاتناتِ الغيدِ لو مرَّ ظلها.......على قانتٍ* دبّت به سوْرة* الوجدِ!
حلفتُ بما وارى الخمارُ من الحيا..وما ضمت الأردان من حَسَبٍ عدِّ*
وباللؤلؤ المنضود بين يواقتٍ........هي الشهد ظنا بل ألذ من الشهدِ!
يمينا لو استسقيت أرضا به الحيا....لخاض بها الرعيان في كلأٍ جَعدِ
لأنتِ _وأي الناس أنتِ_حبيبةٌ..........إليّ و لو عذبتِ قلبي بالصدِّ
إليكِ سلبتُ العين طيبَ مَنَامها......وفيكِ رعيتُ النجمَ في أُفْقِهِ وحدي
*ليّانها: المماطلة و التسويف بوعد الوفاء مرة بعد أخرى.
*البندِ: الحزام.
*قانتٍ: ناسك عابد.
*سورة الوجد:شدته.
*حسب عدِّ:قديم أو كثير مستعار من قولهم ماءٍ عدِّ أي كثير جارٍ
ومن قصيدةٍ يحاكي بها قصيدة ابن النبيه التي مطلعها (يا ساكني السفح كم عين بكم سفحت) :
خُوطيّةُ* القَدُّ لو مر الحمامُ بها...............لم يشتبه أنها من أيكِهِ انتزعت
يموت قلبي و يحيا حيرةً و هدىً....في عالم الوجد إن صدّت* و إن جنحتْ*
كالبدر إن سفرت والظبي إن نظرت.. والغصن إن خطرت والزهر إن نفحتْ
واخجلة البدرِ إن لاحت أسرتها*............وحيرة الرشأِ* الوسنان* لو لمحتْ
مازلت أسحرها بالشعر تسمعه.........من ذات فهمٍ تُجيدُ القول إن شرَحَتْ
حتى إذا علمت ما حل بي ورأت....سُقمي وخافت على نفسٍ بها افتضحت
حنّت رثت عطفت مالت صَبَت عَزَمت... هَمَت سَرَت وَصَلت عَادت دَنَت مَنَحتْ
ويصف ليلة جاد بها عليه الدهرُ:
وليلةٍ سال في أعقابها شفقٌ.............كأنها بحسام الفجر قد ذُبِحَتْ
طالت و قصرّها لهوي بغانية*ٍ....إن أعرضت قتلت أو أقبلت فضحتْ
هيفاءُ إن نطقت غنت! وإن خطرت رن...وإن فوّقَت ألحَاظَهَا* جَرَحَتْ
*خوطية القد:الخوط الغصن الناعم.
*صدت:أعرضت.
*جنحت:مالت.
*أسرّتها:أسرّة الوجه محاسنه.
*الرشأِ:ولد الظبية الصغير.
*الوسنان : من الوسن ويريد هنا طرفه الناعس.
*غانيةٍ: الجارية التي غنيت بحسنها.فضحت: كشفت حبا مستورا.
*فوّقت ألحاظها:توجيه النظرات و تصويبها على مسكينٍ أعزل!
ومن قصيدته الأحلى (الحب):
سمع الخليُّ* تأوّهي فتلفتا ......وأصابه عجبٌ وقال مَنِ الفتي؟
فأجبته إني امرؤ لعب الأسى........بفؤاده يوم النوى فتشتتا*
أنظر إليّ تجد خيالا باليا..........تحت الثياب يكاد ألا يُنعتا
قد كان لي قلبٌ أصاب سوادهُ........سهمٌ لطرف فاتر*ٍ فتفتتا
تبع الهوى قلبي فهام وليته.......قبل التوغل في البلاء تثبتا
ألقته في شَرَك المحبة غادةٍ...هيهات!ليس بصاحبي إن أفلتا!
كالورد خدا و البنفسج طُرة .....والغصن قدا والغزالة مَلفِتَا*
تالله لو علم العذول بما جنى....طَرْفِي عليّ لسَاءه أن يَشمَتا
طرفٌ أطلت عنانه ليصيب لي..بعض المني فأصابني لما أتى
يا قلب حسبك قد أفاق معاشرٌ..وأراك تدأب في الهوى فإلى متى؟
*الخليّ: خالي البال من العشق والهم.
*تشتتا: تشتت القلب.ينعتا:يوصف.
*فاترٍ:ناعسٍ والفتور من صفات الحسن في عيون النساء.
*ملفتا:من التلّفُتِ
ومن قصيدة في رثاء الأديب والعالم اللغويّ (أحمد فارس الشدياق):
متى يشتفي هذا الفؤادُ المُفَجّعُ.....وفي كل يومٍ راحلٌ ليس يرجعُ
نميل من الدنيا إلى ظل مزنةٍ...........لها بارقٌ فيهِ المنيّةُ تلمعُ
وكيف يطيب العيش والمرء قائمٌ....على حذرٍ من هول ما يتوقعُ
ومن عجب أنّا نُساءُ* فنرتضي.....وندركُ أسباب الفناءِ ونطمعُ
ولو علم الإنسان عُقبان أمره..........لهان عليه ما يسرُ و يَفْجَعُ
تسيرُ بنا الأيامُ والموت موعدٌ.....وتدفعنا الأرحامُ والأرض تبلعُ
*نُساءُ: تسوءنا الأيام و تفعل بنا ما نكره
وأختم رحلتي معه بقصيدة جميلة اسمها (ليلى)...ولليلي كم هوى العشاقُ!:
فؤادي والهوى قدح وخمرُ.....أما في ذاك لي طَرَبٌ و سُكْرُ
يلوموني على كلفي بليلى........وليلى في سماء الحسن بدرُ
لها خدٌ به للحسن وردٌ...............ولحظٌ فيه للملكين* سحرُ
تضنُ عليّ بالتسليم تيهاً...........وهل في سنّةِ التسليم وزرُ!
يلوحُ جبينها في طُرتيْهَا*.........كما أوفى على الظلماءِ فجرُ
وتبسمُ عن جمان*ٍ في عقيقٍ .......يقال له بحُكمِ الذوقِ : ثَغرُ!
*الملكين:هاروت وماروت المشار إليهم في سورة البقرة الآية 102.
*الطرة: الشعر الذي تصففه المرأة على جبهتها.
*جمان في عقيق : لؤلؤ ناصع في عقيق لذيذ الحمرة والصورة في جلاء الشمس!
**وفاته
بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم "مدرسة النهضة" أو "مدرسة الأحياء".
ولم تطل الحياة بالبارودي بعد رجوعه، فلقي ربه في (4 من شوال 1322هـ ، 12 من ديسمبر 1904م).
**إنسان:
عندما بدأتُ القراءةَ "للبارودي" أذكرُ أن أذهلتني تلك الروحُ الشفيفةُ التي تتقاطرُ عذوبةً و رقةً على ثُنيّات أبياته..أنا الذي ظننتُ أنّي سأقرأُ شعرا لكلاسيكيّ عتيدٍ سيصك ذائقتي باللفظ الصلبِ الفخم و الأسلوب المتين المتراص في صناعةٍ لغويةٍ متقنةٍ تناسب فارساً حربياً مثله بلك أن تناسبَ تلك الحقبة الزمنية التي عاش فيها واللغةُ و الشعرُ يتراوحان آنذاك بين (ما أشبه اليوم بالبارحةِ) و (أدب ديوان الخديوي)!
ذلك الإنسان الذي أحسست به من وراء أبياتٍ....لم يكن إلا إنسانا حقيقيا...وجها حقيقيا صادقا تبهرك تحولاته غير المفتعلةِ من مقاتلٍ فذٍ ترقّى إلى أعلى مناصب الجيش المصري في فترة عجّت بالقلاقل و الاحداث ...إلى شاعرٍ لا يقلُ جودةً ولا موهبةً عن معاصريه أو من خلفوه_إن لم يكن يفوقهم_ ممن كان للشعر من حياتهم القاسم الأعظم.
أحببت فقط في البداية أن أشير إلى تلك الروح الجميلةِ و ذلك الإنسان قبل أن أبدأ...حتى وإن تركت تعريف ذلك و وصفه ليتلمسه المارون بأنفسهم فلقد علمت أن لذلك لذةً أخرى!
**حيـاته:
"قليلون فعلا ...هؤلاء الذين يعيشون حياةً حقيقية"
محمود سامي البارودي...
ولد في مصر (القاهرة) عام 1838م (27 رجب 1255هـ)، (6 اكتوبر 1839م) لأبوين من الجراكسة في فترة صاخبة من تاريخ مصر..ويرجع لقبه (البارودي) إلي مدينة (إيتاي البارود) في محافطة البحيرة التي كان أحد أجداده ملتزماً لها ويجمع الضرائب من أهلها.
نشأ البارودي في أسرة على شيء من الثراء والسلطان، فأبوه كان ضابطًا في الجيش المصري برتبة لواء، وعُين مديرًا لمدينتي "بربر" و"دنقلة" في السودان، ومات هناك، وكان ابنه محمود سامي حينئذ في السابعة من عمره.
تلقى البارودي دروسه الأولى في بيته، فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، ثم التحق وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية سنة (1268هـ ، 1852م)، وفي هذه الفترة بدأ يظهر شغفًا بالشعر العربي وشعرائه الفحول، وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج برتبة "باشجاويش" ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما كما ينظم بالعربية، ولما سافر الخديوي إسماعيل (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/10/article16.shtml) إلى العاصمة العثمانية بعد توليه العرش ليقدم آيات الشكر للخلافة، ألحق البارودي بحاشيته، فعاد إلى مصر بعد غيبة طويلة امتددت ثماني سنوات، ولم يلبث أن حنّ البارودي إلى حياة الجندية، فترك معية الخديوي إلى الجيش برتبة بكباشي.
تخرّج من المدرسة الحربية عام 1854 وهو بعد في السادسة عشرة من عمره لكن الجيش كان قد سُرّح في عهد سعيد باشا والي مصر آنذاك فكانت هذه أول محنة يواجهها في حياته.
وكانت تسريته تتمثل في العودة إلى الماضي و أجداده العرب ...والعربيّ جدٌ لكل من تكلم العربية كما يقول الأديب محمد حسين هيكل في مقدمته لديوان البارودي...فعاش معهم و شاركهم معاركهم التي أغنته في صباه عن معارك الحاضر الغائبة خلال شعرهم الذي نهل منه على لهفٍ و ظمأ.
**حياته الجندية:
وفي أثناء عمله بالجيش اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة (1282 هـ = 1865م) لمساندة جيش الخلافة العثمانية في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة "كريت"، وهناك أبلى البارودي بلاء حسنًا، وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحرب التي خاض غمارها، في رائعة من روائعه الخالدة التي مطلعها:
أخذ الكرى بمعاقد الأجــــــفان
وهفا السرى بأعنة الفرسان
والليل منشور الذوائب ضارب
فوق المتــالع والربا بجران
لا تستبين العين في ظلــــــماته
إلا اشتعــــــال أسِنَّة المران
(الكرى: النوم، هفا: أسرع، السرى: السير ليلاً، المتالع: التلال، ضارب بجران: يقصد أن الليل يعم الكون ظلامه).
ولم يكترث ممن انتقده بسبب اتجاهه للشعر بل لامهم على تجاهلهم لذلك التراث المبهر...يقول:
تكلمت كالماضين قبلي بما جرت.......به عادة الإنسان أن يتكلما
فلا يعتمدني بالإساءة غافلٌ ............فلابد لابن الأيكِ أن يترنما
والتحق بوزارة الخارجية وتعلم اللغتين الفارسية و التركية و قضى فترة في الآستانة (إسطنبول) ثم عاد إلى مصر في عهد إسماعيل باشا وكان في الرابعة و العشرين من عمره وقد عقد العزم على أن يشارك في النهضةِ التي حمل لواءها الخديوي إسماعيل..فزاول عمله في الجيش وترقى في مناصبه وبدأ يشارك في حملات الجيش المصري العسكرية كتلك التي قام بها الجيش المصري لإخماد التمرد في جزيرة كريت وتلك الحملة التي انضمت لصفوف القوات العثمانية في حربها مع روسيا
ولكن الشعر كان همه الأول فذاع صيته وأحبه القراء لما لأسلوبه من ملامح خاصة و لُقب بـ (رب السيف و القلم).
أبدع البارودي في لون يمكن أن نطلق عليه (شعر الشباب) وذلك قبل أن تبدأ الأحداث السياسية في مصر في غليانٍ متصاعدٍ فتستولي على "شيطان" شعره.
إذ ما لبثت الحركة الوطنية أن تفجرت وهب الشعب مطالبا بمعارضة التدخل الأجنبي و التشبث بالحكم النيابي الدستوري و الشورى وسيلتان أكيدتان للإصلاح
وأشترك العسكريون الشرفاء _ومنهم البارودي_ إلى جوار المواطنين في صفوف الحملة الوطنية فوجد البارودي نفسه يخوض غمار الحياة السياسية موزع النفس بين ولائه للخديوي كجندي تحت شرف القَسَم..وبين ولائه لمصر و المصريين.
وهذا الموقف هو الذي جعله ربما يرتبط بالجانبين معا في موقفٍ غير صارخِ الانحياز ومن ثم لم يبرز في الصفوف الأولى للثورة العرابية بل ظل في عداد الصف الثاني فلما أخفقت الثورة لم يتنصل منهم ولم ينفِ أنه شجعهم و أتصل بهم فحوكم و حكم عليه بالنفي مع زعماء الثورة إلى سيلان (سرنديب) فأقام بها أكثر من 17 عاما كانت تصله أثناءها أنباء وفاة أحبائه وأصدقائه فيرثيهم و يحن إلى مصر فتتفجر منه أنهار الشعر باذخة القوة و الجودة .
وحين بدأت صحته تعتل و بصره يذوي أشفق المسئولون عليه وقرر الخديوي عباس حلمي العفو عنه وإعادته لمصر فعاد لها في مطلع القرن العشرين ولقي من ترحاب الناس ما عوضه عن سنوات الغربة.
أفل نجم (رب السيف و القلم) في أواخر ديسمبر 1904(شوال 1322) راحلا عن دنيانا بعد حياة حافلة بالأحداث و التحولات تليق بشاعرٍ مثله.*
*عن ترجمةٍ موجزةٍ له في مقدمة (مختارات من شعر البارودي) من سلسلة إصدارات مكتبة الأسرة الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
**العمل السياسي
بعد عودة البارودي من حرب البلقان تم تعيينه مديرًا لمحافظة الشرقية في (ربيع الآخر 1295هـ = إبريل 1878م)، وسرعان ما نقل محافظًا للقاهرة، وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة حرجة من تاريخها، بعد أن غرقت البلاد في الديون، وتدخلت إنجلترا وفرنسا في توجيه السياسة المصرية، بعد أن صار لهما وزيران في الحكومة المصرية، ونتيجة لذلك نشطت الحركة الوطنية وتحركت الصحافة، وظهر تيار الوعي الذي يقوده "جمال الدين الأفغاني (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/12/article20.shtml)" لإنقاذ العالم الإسلامي من الاستعمار، وفي هذه الأجواء المشتعلة تنطلق قيثارة البارودي بقصيدة ثائرة تصرخ في أمته، توقظ النائم وتنبه الغافل، وهي قصيدة طويلة، منها:
جلبت أشطر هــــذا الدهر تجربة
وذقت ما فيه من صاب ومن عســــل
فما وجدت عـــلـى الأيــــام باقية
أشهى إلى النفس من حرية العمـــــل
لكننا غرض للــــشر في زمــــن
أهل العقول به في طاعة الـــــــــخمل
قامت به من رجال السوء طائفة
أدهى على النفس من بؤس على ثكل
وبينما كان محمد شريف باشا رئيس مجلس النظار يحاول أن يضع للبلاد دستورًا قويمًا يصلح أحوالها ويرد كرامتها، فارضًا على الوزارة مسؤوليتها على كل ما تقوم به أمام مجلس شورى النواب، إذا بالحكومة الإنجليزية والفرنسية تكيدان للخديوي إسماعيل عند الدولة العثمانية لإقصائه الوزيرين الأجنبيين عن الوزارة، وإسناد نظارتها إلى شريف باشا الوطني الغيور، وأثمرت سعايتهما، فصدر قرار من الدولة العثمانية بخلع إسماعيل وتولية ابنه توفيق.
ولما تولّى الخديوي توفيق الحكم سنة (1296هـ = 1879م) أسند نظارة الوزارة إلى شريف باشا، فأدخل معه في الوزارة البارودي ناظرًا للمعارف والأوقاف، ونرى البارودي يُحيّي توفيقًا بولايته على مصر، ويستحثه إلى إصدار الدستور وتأييد الشورى، فيقول:
سن المــــشورة وهي أكرم خطة
يجري عليها كل راع مرشد
هي عصمة الدين التي أوحى بها
رب العبــاد إلى النبي محمد
فمن استعـــــــــــان بها تأيد ملكه
ومن استــهان بها لم يرشد
غير أن "توفيق" نكص على عقبيه بعد أن تعلقت به الآمال في الإصلاح، فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد، وشرد أنصاره ومريديه، وأجبر شريف باشا على تقديم استقالته، وقبض هو على زمام الوزارة، وشكلها تحت رئاسته، وأبقى البارودي في منصبه وزيرًا للمعارف والأوقاف، بعدها صار وزيرًا للأوقاف في وزارة رياض.
وقد نهض البارودي بوزارة الأوقاف، ونقح قوانينها، وكون لجنة من العلماء والمهندسين والمؤرخين للبحث عن الأوقاف المجهولة، وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد، ووضعها في مكان واحد، وكانت هذه المجموعة نواة دار الكتب (http://198.65.147.194/Arabic/history/1422/07/article22.shtml) التي أنشأها "علي مبارك (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/07/article26.shtml)"، كما عُني بالآثار العربية وكون لها لجنة لجمعها، فوضعت ما جمعت في مسجد الحاكم حتى تُبنى لها دار خاصة، ونجح في أن يولي صديقه "محمد عبده (http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/07/article29.shtml)" تحرير الوقائع المصرية، فبدأت الصحافة في مصر عهدًا جديدًا.
ثم تولى البارودي وزارة الحربية خلفًا لرفقي باشا إلى جانب وزارته للأوقاف، بعد مطالبة حركة الجيش الوطنية بقيادة عرابي بعزل رفقي، وبدأ البارودي في إصلاح القوانين العسكرية مع زيادة رواتب الضباط والجند، لكنه لم يستمر في المنصب طويلاً، فخرج من الوزارة بعد تقديم استقالته (25 من رمضان 1298 = 22 من أغسطس 1881م)؛ نظرًا لسوء العلاقة بينه وبين رياض باشا رئيس الوزراء، الذي دس له عند الخديوي.
**وزارة الثورة
عاد البارودي مرة أخرى إلى نظارة الحربية والبحرية في الوزارة التي شكلها شريف باشا عقب مظاهرة عابدين التي قام بها الجيش في (14 من شوال 1298 هـ = 9 من سبتمبر 1881م)، لكن الوزارة لم تستمر طويلاً، وشكل البارودي الوزارة الجديدة في (5 من ربيع الآخر 1299هـ = 24 من فبراير 1882م) وعين "أحمد عرابي" وزيرًا للحربية، و"محمود فهمي" للأشغال؛ ولذا أُطلق على وزارة البارودي وزارة الثورة؛ لأنها ضمت ثلاثة من زعمائها.
وافتتحت الوزارة أعمالها بإعداد الدستور، ووضعته بحيث يكون موائمًا لآمال الأمة، ومحققًا أهدافها، وحافظا كرامتها واستقلالها، وحمل البارودي نص الدستور إلى الخديوي، فلم يسعه إلا أن يضع خاتمه عليه بالتصديق، ثم عرضه على مجلس النواب.
**الثورة العرابية
تم كشف مؤامرة قام بها بعض الضباط الجراكسة لاغتيال البارودي وعرابي، وتم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين، فقضت بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى أقاصي السودان، ولمّا رفع "البارودي" الحكم إلى الخديوي توفيق للتصديق عليه، رفض بتحريض من قنصلي إنجلترا وفرنسا، فغضب البارودي، وعرض الأمر على مجلس النظار، فقرر أنه ليس من حق الخديوي أن يرفض قرار المحكمة العسكرية العليا وفقًا للدستور، ثم عرضت الوزارة الأمر على مجلس النواب، فاجتمع أعضاؤه في منزل البارودي، وأعلنوا تضامنهم مع الوزارة، وضرورة خلع الخديوي ومحاكمته إذا استمر على دسائسه.
انتهزت إنجلترا وفرنسا هذا الخلاف، وحشدتا أسطوليهما في الإسكندرية، منذرتين بحماية الأجانب، وقدم قنصلاهما مذكرة في (7 من رجب 1299هـ = 25 من مايو 1882م) بضرورة استقالة الوزارة، ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض زملائه، وقد قابلت وزارة البارودي هذه المطالب بالرفض في الوقت الذي قبلها الخديوي توفيق، ولم يكن أمام البارودي سوى الاستقالة، ثم تطورت الأحداث، وانتهت بدخول الإنجليز مصر، والقبض على زعماء الثورة العرابية وكبار القادة المشتركين بها، وحُكِم على البارودي وستة من زملائه بالإعدام، ثم خُفف إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب.
**البارودي في المنفى
أقام البارودي في الجزيرة سبعة عشر عامًا وبعض عام، وأقام مع زملائه في "كولومبو" سبعة أعوام، ثم فارقهم إلى "كندي" بعد أن دبت الخلافات بينهم، وألقى كل واحد منهم فشل الثورة على أخيه، وفي المنفى شغل البارودي نفسه بتعلم الإنجليزية حتى أتقنها، وانصرف إلى تعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف، وإلى اعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليُفقّه أهلها شعائر الإسلام.
وطوال هذه الفترة قال قصائده الخالدة، التي يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في (6 من جمادى الأولى 1317هـ = 12من سبتمبر 1899م).
**شــعـره :
يعد البارودي رائد الشعر العربي في العصر الحديث؛ حيث وثب به وثبة عالية لم يكن يحلم بها معاصروه، ففكّه من قيوده البديعية وأغراضه الضيقة، ووصله بروائعه القديمة وصياغتها المحكمة، وربطه بحياته وحياة أمته.
وهو إن قلّد القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضوعات وفي أسلوبهم وفي معانيهم، فإن له مع ذلك تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.
وترك ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت، طبع في أربعة مجلدات، وقصيدة طويلة عارض بها البوصيري، أطلق عليها "كشف الغمة"، وله أيضًا "قيد الأوابد" وهو كتاب نثري سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، و"مختارات البارودي" وهي مجموعة انتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرًا من فحول الشعر العباسي، يبلغ نحو 40 ألف بيت.
من المعروف أن البارودي ينتمي لمدرسة (الإحياء و البعث) الشعرية التي عنيت ببعث الشعر العربي من الحالة المزرية التي كان عليها في تلك الفترة منحدرا إليها عبر فترات أطول من الركود و الضعف
فكان شعراء ذلك الاتجاه _وأبرزهم البارودي_ يتخذون من استلهام درر و يواقيت الشعر العربي الجَزِل الأصيلِ العريق و التجديد في الأغراض و المعاني سبيلين لبعث الشعر العربي الكلاسيكي من مرقده حتى يردده الناس و يتذوقوه
فأصبح شعره نموذجا لشباب الشعراء الذين نسجوا على منواله كأمير الشعراء (أحمد شوقي) و شاعر النيل _ذلك الفذ_ (إبراهيم حافظ).
تلك التي نجح فيها عن جدارةٍ في استلهام تراث أجداده الفخم مع التجديد الواضح في الصياغة و الأسلوب و الروح.
شعرٌ حيٌ...!
تقرأه فلا تمل منه ولا تجد فيه ما ينفّر ذائقتك من وحشي اللفظ و غريبة فتتركه إلى غيره مما تراه أنسب لروح عصرنا هذا و أمتع بل يدفعك إن وجدت من شعره مفردةً غامضةً أن تبحث وتكشف عنها لتكتمل في مخيلتك صورهُ البديعة و تراكيبه الحلوة.
فشعره ينتمي للنوع الحي من الفن...ذلك الذي تزداد قيمته بمرور الزمن.
فالشعرُ أبلغ وأصدق مني بيانا !
من قصيدته(مصر):
أبابلَ* رأي العين أم هذه مصـر ُ............فإني أرى فيها عيوناً هي السحرُ
نواعسَ أيقظن الهوى بلواحـظٍ .............تدين لها بالفتْكةِ البيضُ و السمرُ
فليس لعقلٍ دون سلطانها حـمىً ............ولا لفؤادٍ من غشْيَانِها سترُ
فإن يكُ موسى أبطل السحرَ مرةً ............فذلك عصر المعجزات و ذا عصرُ
فأي فؤاد لا يذوب صــــــــــبابةً .............ومُزْنَةِ عينٍ لا يَصُوبُ لها قَطْرُ؟
*بابل: مدينة قديمة عظيمة على جانب الفرات الأيسر اشتهرت بالسحر.البيض و السمر:السيوف و الرماح. غشيانها: هجومها.المزنه:السحابة. يصوب: ينزل و ينصب
وفي ذات القصيدةِ يقول عن محبوبته:
تريك جمان القطر* في أقحوانه*....مفلجة الأطراف قيل لها ثغرُ
تدين لعينيها سواحر بابلٍ....وتسكر من صهباء ريقتها الخمرُ
رضيت من الدنيا بحبكِ عالماً...بأن جنوني في هواك هو الفخرُ
هوىً كضمير الزند* لو أن مدمعي..تأخر عن سقياه لأحترق الصدرُ
*جمان القطر: الجمان هو اللؤلؤ والقطر قطرات المطر والمراد أسنان الحلوة!.
أقحوانه: نبت طيب الريح شديد البياض
ضمير الزند:قلب العود الذي توقد به النار.
وفي معرض الحديث عن رجال حيها التي تسكنه!:
يظنون بي شرا ولست بأهله............................وظن الفتى دون بينةٍ وزرُ
وماذا عليهم إن ترنم شـــــــــــــاعرٌ................... بقافيةٍ لا عيب فيها ولا نُكْرُ
أفي الحق أن تبكي الحـمائم شجوها.................... ويبلى فلا يبكي على نفسه الحرُ
وأي نكيرٍ في هوىً شــــــــــبَّ وقدُهُ*................. بقلب أخي شوقٍ فباح به الشعرُ
وكيف أسوم القلب صبرا على الهوى................. ولم يبق لي في الحب قلبٌ ولا صبرُ
ليهنَ الهوى* أني خضعت لحكمــــه.................. وإن كان لي في غيره النهي و الأمرُ
فإني امرؤٌ تأبى* لي الضيم صولـــة.................. مواقعها في كل معتركٍ حمرُ
أبيٌ على الحِدْثَان* لا يستفزنـــــــــي................. عظيمٌ ولايأوى إلى ساحتي ذعرُ
إذا صلتُ صال الموت من وكراتـــــه................. وإن قلت أرخى من أعنته الشعرُ!!!
*شب وقده:اتقدت ناره.
لِيَهنَ الهوى: ليهنأ الهوى.
تأبى: تمنّع فلا يقبل.
الحدثان:خطوب الدهر ونوائبه.
و من قصيدته (الأهرام):
يقول عن النقوش الهيروغليفية على جدران الأهرام:_
إذا ما فتحنا قُفل رمزٍ بدت لنا.....معاريض لم تُفتَح بِزِيجٍ* ولا جَبْرِ
فكم نُكتٍ* كالسحرِ في حركاتهِ........تُريك مدبَّ الرُّوحِ في مُهجةِ الذرّ*ِ
سكرنا بما أهدت لنا من لبابها.......فيالك من سكر أتيح بلا خمرِ!
*الزيج: جدول يستدل به على حركة النجوم و الكواكب .
النُكت:جمع النكتة وهي الأثر القليل يشبه النقطة والمراد هنا النقش الدقيق المحكم.
الذرّ: صغار النمل!
يقول عن لصوص الآثار في العصور القديمة:
وفلوا لجمع التِبرِ صُمَّ صُخورها...وأيسرُ ما فلوهُ أغلى من التبرِ!
ومن غزليةٍ يقول:
لوى جيده وانصرف.....فما ضرّهُ لو عطفْ
غزالٌ له نظرةٌ.............أعانت عليّ الكَلَفْ*
تبسم عن لؤلؤٍ...........له من عَقيقٍ صَدَفْ!
وتاه فلم يلتفت.........وشأن الجمالِ الصَلَفْ
رآني به مولعا.............فعاتبني وأنحرفْ
ولم يدرِ أنِّي به...........على جمراتِ التلفْ
فقلت له :سيدي............ترفّق بصبٍ دَنِفْ
وأنشدته قطعةً.........وشعري إحدى الطُرَفْ
فأصغى لها باسما..........وبان عليه الأسفْ
ونمّت* به خجلةٌ..........تدلُ على ما اقترفْ!
وقال: أهذا الضنى........جناه عليك الشغفْ!
فقلتُ :نعم سيدي..........وأبرح مما أصفْ
فصدّق لكنّهُ...............تجاهل لما عَرَفْ
وقال:أطعت المنى..وبعضُ الأماني سَرَفْ!!
وما كل ذي حاجةٍ.....يفوز بها إن عَكَفْ!!
فأشفقت من قولهِ.........ولكن ربي لَطَفْ
فلما رأى أدمعي.....توالت و قلبي رَجَفْ
تبسّم لي ضاحكا.....ومانعَ... ثم انعطفْ!*
فأغرمته* قبلةً........(عفا الله عما سلفْ)!
*الكلف: الحب الشديد.
*نمّت:ظهرت.
*انعطف:مال.
*أغرمته:ألزمته الغرامة جزاء ما فعل!
من قصيدته (الحنين إلى مصر) وكان في جزيرة كريت في حملة عسكرية لإخماد الفتنة:
سرى البرقُ مصرياً فأرّقني وحدي..وأذكَرَني ما لست أنساهُ من عَهدِ
فيا برقُ حدثني وأنت مُصَدَّقٌ...عن الآل والأصحاب ما فعلوا بعدي
فوا أسفا إذ ليس يجدي تأسفٌ....على طواه الدهر من عيشنا الرغدِ
إذ الدهرُ سمحٌ والليالي سميعةٌ.......و(لمياءُ) لم تخلف بليّانها* وعدي
فتاةٌ تريك الشمس تحت خمارها..إذا أسفرت و الغصن في معقد البندِ*
من الفاتناتِ الغيدِ لو مرَّ ظلها.......على قانتٍ* دبّت به سوْرة* الوجدِ!
حلفتُ بما وارى الخمارُ من الحيا..وما ضمت الأردان من حَسَبٍ عدِّ*
وباللؤلؤ المنضود بين يواقتٍ........هي الشهد ظنا بل ألذ من الشهدِ!
يمينا لو استسقيت أرضا به الحيا....لخاض بها الرعيان في كلأٍ جَعدِ
لأنتِ _وأي الناس أنتِ_حبيبةٌ..........إليّ و لو عذبتِ قلبي بالصدِّ
إليكِ سلبتُ العين طيبَ مَنَامها......وفيكِ رعيتُ النجمَ في أُفْقِهِ وحدي
*ليّانها: المماطلة و التسويف بوعد الوفاء مرة بعد أخرى.
*البندِ: الحزام.
*قانتٍ: ناسك عابد.
*سورة الوجد:شدته.
*حسب عدِّ:قديم أو كثير مستعار من قولهم ماءٍ عدِّ أي كثير جارٍ
ومن قصيدةٍ يحاكي بها قصيدة ابن النبيه التي مطلعها (يا ساكني السفح كم عين بكم سفحت) :
خُوطيّةُ* القَدُّ لو مر الحمامُ بها...............لم يشتبه أنها من أيكِهِ انتزعت
يموت قلبي و يحيا حيرةً و هدىً....في عالم الوجد إن صدّت* و إن جنحتْ*
كالبدر إن سفرت والظبي إن نظرت.. والغصن إن خطرت والزهر إن نفحتْ
واخجلة البدرِ إن لاحت أسرتها*............وحيرة الرشأِ* الوسنان* لو لمحتْ
مازلت أسحرها بالشعر تسمعه.........من ذات فهمٍ تُجيدُ القول إن شرَحَتْ
حتى إذا علمت ما حل بي ورأت....سُقمي وخافت على نفسٍ بها افتضحت
حنّت رثت عطفت مالت صَبَت عَزَمت... هَمَت سَرَت وَصَلت عَادت دَنَت مَنَحتْ
ويصف ليلة جاد بها عليه الدهرُ:
وليلةٍ سال في أعقابها شفقٌ.............كأنها بحسام الفجر قد ذُبِحَتْ
طالت و قصرّها لهوي بغانية*ٍ....إن أعرضت قتلت أو أقبلت فضحتْ
هيفاءُ إن نطقت غنت! وإن خطرت رن...وإن فوّقَت ألحَاظَهَا* جَرَحَتْ
*خوطية القد:الخوط الغصن الناعم.
*صدت:أعرضت.
*جنحت:مالت.
*أسرّتها:أسرّة الوجه محاسنه.
*الرشأِ:ولد الظبية الصغير.
*الوسنان : من الوسن ويريد هنا طرفه الناعس.
*غانيةٍ: الجارية التي غنيت بحسنها.فضحت: كشفت حبا مستورا.
*فوّقت ألحاظها:توجيه النظرات و تصويبها على مسكينٍ أعزل!
ومن قصيدته الأحلى (الحب):
سمع الخليُّ* تأوّهي فتلفتا ......وأصابه عجبٌ وقال مَنِ الفتي؟
فأجبته إني امرؤ لعب الأسى........بفؤاده يوم النوى فتشتتا*
أنظر إليّ تجد خيالا باليا..........تحت الثياب يكاد ألا يُنعتا
قد كان لي قلبٌ أصاب سوادهُ........سهمٌ لطرف فاتر*ٍ فتفتتا
تبع الهوى قلبي فهام وليته.......قبل التوغل في البلاء تثبتا
ألقته في شَرَك المحبة غادةٍ...هيهات!ليس بصاحبي إن أفلتا!
كالورد خدا و البنفسج طُرة .....والغصن قدا والغزالة مَلفِتَا*
تالله لو علم العذول بما جنى....طَرْفِي عليّ لسَاءه أن يَشمَتا
طرفٌ أطلت عنانه ليصيب لي..بعض المني فأصابني لما أتى
يا قلب حسبك قد أفاق معاشرٌ..وأراك تدأب في الهوى فإلى متى؟
*الخليّ: خالي البال من العشق والهم.
*تشتتا: تشتت القلب.ينعتا:يوصف.
*فاترٍ:ناعسٍ والفتور من صفات الحسن في عيون النساء.
*ملفتا:من التلّفُتِ
ومن قصيدة في رثاء الأديب والعالم اللغويّ (أحمد فارس الشدياق):
متى يشتفي هذا الفؤادُ المُفَجّعُ.....وفي كل يومٍ راحلٌ ليس يرجعُ
نميل من الدنيا إلى ظل مزنةٍ...........لها بارقٌ فيهِ المنيّةُ تلمعُ
وكيف يطيب العيش والمرء قائمٌ....على حذرٍ من هول ما يتوقعُ
ومن عجب أنّا نُساءُ* فنرتضي.....وندركُ أسباب الفناءِ ونطمعُ
ولو علم الإنسان عُقبان أمره..........لهان عليه ما يسرُ و يَفْجَعُ
تسيرُ بنا الأيامُ والموت موعدٌ.....وتدفعنا الأرحامُ والأرض تبلعُ
*نُساءُ: تسوءنا الأيام و تفعل بنا ما نكره
وأختم رحلتي معه بقصيدة جميلة اسمها (ليلى)...ولليلي كم هوى العشاقُ!:
فؤادي والهوى قدح وخمرُ.....أما في ذاك لي طَرَبٌ و سُكْرُ
يلوموني على كلفي بليلى........وليلى في سماء الحسن بدرُ
لها خدٌ به للحسن وردٌ...............ولحظٌ فيه للملكين* سحرُ
تضنُ عليّ بالتسليم تيهاً...........وهل في سنّةِ التسليم وزرُ!
يلوحُ جبينها في طُرتيْهَا*.........كما أوفى على الظلماءِ فجرُ
وتبسمُ عن جمان*ٍ في عقيقٍ .......يقال له بحُكمِ الذوقِ : ثَغرُ!
*الملكين:هاروت وماروت المشار إليهم في سورة البقرة الآية 102.
*الطرة: الشعر الذي تصففه المرأة على جبهتها.
*جمان في عقيق : لؤلؤ ناصع في عقيق لذيذ الحمرة والصورة في جلاء الشمس!
**وفاته
بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم "مدرسة النهضة" أو "مدرسة الأحياء".
ولم تطل الحياة بالبارودي بعد رجوعه، فلقي ربه في (4 من شوال 1322هـ ، 12 من ديسمبر 1904م).